أبي| الحياة لك بعد الآن

مها طايع

مها طايع

كاتب صحفي

في صغري، كنتُ أُغار من تلك الصحيفة التي يحتضنها، فكان يسعى خلفها صباح كل يوم، وأحياناً يعود إليها ليلاً بأوقات فراغه، فهو كثير الشغف بكل ما ينشر بالصحف، فلا يفوت يوماً دون قراءتها، ويوماً تلو الأخر، اشتعل فتيل الغيرة، ودّب الحماس في صدري، حتى أصبحت أمنيتي الوحيدة أن أصبح «صحفية» وأن يقرأ أبي ليِ بنفس الشغف الذي طالما رأيته في عينيه، وأن يصبح من قرائي ومتابعي حتى احوذ على اهتمامه كله بدلاً عن تلك الأسماء التي كان يقرأ لها.

أيامٌ معدودة، وسيخرج أبي إلى المعاش، وسيتفرغ لقراءة ما يُنشر لي بالصحف، بل وسيتفرغ لمشاركتها بين أصدقائه والحديث عنها دوماً دون ملل، فهذا ما كنتُ أسعى له منذ أن شعرتُ بالغيرة، فأصبح من الطبيعي أن يعمل محللي وناقدي الخاص، فهو الآن متفرغ، وأنا الآن أعمل.أبي رغم أنك ستصبح «ناقدي»، لكنني سوف أسمح لك بقضاء أوقاتٍ ترفيهية، سأقول لك اذهب لمشاهدة فيلم ليلاً، ولا تعود قبل أن تشاهد مسرحية كوميدية، قادرة على أن تمحي هموم 37 عاماً، من العمل الشاق، ولا تمر على البيت قبل أن تلعب دورين طاولة مع أصحابك وتُدخن معسلك المفضل، فأنا أكثر ديمقراطية منك، فلم أطالبك بالعودة إلى المنزل قبل حلول الساعة التاسعة ونصف مساءً، كثيراً ما رددتُ عليك ذلك التساؤل حتى أصبحت عادة أتذكرها دوماً «بابا مش حاسس أن حياتك ضاعت، مش حاسس أنك ندمان أنك اتجوزت وإحنا بنخرج وبنقابل صحابنا وأنت مطحون شغل؟»، ففي كل مرة كنتُ اتفاجئ بأجابتك على الرغم من روتينيتها على سؤالي اللعين، «أنتو حياتي ومبسوط طول ما أنا بربيكم كويس»، حينها رددتُ جملتي الشهيرة وكأنني أتلذذ بكيدك «عمرك ما هبقى زيك وأنسى نفسي وحياتي»، فترد حينها رداً يثير كبريائي، لم استطع أن أمحيه لحظةُ عن بالي «بيتهيألك، حياتك هتروح على عيالك».

طيلة 37 عاماً، مارستُ دور «المضطر» الذي لا يقدر على أن لا يذهب إلى العمل، كنا سبباً في إثارة همومك، كنا سبباً في تخليك عن كثير من أسباب المتع التي كان من الممكن أن تمارسها، لكنك فضلتنا أنا وأخواتي البنات عليها، حتى أنني لم أتذكر يوماً واحداً بأنك جلستُ على المقهى، وابتعدت عنا لساعة واحدة، حتى نسمات الهواء حرمتها عليك، فكنتُ تعمل وتعمل، وكنا نطلب ونطلب، لكنك كنتُ حريصاً على أن توفر جزءً بسيطاً من الوقت لقضاءه معاً، حتى وإن كنا غافلين في عز نومنا، فيكفي تلك القبلة التي كنتُ تضعها على جيننا ليلاً، وللحقيقة أنني كنتُ أشعر بها، لكنني لم استيقظ من حلاوتها التي كانت كفيلة إلى أن تعيدني إلى نومي بأمان.

هذه هي البداية، بداية العيش بحرية، وها هي الحياة تبسط ذراعيها إليك مرة أخرى، وتمنحك فرصة لقضاء أحلى الأوقات بعد الـ 60 عاماً، وتقولك لك «تعالى تعالى يا روحي تعالى»، فماذا إذا كانت الحياة تصفح عنك أخيراً، فماذا عنا، وإن كنا نريدك أن تجالسنا طوال الوقت، لكننا سنستمتع أكثر بحريتك التي تخليت عنها من أجلنا، ها أنا أقولها وبالنيابة عن أخواتي، عش ما تبقى لك في حياتك الجديدة، عش ما فاتك بعمر الشباب، وأملء قلبك بحيوية شاب لا يزال يواعد محبوبته فوق كورنيش قصر النيل.