بعد 25 عاما.. مساكن الزلزال بالمقطم «ذكريات من زمن فات»

كتب: سارة سعيد

بعد 25 عاما.. مساكن الزلزال بالمقطم «ذكريات من زمن فات»

بعد 25 عاما.. مساكن الزلزال بالمقطم «ذكريات من زمن فات»

بنايات متراصة بجوار بعضها، متشابهة لا يفرقها سوى ساكنيها، الذين لم يتوقعوا يوما أن تنقلهم الحياة إلى ذلك الجانب من المدينة الكبيرة، بعد أن ألفوا "ونس" الأحياء الشعبية التي ولدوا وتربوا بها، ليصبحوا بعد 25 عاما السكان الأصليين للمنطقة التي أنشئت خصيصا لتعويضهم.

في مثل هذا اليوم قبل 25 عاما، اهتزت القاهرة بعنف عندما ضربها الزلزال الأكثر تدميرا منذ العام 1847، ليخلف منازل مهدمة بالكامل وأخرى آيلة للسقوط، ليصبح الشارع مأوى عشرات الأسر التي حرمها زلزال 1992 من "حيطان" تقيها برد الشتاء وحر الصيف والأهم عيون الناس، حتى تحركت الدولة وخصصت "مساكن الزلزال" بالمقطم، ليصبح الزلزال ذكرى منسية.

"أول ما جيت كان المكان تراب وعمارات لسه فاضية، دلوقتي من الزحمة مفيش مكان"، ترجع الحاجة سامية بذاكرتها إلى سنوات مضت، عندما انتقلت إلى مساكن الإيواء بالمقطم، بعدما كانت من سكان حي السيدة زينب الذي تزوجت وعاشت به عدة سنوات، قبل أن تصيب لعنة الزلزال الطابق الأخير الذي كانت تسكن به في منزلها القديم المتهالك، ليزال وحده ويرمم باقي المنزل.

وبعد 4 أشهر على الزلزال "اتشحططت" فيهم الحاجة الستينية وأسرتها، استلمت سامية شقتها بمساكن المقطم، لتبدأ مرحلة جديدة من حياتها في مكان هادئ لا يعرف الازدحام طريقا له، وحكت الحاجة لـ"الوطن": "رغم إني كنت زعلانة عشان اتنقلت من الحي اللي اتربيت فيه، بس فرحت عشان استلمت شقة جديدة في مكان هادي في أول التسعينيات، ومع الوقت اتأقلمت ونسيت الزلزال وأحداثه زي ناس كتير اتنقلت هنا"، مختتمة "هو في زي هنا وحلاوة هنا".

الحاج محمد حسن كان "عريس جديد" عندما اهتز به حي السيدة عائشة بسبب الزلزال ليخسر منزله، وبعد حصر رئاسة الحي الأسر والمنازل المتضررة، تسلم منزلا بـ"مساكن الزلزال" الكائنة بأحد أشهر شوارع المقطم، وانتقل هو وأولاده إلى منزله الجديد وفتح محلا بعد عدة سنوات، ليكون الزلزال سببا في تغيير مسار حياته تماما.

بعد كل تلك السنوات، تمر ذكرى الزلزال مرور الكرام في حياة حسن، فلم يعد يتذكر سوى بعض المشاهد التي تضيء في ذاكرته من حين لآخر للمنازل المهدومة والوجوه العابثة الخائفة من تباعات الزلازال، ويحكي الحاج لـ"الوطن": "اتنقلت للمنزل الجديدة أنا وأولادي وبعد توصيل المرافق والخدمات الأساسية بقت الحياة طبيعية، ودلوقتي مشكلة المكان الزحمة والبلطجية اللي بيحطوا أيديهم على بعض الأراضي بين العمارات، ويفتحوا أكشاك يأجروها من غير ما يعارضهم حد".

"مابفتكروش ومبحكيش لعيالي عنه.. أحكيلهم ايه؟ دي ذكريات قديمة وحشة"، هكذا تجاهلت أم محمد ذكريات الزلزال على مدار السنوات، فهو يرتبط بذاكرتها بسحبها لأولادها الأربعة في خوف ورعب، وركضها بهم للشارع، لتنضم إلى باقي جيرانها بمنطقة مصر القديمة، وقتما وقع الزلزال.

قبل 24 عاما، عندما استلمت أم محمد وحدتها، لم تكن الحكومة أوصلت المرافق الأساسية للمساكن، وكانت الشوارع مليئة بالحجارة والتراب، وتحكي: "استسلمت وحداتي بعد شهور من الزلزال، قضيناها بين بيوت العيلة، وماكنش وصلها ماية أو كهربا، بس بعد كده الحكومة وصلتهم".

من مصر القديمة، استلم الرجل الخمسيني، سمير مصطفى، منزله بـ"مساكن الزلزال" 1993، غاضبا بعد أن ترك حياته، ليأتي إلى مكان "شبه مهجور" عوضته به الدولة عن الخراب الذي حل بمسكنه، "زي اللي بيخلع ضرسه، خلعنا الزلزال من منطقتنا"، إلا أن الأمور تغيرت بعد ذلك وتحسنت الخدمات بعدها، ليكون علاقات جديدة مع الجيران المكان وتسير الحياة، إلا أنه لا يحكي لأولاده عن كل تلك الأحداث فهي بالنسبة له "ذكريات مؤلمة".

وبين المحال التي انتشرت في أروقة شوارع المساكن، تسير حبيبة محمد، الطالبة الإعدادية، عائدة من مدرستها، لا تعرف الكثير عن الحدث، سوى أن والدها انتقل هنا في أعقاب الزلزال، بينما صديقتها رضوى، التي تسير باتجاه السوق المقابل لقسم شرطة المقطم، الذي يقصده معظم أهالي مساكن الزلزال، لا تعرف شيئا عن زلزال 92، ولم تحك أسرتها عنه يوما، حد قولها.


مواضيع متعلقة