رسائل من مسرح جامعة القاهرة

من المسرح الكبير، في قاعة الأميرة فاطمة بنت إسماعيل، الكريمة العظيمة التي جادت بحُليّها لتبني الجامعة، وأسفل القبة العريقة الذهبية الذاهية، ولمدة ساعة ونصف من الإسماع والإمتاع، انصت وانغمس وتمايل جمهور الحضور مع نحو خمس وعشرين مقطوعة موسيقية، تنوعت ما بين تترات المسلسلات كـ"الداعية"، و"اللقاء الثاني" و"قضية عم أحمد"، والموسيقى التصويرية للأفلام كـ"مافيا" و"خللي بالك من عقلك"، وبعض الأغنيات كـ"عارفة"، التي تفاعل معها جمهور القاعة المكتظة عن آخرها بالتصفيق الحار.

خلال الحفل فاجأ شاب الجميع بالصعود على المسرح لالتقاط صورة "سيلفي" مع الموسيقار الكبير.وفي الختام، اعتلى الأستاذ الدكتور محمد عثمان الخشت، رئيس جامعة القاهرة، المسرح، قائلا: "مجموعة من الشباب أحدهم اسمه "كريم" طلبوا مني أن أكرم الفنان الكبير، ابني وأصدقاؤه اتصلوا بـ"كريم" ليدعوه إلى حضور الحفل، ولكن صديقه رد عليهم، وأخبرهم باستشهاده!"، في إشارة منه إلى النقيب كريم محمد فرحات، من شهداء الواحات الأبطال. وتابع الخشت: "هذه القصة حقيقية، وأنا لا أكذب عليكم، كريم فرحات هو رجل من رجال مصر.. وأصدقاؤه حملوني أمانة أن أشكرك لأنك عزفت اليوم من أجلهم"، حيث أهدى رئيس جامعة القاهرة درعها للمايسترو العملاق، سائلا الجمهور: "من يحب الفنان عمر خيرت؟ من يحب مصر؟ من يحب الشهيد كريم فرحات وإخوته؟".. وسط صياح الجمهور وتفاعله. في رأيي لك يكن حفلا موسيقيا فحسب، بل تضمن عددا من الرسائل بالغة الأهمية والخطورة:

أولا: لم يزل الفن الراقي سلعة مطلوبة، كاذب من يدعي أن الشباب يبحثون عن المحتوى الهابط، لقد جلسوا الليلة يستمعون كما استمع أجدادهم لأم كلثوم وعبدالحليم على نفس المسرح قبل عشرات السنين، يا سادة.. مصر غنية بمواردها البشرية، قوية بشبابها، ولكنها تحتاج حسن إدارة تلك الموارد.

ثانيا: "إدّي العيش لخبازه".. كل ميسر لما خُلق له، العالم عالم، والعازف عازف، ليس في المجتمع من لا فضل له على الآخرين، وليس هناك فرق بين مواطن وآخر إلا بالعمل والإنجاز والتأثير الإيجابي، وما التصفيق الحار الذي يصك الآذان مع دخول الكبير عمر خيرت إلى المسرح وخروجه إلا "صوت النجاح" الذي لا يتأتى إلا بالعمل الجاد والمخلص والمبدع.

ثالثا: "زي ما هي حبها، فيها حاجة حلوة، يبقا إنت أكيد المصري".. هكذا عزف خيرت، وغنى جمهور الجامعة، وهكذا قال المايسترو الكبير: "انتو أحلى شباب في مصر.. وواثقين إنكم هترفعوا رأس مصر"، في حفله مساء الجمعة، الذي يعقبه حفل آخر مساء الأحد، خُصص ريعهما لأسر الشهداء، الذين حضرت أرواحهم الطاهرة معنا، لتؤكد أننا أمة تستعصي على الانكسار، وأنها تحارب وتبني وتعزف أيضا في الوقت ذاته.

رابعا: الجامعات ليست "مدراس عُليا" فحسب، بل مصانع لإعداد "قادة" بكل ما تحمله الكلمة من معانٍ، قادة تمتلئ عقولهم علما وفكرا، ووجدانهم حبا وفنا، وسلوكهم إنتاجا وتنمية، شئنا أم أبينا ستمتلئ العقول والقلوب، فلنملأها اهتماما ورعاية، تمنحنا زهورا تعيش وتثمر، أما الإهمال والانغلاق فلا يتقيحان إلا بالسواد والحقد والتطرف والغلو، حسنا فعلت إدارة جامعة القاهرة بإصدارها "وثيقة التنوير"، وحسنا فعلت بإقامة الحفلات الفنية الراقية، لقد قدمت الكثير، ولايزال أمامها أكثر وأكثر لتقدمه.هكذا كانت الرسائل من الأمسية الأروع، في الجامعة الأعرق، لتبقى معشوقتي جامعة القاهرة، منارة للعلم والفكر والفن والثقافة.