بكينى «نيللى كريم».. ومايوه «بنت الأسطى محمود»

عاطف بشاى

عاطف بشاى

كاتب صحفي

انقض المتطوعون ومندوبو هيئة «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» وأعضاء منظمات التراجع الحضارى على الممثلة «نيللى كريم» وانهالوا عليها بالتقريع الغليظ والاتهامات المنحطة المتصلة بانعدام الأخلاق المرعية والشرف المصون.. حيث استباحت تقاليد السلف الصالح وتجاسرت وكشفت عن عورات الدرة المكنونة بارتداء «البكينى» على صفحتها الخاصة بالتواصل الاجتماعى.. وهى بتلك الفعلة الشنعاء تسعى إلى هدم ثوابت الردة التى نعيش فى كنفها منذ اجتياح الهبّة «الوهابية» للشارع المصرى.. وهى بذلك تشيع الدعوة إلى الفحش والفجور وتهدد جهود الأتقياء فى إرساء دعائم الدولة الدينية الوطيدة.. وتبشر بعودة زمن الضلال والغواية.. ذلك الذى يطلقون عليه «الزمن الجميل».. وهو زمن ليس ببعيد..

....

فى نهاية السبعينات من القرن الماضى أذكر أنى شاركت فى كتابة سيناريو وحوار الفيلم التليفزيونى.. «مايوه بنت الأسطى محمود» عن قصة لـ«إحسان عبدالقدوس».. قام ببطولته «محمد رضا» والوجه الجديد فى ذلك الوقت «يسرا» وتدور أحداثه حول أسطى بمصنع خرج للمعاش.. ويعيش مع أسرته بشقة قديمة بحى شعبى.. ويبدو رجلاً متحفظاً يراعى تقاليد وعادات طبقته.. وهناك شاب يعمل بالمصنع «صبرى عبدالمنعم» يتوق للارتباط بابنة الأسطى «يسرا» فيلح عليه بالانضمام وأسرته إلى رحلة المصنع إلى المصيف لمدة أسبوع بالإسكندرية.. ليتسنى له التواصل مع ابنته.. يوافق الأسطى بعد إلحاح.. وعلى شاطئ البحر.. يتقرب الشاب من ابنته.. وينفرد بها خلسة ويبادلها كلمات الحب والهيام بعيداً عن رقابة الأب.. ويحرضها على ارتداء مايوه لتشاركه الاستمتاع بالسباحة بالبحر.. الابنة تلح على الأب ليشترى لها «مايوه».. وتشاركها الإلحاح والضغط أمها.. يرفض بشدة لكنه مع تواصل توسلات الأسرة يوافق فى النهاية.. كما أنه يتخلى عن وقاره المصطنع ويرتدى هو أيضاً مايوهاً ويشاركهم جميعاً الاستمتاع بالسباحة..

والقصة التى كتبها «إحسان عبدالقدوس» ومن ثم السيناريو المأخوذ عنها لم يتطرق مطلقاً فى سياقه وتفاصيله إلى أن يفسر تزمت الأب ورفضه لشراء مايوه لابنته تفسيراً له علاقة بنواهٍ دينية.. ولا مرتبط بمفهوم «ثقافة الحلال والحرام».. ولكن تعنته جاء فى إطار اجتماعى له علاقة بتقاليد وأعراف طبقته..

يذكّرنا «بكينى» الممثلة - مع الفارق - مع ما أثير حول «بكينى» الأستاذة الجامعية الذى ظهرت به على صفحة التواصل الاجتماعى بالإضافة إلى مقطع فيديو ترقص فيه رقصاً شرقياً.. وقوبل هذا السلوك بعاصفة من الاستنكار والاستهجان ووصفه بأنه تصرف ماجن وغير أخلاقى.. ويتناقض مع مقتضيات السلوك الوظيفى ومتطلبات السمعة التى يجب أن يتحلى بها الأستاذ الجامعى الذى ينبغى أن يكون قدوة حسنة لطلابه، وقد أشعل المعركة الإعلامى «وائل الإبراشى» فى برنامج «العاشرة مساءً» واستضاف الأستاذة الجامعية التى أصرت على سلامة موقفها وأدانت رجعية الرجعيين وتحسّرت على زمن «طه حسين» و«لطفى السيد» ودورهما التنويرى داخل الجامعة المصرية فى العشرينات من القرن الماضى..

وبصرف النظر عن تبرير الكثيرين وقتها أن الغضب الجامح المصاحب لتلك الواقعة أمر لا غرابة فيه لأنه يتصل اتصالاً مباشراً بالمصلحة العامة خصوصاً فى شقه المتعلق بأهمية دور الأستاذ الجامعى الذى يعمل فى مؤسسة تعليمية عامة يمولها دافع الضريبة.. والسمات والسمعة التى يجب أن يتسم بها لينجح فى أداء مهمته على الوجه الأمثل.. بل التى يجب أن يكون منصوصاً عليها بوضوح فى عقد العمل أو لوائح السلوك ومدوناته وشروط التعيين بالوظائف العامة..

وبصرف النظر عن أن المواد المصورة لا تقع فى نطاق الخصوصية لأن الأستاذة الجامعية أو الفنانة نشرتا تلك المادة بمحض إرادتهما على صفحات «السوشيال ميديا» المتاح الوصول إليها من قبل أى شخص..

بصرف النظر عن كل ذلك فإن ما يدعو إلى الرثاء حقاً هو ذلك التيار الجارف والذى أصبح ظاهرة تمس تغييرات شائهة شملت الشخصية المصرية التى تطرفت فى فرض «ثقافة الحلال والحرام» والتكفير والتحريم والتجريم والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والاعتداء السافر على حرية وحقوق الإنسان بدعوى المحافظة على مكارم الأخلاق وثوابت الفضائل..

ويكشف ذلك عن مجتمع مضطرب يعانى من اختلال التوازن، حيث يصبح كل مفهومه عن الأخلاق القويمة والسلوك المستقيم يرتبط بالنصف الأسفل من الجسد والهوس بالجنس والنساء الذى يشغل حيزاً ضخماً من تفكيره مما يعبر عن خلل نفسى واختلال فى البنية الشعورية والمشاعرية..

ومن مايوه «بنت الأسطى محمود» إلى «بكينى» «نيللى كريم» إلى «البوركينى» نتأمل دورات الزمن وانقلاباته الغريبة.. وتراجعاته العجيبة..