بلاي ليست| سيد حجاب.. "من عتمة الليل النهار راجع"

كتب: سعيد محمود

بلاي ليست| سيد حجاب.. "من عتمة الليل النهار راجع"

بلاي ليست| سيد حجاب.. "من عتمة الليل النهار راجع"

عملا بما كتبه في تتر مسلسل "على أبواب المدينة" (لو عايز تبقى عالي مد في أرضك جدور)، مد الشاعر الراحل جذور الكلمات في أرض الشعر لتعلو به وبمن سبقوه فوق القمم، ولم لا وهو الشاعر الذي يتذكره الجميع ولم ينسوه لحظة ما منذ وفاته، فقد فارق الدنيا بجسده فقط، بينما بقى بيننا بكلماته التي عبرت عن أهل هذا الوطن بكافة طوائفهم، ليأخذهم في جولة على أبواب المدينة وداخل شعابها.

وبعد دخول المدينة ليلا يترك العم "سيد حجاب" من كانوا معه بعد أن شد انتباهه أطفالها، فيغني معهم وقد لاح الصباح (ويا هادي هادي يا هادي.. إحنا ربيع الدنيا دي.. جينا مع الصبح النادي.. مع طير الحب الشادي)، ويأخذهم هم أيضا في جولة داخل بستان المبدعين والرواد في مصر، ليساعد في تنويرهم وإعدادهم، فيلتقون بـ"نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وماما سميحة، ويعقوب الشاروني، وصلاح ذو الفقار، وكريمة مختار، ومحمود الخطيب أيضا"، وغيرهم من الكتاب والممثلين والمذيعين الأعلام في مجالهم.

ويستمر سيد حجاب في مد الجذور واحدا تلو الآخر، فيصف لنا حياة الرجل الطيب والأب الحنون المثالي "بابا عبده"، ذلك الرجل الذي رغم تضحيته بكل ما هو نفيس وغال من أجل أولاده، كانوا ناكرين للجميل، ورغم ما فعلوه فقد ظل جوارهم يساندهم وبدلا من أن يشكروه قال لهم هو "أبنائي الأعزاء شكرا".

 

وخلال الرحلة مع "بابا عبده" لا ينسى "العم سيد" الأطفال مرة أخرى، فيحكي لهم قصة "الشاطر عمرو" و"الدبة والدب"، ليظل الرجل الطيب المبدع محفورا في عقول الأطفال وقلوبهم.

وتستمر أيام سيد حجاب التي يتسغلها في تثبيت الجذور التي مدها بقوة وثبات، فنعرف معه قصة عميد الأدب العربي "طه حسين"، حيث يزيح الشوك من طريقنا ويبدر الأحلام في حياتنا، مؤكدا أنه "من عتمة الليل النهار راجع.. ومهما طال الليل بييجي نهار".

وعندما أصبنا بالرعب من طيران "عصفور النار" على الديار، هدأ من روعنا الشاعر المبدع وعلمنا أن "أطهر قلوب الدنيا قلب اللهيب.. وأصدق لسان إن كان لسان اللهب".

ويدق معنا سيد حجاب بوابة الحياة لتفتح أبوابها للطيبين من الأبناء، مخلدا بكلماته ومؤكدا على المقولة الشهيرة "اللي بنى مصر كان في الأصل حلواني"، لتظل كلماته إلى الآن هي الباقية، كما ظلت مصر رغم كل المحن "حلوة الحلوات" تواجه الموج العال وتطوي أنينها بالحنين هي وأولادها.

ويأخذنا "العم سيد" لنتجول معه في الحلمية القديمة ولياليها العطرة، ويخبرنا ونحن نجلس على مقهى "المعلم زينهم السماحي" أن الرضا يأتي عندما نؤمن بقضاء الله، ويتركنا نتحسر على البراءة التي فقدنها، قبل أن تلهينا الحلمية وأحداثها المتتالية.

ونخرج من الحلمية لنجد "العم سيد" يسير بجوار رجل يبدو عليه الشهامة والرجولة، لكنه لا يمل من العصبية، ونسترق السمع لنجده يشكو للشاعر الكبير قائلا (الشر شرق وغرب داخل في حوشنا.. حوشوا لا ريح شاردة تقشقش عشوشنا)، ثم يسترتسل فيقول وقد تملك منه الحزن (الغش طرطش رش ع الوش بويا.. ما دريتش مين بلياتشو أو مين رزين.. شاب الزمان وشقيقي مش شكل أبويا.. شاهت وشونا توهنا بين شين وزين)، ثم يمضي غاضبا فنقترب من "العم سيد" نسأله عن ذلك الرجل، ليبتسم ابتسامة ودودة ويبدأ في سرد حكاية "حسن النعماني".

ويستمر الرجل الطيب المبدع في التنقل بين الحارات مادا جذوره الأصيلة، فيأخذنا معه لحي الحسين حيث نقابل الرجل الأمين "عباس الضو" وهو ينصح صديقه "سلامة فراويلة" ليقوم بإعادة الحق لأصحابه، مذكرا إياه أن (المال تجيبه الريح وتاخده الهوايل.. أما البنون يوم الحساب بيفوتونا)، وعندما يعرض عنه سلامه متمسكا بماله ينهره قائلا (مال إيه ده لو كان مال قارون كله زايل.. ولا غير عمايل الخير يا هوه ينجدونا).

ومن الحارات والمدن يرحل "العم سيد" لمد جذوره في الجنوب، حيث يشارك الصعيدي الشهم ابن الأقصر "نصر وهدان القط" حلمه، منشدا في طريقه (يا وابور الليل يا رايح يا مقبل ع الصعيد.. عاود لينا بروايح زمن الفرحة البعيد).

ولأن الجذور الممدودة لا بد من وجود من يسقيها لتطرح، كان سيد حجاب يقوم بذلك مع عائلته الطيبة وهم يغنون (حلي ضفايرك ضليلة.. ولملمينا يا أصيلة)، ويستمرون في حراسة الأرض الطيبة، ويضحكون سويا حتى تهون عليهم الضحكة ما يحملونه من هموم الحياة.

وبعيدا عن الحارات الشعبية والصعيد وجذوره، نذهب للأوبرا فنجده هناك يروي لنا قصة المحامي "سيد أوبرا"، الذي حمل على عاتقه إثبات براءة طبيبة من تهمة القتل، ولم لا فهو كما أهل الإسكندرية "نفسه غنية وصافي النية.. وحنانه يساع البشرية".

تعبنا من هموم الدنيا ومشكلاتها، ففاجأنا سيد حجاب بجرعة روحانية حيث علمنا بعض التسابيح، ليأخذنا هذه المرة في رحلة روحانية تسمو بنا فوق الهموم، وتقربنا من الله لنتذكر أن بيده كل شيء.

وتستمر الحياة في تثبيت الجذور التي بذرها سيد حجاب في أرض الشعر، لتظل إلى الآن أشجار كلماته راسخة في الأرض لا تتزحزح، وثابته في شموخ لا تهتز بفعل الرياح والأعاصير، لنذكر دائما نصيحته التي خرجت من قلب أب حكيم (عيش يا ابن آدم بكر زي الشجر.. موت وإنت واقف زيه في مطرحك.. ولا تنحني لمخلوق بشر أو حجر.. وشب فوق مهما الزمان جرحك).

 


مواضيع متعلقة