في ذكرى رحيل "الأستاذ"

اليوم ذكرى خاصة جدًّا.. ذكرى رحيل "الأستاذ".. نعم.. هو الأستاذ الحقيقي في فن الكوميديا.. في مرحلة الصغر المبكر والانبهار بمعنى الألوان أمام أفلام الأبيض والأسود الكئيبة كنت أسارع كلما رأيت الفنان فؤاد المهندس في أعماله القديمة إلى إغلاق التلفزيون على الفور.. ولم أكن أشاهد له في ذلك الوقت إلا حلقات "عمو فؤاد".. ربما كان ذلك تحت تأثير أنني رأيت "عمو فؤاد" مرة واحدة فقط في حياتي وهو يقوم بتصوير تلك الحلقات.. في الحديقة الدولية.. كان شيئًا مبهرًا ويمكنني اليوم أن أصفه بأنه كان "لوردًا" متكامل الأناقة.. جاكت "كاروهات" أبيض في أسود.. ومن تحته قميص فاتح وبنطلون أسود.. واسكارف للرقبة يضعه حينًا ويخلعه حينًا آخر.. وعصا قيمة للغاية كان يتكئ عليها في غير حاجة حقيقية لها وإنما من باب استكمال متطلبات الأناقة لمن هم في سنه.. كان محوطًا بهالة من الاحترام والتقدير والألفة في الوقت ذاته.. كان جادًّا للغاية في فترات الاستراحة بين اللقطة والأخرى بينما يفيض مرحًا في مشاهده أمام الكاميرا.. وعندما هممت مع والدتي أن أذهب لتحيته غلبني للأسف خجلي فلم أجرؤ على السلام على "عمو فؤاد" العظيم.. ولكنه كان يومًا جميلاً ادخرته في الخزانة السرية لمسببات البهجة كلما احتجت إلى بعضها وما أكثر احتياجي.

من تحت الجسور كثير من المياه يمر.. بهذا التعقيد الغريب اجتزت أعوامي في الجامعة وقد عصفت بروحي الكثير من الأشياء ومررت بعدة نكبات وتغيرات.. ولكن الشيء الذي لازمني من وقتها هو إدمان مسرحية معينة شاهدت جزءًا منها مصادفي في القناة الأولى.. هي مسرحية "حواء الساعة 12".. كان العمل مبهرًا بشكل عجيب في فانتازيا لطيفة مملوءة بكوميديا حقيقية.. وبعدما قمت بتسجيله فوجئت أنني أشاهد هذا العمل يوميًّا مرة أو مرتين تقريبا أثناء المذاكرة.. حتى حفظت المسرحية كاملة بل تعلمت الطريقة العجيبة التي كان المرحوم الأستاذ/ حسن مصطفى يتكلم بها.. ومن وقتها دخلت إلى العالم السحري للكوميديا متجسدًا في أعمال الأستاذ المسرحية وسيرته الشخصية المأساوية إلى حدٍّ بعيد.. الأستاذ على المسرح وفي بعض أفلامه السينمائية خلاف الأستاذ في حياته.. الأستاذ على المسرح حالة شديدة الفرادة والتوهج.. ابتداء من اختيار النص إلى انتقاء المخرج المناسب للعمل إلى اختيار معاونيه في تجسيد العمل وتمثيله إلى التقاط نبض الجمهور ومداعبة مشاعر المرح لديهم باقتدار المايسترو الممسك عبر عصاه السحرية بزمام فرقته الموسيقية.. وفي أثناء ذلك كله كان الأستاذ قادرًا على انتزاع الضحكات بإيماءاته واجتهاداته في تجسيد النص دون خروج عنه في كلمة تقريبا فهذا كان من المحرمات بشكل قاطع.. وربما كان ذلك أثرا من آثار التزام الأستاذ في حياته الشخصية الخاصة.. فهو -كما قرأت بعد ذلك- كان ملتزمًا جادًّا في عمله.. يحب أن يتم تدليله نعم ولكن هذا التدليل كان تعويضًا -بشكل ما- عن حياة الالتزام الفني التي يحياها.

كيف استطاع أن يقتحم بهدوء غير متعجل خريطة السينما المصرية من أدوار صغيرة إلى أدوار مساعد البطل إلى بطل يتهافت الجمهور عليه إلى بطل خارق له مغامراته التي ينتظرها الناس ويصبح شخصًا فاعلا في المخيال الشعبي.. ثم كيف يتفهم دون غضب أن الزمان يختلف وأن أدوار الفتى الأول أو "نجم الشباك" لم تعد مناسبة فيختار من الموضوعات ما يتناسب مع عمره ولا يأبى أن يكون ممثلاً في عمل من بطولة أحد تلاميذه بل تلاميذ تلاميذه مؤمنًا بأن للزمن دورته وبدلاً من أن يكون "البطل الأوحد" للعمل فإنه عبر مشاهد لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة قادر على انتزاع الكاميرا من أي شخص يقف أمامه.. محتفظًا ببريقه وقيمته كفنان قادر على ترك بصمة لا تُنسى لدى الجمهور.. لا يتسع المقام للحديث عن إذاعيات الأستاذ التي تجسد جانبًا فنيًّا خالصًا لقدرة الأستاذ على تقمص شتى الشخصيات من "الزبال" في "شخصيات تبحث عن مؤلف" إلى الرجل المدعي في "رجل ذو أهمية" إلى غير ذلك من الأعمال التي ما زالت مجهولة أو موجودة في الأرشيف محبوسة بينما لم يأتِ من بعدها ما يشبهها قيمة ورقيًّا وجمالاً في الأداء.

عندما ظهر الأستاذ في أحد الإعلانات منذ بضعة أعوام تساقطت دموعي رغمًا عني.. وأعادتني صورة الأستاذ مجسدة على الشاشة إلى ذكريات مؤلمة عن عدم نيل الأستاذ -حتى الآن فيما أؤمن- ما يستحق من التكريم والتقدير اللائقين بمكانته الفنية.. وكان العزاء الوحيد بالنسبة لي أنه مهما طال العمر بمدرسة الكوميديا المصرية فإنه إذا ذكرت كلمة الأستاذ وحدها فإنها لا تعني إلا اسما واحدًا.. هو: "فؤاد المهندس".

رحمك الله يا أستاذ.