جرائم الختان فى رحاب «السيد البدوى».. «علقة تفوت وأطفال بتموت»

جرائم الختان فى رحاب «السيد البدوى».. «علقة تفوت وأطفال بتموت»
- أحد الفنادق
- أعلى مستوى
- أولياء الأمور
- إجراء عملية
- الباعة الجائلين
- الثقافة الصحية
- الدكتور محمد شرشر
- السيد البدوى
- العيش والملح
- آثار
- أحد الفنادق
- أعلى مستوى
- أولياء الأمور
- إجراء عملية
- الباعة الجائلين
- الثقافة الصحية
- الدكتور محمد شرشر
- السيد البدوى
- العيش والملح
- آثار
«يا عريس يا صغير.. علقة تفوت ولا حد يموت»، جملة ترددت فى أحد تابلوهات أوبريت العرائس الشهير «الليلة الكبيرة»، تتعرض لعمليات «الطهارة» التى يتم إجراؤها للأطفال فى رحاب موالد الأولياء ومقامات الصالحين، تيمناً وتبركاً بسيرتهم، وهى عادة عرفها المصريون قديماً وما زالت منتشرة حتى الآن، رغم زيادة عدد المراكز الطبية والعيادات التى تُجرى هذا النوع من الجراحات البسيطة، حيث يلجأ كثير من المواطنين إلى «الحلاقين» لإجراء عملية «طهارة» لأبنائهم، بسبب مبالغة تلك المراكز فى أسعار الجراحة.
وينتشر العديد من «المطهرجية» أو «الختّانين» فى رحاب مسجد «السيد البدوى» بمدينة طنطا، فى محافظة الغربية، يقومون بإجراء عمليات الطهارة للأطفال دون أى رقابة أو إشراف طبى من الأجهزة المعنية، مما يعرّض بعض الأطفال للإصابة بـ«النزيف» أو «العدوى» التى قد تهدد أرواحهم، ومع ذلك يتوافد كثير من الأهالى عليهم بصفة يومية، ويزداد الطلب عليهم فى أيام المولد نظراً لرخص أسعارهم التى تصل إلى 150 جنيهاً للطفل الواحد، مع منح تخفيضات لأولياء الأمور، فى حالة «طهارة» أكثر من طفلين.
والوصول إلى «مطهرجى» ليس بالأمر الصعب، فكل ما عليك أن تجاهر بسؤالك إلى أحد سكان المنطقة، فسرعان ما تجد من يتطوع ليدلك على أحدهم، بل قد يقوم باصطحابك إليه. بمجرد وصولنا إلى المنطقة، وعلى الرصيف أمام أحد المساجد الصغيرة القريبة من مسجد «السيد البدوى»، سألنا أحد الباعة الجائلين: «عاوزين نطاهر ابننا»، فأخبرنا على الفور: «روحوا عند عم (س. ش) خلف المسجد»، وخلال دقائق معدودة وجدنا أنفسنا داخل شارع فرعى ضيق لا يزيد عرضه على 3 أمتار، وأرضيته غير ممهدة، وتنتشر على جانبيه محلات لبيع إكسسوارات ومستلزمات تجميل ولعب أطفال، ترك أصحابها ممراً صغيراً للمترددين يعبرون منه، وخلال مسيرة على الأقدام لنحو 5 دقائق، تكرر سؤالنا عن «عم (س. ش) اللى بيطاهر العيال»، وفى كل مرة يأتينا الجواب من الوهلة الأولى: «هناك»، وكأننا نسأل عن شخص يعرف الجميع مهنته، دون أى اعتراض أو إنكار لما يقوم به.
{long_qoute_1}
وبالفعل وصلنا إلى المكان المقصود، محل قديم تظهر عليه آثار الزمان، بداخله مرآة صغيرة مكسورة أجزاء منها، وبعض أدوات الحلاقة، وشاب فى العقد الرابع من عمره، يجلس على كرسى، بمجرد مشاهدته لنا بادرنا بسؤاله: «اتفضلوا.. أؤمر؟»، فأجبناه: «عاوزين نطاهر طفلين»، صمت الشاب للحظات، لم تتوقف فيها عيناه عن النظر إلى ملامحنا وملابسنا، وبدا أن شعوراً بالقلق بدأ يتسلل إليه، قبل أن يبادرنا بإجابته: «آسف.. الحاج توفى من 5 سنوات.. هو اللى كان بيطاهر الأطفال»، سألناه إذا ما كان يعرف شخصاً آخر يقوم بنفس عمل والده، فجاءت إجابته: «لا والله معرفش»، وقبل مغادرة المحل سألناه: «متعرفش الأسعار كام؟»، فكرر نفس إجابته السابقة، وبينما كنا نهم بالخروج من المحل، وقف الشاب على بابه، وظل يراقبنا بقدر ما استطاعت عيناه أن ترانا.
عدنا مرة أخرى إلى الشارع المقابل لمسجد «السيد البدوى»، وسألنا بائعاً آخر عن «ختان»، لم ينتظر الانتهاء من السؤال، ليبادرنا بقوله: «حرام عليكم هتموّتوا عيالكم»، مشيراً إلى أنهم يقومون بإجراء عمليات «الطهارة» على الأرصفة، وبدون أى تعقيم، ونصحنا قائلاً: «روحوا بأولادكم المستشفى أفضل»، وبعد أن كررنا السؤال عليه، أخبرنا البائع بأن هناك أكثر من «مطهرجى» فى المنطقة، وأضاف أن أكثرهم خبرة شخص يُدعى «ز. أ»، وهو شيخ عجوز يمارس تلك المهنة منذ صغره، وبالسؤال عن عنوان له، أخبرنا بأنه ليس له مكان محدد، ولكنه عادة ما يوجد فى محيط المسجد.
وعلى بُعد خطوات من البائع سألنا عن «الشيخ ز. أ» مرة ثانية، ليجيبنا بائع آخر بقوله: «لو عاوزين توصلوا ليه عليكم أولاً مقابلة (ع. أ) هو الوسيط»، مشيراً إلى أنه يعمل بأحد محال بيع الحمص والحلاوة قرب المسجد.
وبمجرد وصولنا إلى «ع. أ»، والاستفسار منه عن إمكانية طهور الأطفال، رد قائلاً: «أيوه فيه.. اتفضلوا.. كام طفل؟»، فأجبناه: «طفلان»، ثم بادرنا «السمسار» بسؤاله عن الأطفال: «هما فين؟.. هاتوهم وتعالوا»، ولكننا أجبناه: «لما نقابل الشيخ (ز. أ) أولاً»، وعلى الفور طلب من أحد العمال سرعة البحث عن الرجل وإحضاره، ثم التفت إلينا قائلاً: «ماتخافوش، الطهارة هنا زى الفل، عيالى وأحفادى مطاهرهم على إيده، وأطفال تانية كتير، ماتقلقوش هنطاهرهم هنا (وأشار بيده إلى بير السلم الخاص بإحدى العمارات المجاورة) علشان محدش يشوفنا»، وبسؤالنا عن تكلفة عملية الطهور كان رده: «ماينفعش نتفق على دم.. اللى تدفعوه.. دى فرحة»، لافتاً إلى أن تكاليف طهور الطفل بتكون وفقاً لتقدير أهليته، كما أشار إلى أن «الختّان» أو «المطهرجى» هدفه الأول «كسب زبون يأتى له بزبائن آخرين»، قائلاً: «هتجيبولنا حبايبكم ومعارفكم، وهتشتروا منا حلويات وحمص الطهور».
{long_qoute_2}
وبعد عدة دقائق، وصل العامل وبرفقته «الشيخ ز. أ»، رجل فى العقد السادس من عمره، ذو لحية بيضاء، مرتدياً جلباباً، وممسكاً بإحدى يديه «مسبحة»، وفى الأخرى عصاً يتوكأ عليها، بمجرد أن وصل إلينا سألنا: «طهور ولا حجامة؟»، أجبناه: «طهور»، فبادرنا بالسؤال عن الأطفال: «هما فين؟»، فكانت إجابتنا: «موجودين، بس نتفق على السعر الأول»، بعد ذلك اصطحبنا الشيخ إلى المكان الذى يُجرى فيه عملياته، مدخل أحد الفنادق الصغيرة «لوكاندة»، وكررنا السؤال عن تكلفة الطهور، فسألنا عن عمر الطفلين، أجبناه بأن أحدهما 5 أشهر، والثانى عام ونصف، فطلب 150 جنيهاً عن كل طفل، وعندما سألناه عن احتمال تعرض الطفلين لأى مضاعفات، أجابنا بقوله: «لأ ماتخافوش، هيكونوا زى الفل، إحنا بنطهّر الجرح بصبغة اليود»، وتابع موجهاً النصح لنا: «انتم تغيّروا على الجرح للطفلين لمدة يومين، وبعدها كأن شيئاً لم يحدث»، ثم غادرنا المكان، على اتفاق بالعودة وبرفقتنا الطفلان.
«الوطن» رصدت 3 حكايات مختلفة مع أسر قامت بإجراء عمليات «طهارة» لأطفالهم الرضع على يد «مطهرجى» بالمناطق المحيطة بمسجد «السيد البدوى»، إحداها ترويها «خضرة محمد»، ربة منزل، حيث تحدثت عن «ختّان» حفيدتها، فقالت: «باخد بناتى وأحفادى كل جمعة لزيارة السيد البدوى، وقضاء اليوم كله هناك، وفى إحدى الزيارات ونحن نجلس فى الساحة المقابلة لمدخل المسجد فوجئنا بشخص يعرض علينا طهور حفيدتى»، وأضافت أنها سألت ذلك الشخص عن تكلفة العملية فأجاب بأنها تتراوح بين 50 و70 جنيهاً، بالإضافة إلى «نذر اللحوم»، وهو أمر متروك لأهل الطفل. وتابعت «خضرة» أنها عرضت الأمر على ابنتها، والدة الطفلة، وبعد موافقتها، اصطحبهم الرجل إلى محل صغير، واستغرقت عملية «الختان» نحو 10 دقائق، وانتظروا فى الساحة أمام المسجد لما يقرب من ساعة، حتى يقوم «المطهرجى» بالتغيير على الجرح، ثم غادروا عائدين إلى المنزل، وأضافت أنها بعد يوم من العملية فوجئت بارتفاع شديد فى درجة حرارة الطفلة والتهاب الجرح، فتم نقلها على الفور إلى مستشفى «المنشاوى» العام، حيث احتُجزت فى المستشفى لنحو أسبوعين حتى شُفيت تماماً، وأشارت إلى أنها اضطرت إلى عدم تحرير محضر بالواقعة، خوفاً من تعرضها وابنتها للمساءلة القانونية، واختتمت بقولها: «عندى 4 أحفاد ذكور، تم طهور 3 منهم فى المستشفيات، على يدى أطباء متخصصين، أما حفيدتى الأولى فشفت معاها أيام سودا، ماكنتش بنام من خوفى عليها إن يحصل لها حاجة، ماكنتش هسامح نفسى طول عمرى». أما «فاطمة م»، ربة منزل، مقيمة بمحافظة كفر الشيخ، فقالت إنها تأتى لزيارة السيد البدوى كل أسبوعين، وأشارت إلى أنها أجرت عملية «طهارة» لابنها على يد أحد «المطهرجية» خلف المسجد، قبل أكثر من 10 سنوات، وأضافت: «مات لى طفلان فى مرحلة الرضاعة، ونصحنى أحد الجيران بزيارة السيد البدوى فى طنطا بعد الولادة ومعى الطفل والدعاء لله بأن يبارك لى فى نجلى ويحفظه»، وأشارت إلى أنها أطلقت على طفلها، الذى يبلغ عمره حالياً 14 سنة، اسم «السيد البدوى»، وبالفعل أخذت بنصيحة جارها، وأصبحت تسافر إلى طنطا لزيارة «السيد البدوى» مرتين شهرياً، وفى إحدى الزيارات عرض عليها أحد الأشخاص طهور ابنها فوافقت، وبعد إجراء العملية قامت بتوزيع «النذر» من اللحوم بعد طهيها على المترددين على المسجد، بالإضافة إلى «العيش والملح».
«سناء أ»، ربة منزل، تحدثت لـ«الوطن» عن «النذر»، وقالت: «عادةً فى الطهور، يقوم أهل الطفل بتوزيع الطعام، ويسمى نذراً»، مشيرة إلى أنه نوعان: الأول «لحمة وعيش»، والثانى «عيش وملح»، ويحدد ذلك حسب مقدرة الأهل، وأضافت أن الاتفاق على تكاليف الطهور يشمل أيضاً الاتفاق على نوع «النذر» ونوع اللحوم، إما لحوم حمراء أو طيور، وقد تكون اللحوم مطهوة أو نيئة، مشيرة إلى أنها فى طهور حفيدها قامت بشراء اللحوم وطهيها وتوزيعها بنفسها على الزائرين فى فناء ساحة المسجد، كما أن بعض الأهالى يقومون بدفع تكاليف الطعام، على أن يقوم «المطهرجى» بشرائه وتجهيزه وتوزيعه نيابة عنهم، وأكدت أن «المطهرجى» لا يستطيع الإخلال بالوعد خوفاً على سمعته، كما أشارت إلى أن النذر يتضمن أيضاً قيام الأسر بشراء الحمص والحلويات والمكسرات، وأحياناً الألعاب من المحلات القريبة من المسجد، وتوزيعها على الأطفال.
من جهته، قال الدكتور محمد شرشر، وكيل وزارة الصحة بالغربية: «إن المديرية فى كل عام وأثناء فترة الاحتفالات بمولد السيد البدوى بطنطا، تقوم بإنشاء خيمة بجوار المسجد، لمواجهة ظاهرة الختان، من خلال فريق طبى متخصص ومتكامل ومدرب على مدار الأسبوع، فترة الاحتفال، وقيامهم بطهور الأطفال الذكور فيها».
أضاف: «كل سنة بنجرى حوالى 150 عملية طهور للأطفال فى تلك الخيمة، وبتكون مجهزة ومعدة على أعلى مستوى طبى لإجراء تلك العمليات، علشان نواجه ظاهرة الناس اللى بتطاهر عند الحلاقين اللى برا».
وأشار وكيل الوزارة إلى تطبيق قرار منع ختان الإناث، لافتاً إلى أن المديرية توعى المواطنين من خلال حملات توعية تقوم بها إدارة الثقافة الصحية بالمديرية.