الطريق إلى جبل «حميثرة» الموت بين يدى «الإمام الشاذلى»

كتب: محمد أبوضيف

الطريق إلى جبل «حميثرة» الموت بين يدى «الإمام الشاذلى»

الطريق إلى جبل «حميثرة» الموت بين يدى «الإمام الشاذلى»

وقف وسط قريته الصغيرة التابعة لمدينة البدارى، بمحافظة أسيوط، تداعب عيناه سعف النخيل والرايات الخضراء التى تزين السيارات المحملة بأهل البلدة، التى تستعد كل عام لقطع الطريق نحو ضريح الشيخ أبوالحسن الشاذلى وسط صحراء عيذاب بالبحر الأحمر، وبالتحديد فى جبل «حميثرة» تشبث محمود حسام ذلك الطفل ذو 12 عاماً بوالده، أصر على رفقته كأطفال وشباب قريته الصغار، كان يراوده دائماً حلم زيارة ضريح ذلك الإمام الصوفى، الذى يشد له الرحال مئات الآلاف فى رحلة تحاكى الحج إلى بيت الله الحرام حيث يتزامن ختام مولد «الشاذلى مع وقفة «عرفات» كل عام، حذره أبوه من مغبة الطريق ومشقته، كان الرجل يخشى على ابنه أكثر مما يخشى على روحه، ولكنه فشل فى إقناعه بالبقاء للعام المقبل بعد أن أصر على خوض الرحلة.

الآن، محمود على أحد الأسرة يرقد يصارع الموت داخل غرفة العناية المركزية بمستشفى القصير، بعدما نقل إليه أمس الأول، مصاباً بارتجاج بالمخ، نتيجة ارتطام رأسه بصخور الصحراء حينما تهاوى جسده داخل وادٍ فسيح من داخل السيارة التى انحرفت ثم انقلبت داخل ذلك الوادى، فى حادث سلم فيه اثنان آخران روحيهما للبارئ، وأصيب أكثر من 15 آخرين، وذلك قبل عشرات الكيلومترات من مرقد جسد الإمام الصوفى أبى الحسن الشاذلى، أسفل جبل «الحميثرة».

{long_qoute_1}

بالقرب من مستشفى القصير، يقف «مظهر خليل» عم «محمود» يتلهف لمن يخبره بما وصلت إليه حالته، ويتذكر تحذيراته لشقيقه «حسام» من الطريق ورفضه لاصطحاب أطفال العائلة معه ولكن دون جدوى: «خرجوا من البدارى الساعة 8 الصبح كانوا 17 واحد من العيلة منهم 7 من العيال»، لم يصب فى تلك الرحلة من الأطفال نجل شقيق «مظهر» فقط بل إن نجله «زياد» أيضاً يرقد حالياً فى مستشفى قصر العينى بعدما أصيبت ذراعه، بل وفقد الرجل اثنين من أبناء عمومته، خلال تلك الرحلة، بخلاف آخر ينتظر بتر ذراعه فى مستشفى الغردقة يقول: «ده طريق للموت».

مئات الآلاف من قرى صعيد مصر، وبعض المحافظات الأخرى، يرتحلون كل عام نحو ضريح الإمام أبى الحسن الشاذلى، القطب الصوفى المغربى الكبير، الذى يرقد تحت جبل الحميثرة، حيث وافته المنية أثناء رحلته من مصر إلى أراضى الحجاز للحج عام 656 هجرياً، وذكر ابن بطوطة أن أبا الحسن الشاذلى كان يحج كل سنة، فلما كان فى آخر سنة له قبل وفاته، طلب من خادمه قبل التوجه للحج: «اصطحب فأساً وقفة وحنوطاً، فقال له: لماذا؟ قال: «فى حميثرة سوفَ ترى»، فلما بلغ جبل الحميثرة اغتسل الشيخ وصلى ركعتين فقبض الله روحه فى آخر سجدة ودفن هناك.

ورغم أعداد الزائرين كل عام لضريح الإمام أبى الحسن الشاذلى، التى تتضاعف مع اقتراب ليلة المولد المتزامنة مع وقفة الحجاج على جبل عرفات بمكة، ولكن يظل الطريق إلى هناك وعراً وغير ممهد ومملوءاً بالحفر التى صنعها السيل، فى ذلك الطريق الذى يبدأ من قرى الصعيد على نهر النيل وحتى شاطئ البحر الأحمر، «الوطن» خاضت الرحلة فى تلك الطرق الوعرة حتى ضريح الإمام الصوفى فى جبل الحميثرة. {left_qoute_1}

مع بداية العشرة الأوائل فى شهر ذى الحجة، يبدأ الاستعداد فى قرى صعيد مصر للترحال، الأهازيج والأناشيد الصوفية تصدح فى المنازل والشوارع الضيقة، السائقون يزينون عرباتهم بسعف النخيل والرايات الخضراء والبرتقالية، تنصب الشوادر والسرادقات فوق عربات النقل لتستوعب المسافرين وتحميهم من حرارة الشمس فى الصحراء، وتؤويهم وقت الراحات فى تلك الرحلة التى تستمر لما يزيد على 24 ساعة، أصحاب المال من المقتدرين يشترون الخراف والماعز، تمهيداً لذبحها تحت سفح الحميثرة، يلهثون للحاق بالليلة الكبيرة، يوم وقوف الحجاج على جبل عرفات، الجميع ينتظر أن يرى الكعبة من فوق ذلك الجبل، كما تقول الرواية التى يتناقلها الزائرون للضريح.

رغم مشقة الرحلة وصعوبة الطريق، ولكن يجدها عبدالحميد بخيت، مقرئ القرآن، سهلة عن ذى قبل، حيث يرتحل الرجل الخمسينى منذ طفولته لضريح الشيخ: «من ساعة لما كان الطريق ده تراب ورمل ومش مرصوف»، لا يتخلف «بخيت» عن الزيارة كل عام منذ أن كان عمره 12 عاماً، ويتذكر فى طفولته صعوبة الطريق، حيث كان يستغرق يومين، يذهبون فى بعض الأحيان على ظهور الدواب والحيوانات، والعربات القديمة المتهالكة، ولا يستطيع الرجل عد المرات التى ارتحل فيها.

بجلبابه الجنوبى، والعمة البيضاء التى تلتف حول طاقية حمراء تزين رأسه ترجل «بخيت» الذى يستخدم سيارته الربع نقل لحمل الزائرين للضريح من أهل بلدته، يعتقد فى الكثير من كرامات الإمام الصوفى وضريحه الذى يتوسط الصحراء، ومنها أن نوايا البشر تتحكم فى صعوبة الرحلة: «اللى جاى للشيخ وقاصد خير هيتسهل عليه الرحلة والطريق، واللى جاى وقاصد شر مش هيكمل طريقه للضريح»، ويضرب «بخيت» مثالاً على ذلك: «من ييجى سنتين كان فيه ناس جايين للشيخ بنية السكر واستغلال زحمة المولد فى شر مش فى الخير، وكان معاهم فى العربية زجاجات خمرة العربية اتقلبت بيهم.. حسب نيتك الطريق للشيخ بيكون سهل أو صعب أو حتى بيوصلك للموت ولقاء وجه كريم».

لم يثن «بخيت» ما تبادر لمسامعه من أخبار القتلى فى حوادث الطريق عن الذهاب لضريح الشيخ من بلدته الصغيرة التابعة لمدينة إسنا التابعة لمحافظة الأقصر، قاصداً نفس تلك الطرق والممرات الجبلية حتى لو كان الموت نهايته.

الرجل الذى يحفظ القرآن عن ظهر قلب، يؤمن بأن الرحال لا تشد إلا لثلاث، ليس بينهم ضريح الشيخ، ولكن فى نفس الوقت، يؤمن بوصية الرسول بآل بيته، ونسله، وهو ما يدفعه لزيارة أولياء الله الصالحين، الذين يعد الشيخ وضريحه منهم. «بخيت» ليس إلا واحداً من المحبين والمتعلقة قلوبهم بشفاعة الشيخ، الذين يستخدمون من أجل ذلك طرقاً وعرة، للوصول للضريح، والطريق الأول يبدأ من مدينة قفط التابعة لمحافظة قنا، يمتد لـ180 كيلو حتى مدينة القصير التى تقع بمحافظة البحر الأحمر، حيث ينتصف الطريق، تنطلق سيارة بخيت وغيرها لتقطع طريق «قفط - القصير»، تظهر الجبال بألوانها المتعددة تحد الطريق من الجانبين، الطريق ذو النهرين، أحدهما ذهاباً والآخر إياباً، ما يتسبب فى وقوع الكثير من حوادث التصادم بين السيارات المتقابلة، والكثير منها عربات نقل ثقيل.

{long_qoute_2}

الجمال تسير فى الصحراء، تأخذ العين، وسط العشب الذى يظهر بين الحين والآخر، نبت بعدما انهمر على تلك البقعة من السيول والأمطار، التى نخرت معها خلال انهمارها الكثير من أجزاء الطريق، حتى أصبح فى بعض الأحيان متعرجاً ومنكسراً، ومملوءاً بالحفر التى لا ترحم العجلات وتتسبب فى انقلاب بعض العربات أو انحرافها عن الطريق، فى منتصف الطريق يفاجئ السائقين أعمدة مقهى عند الكيلو 90 تقريباً، يتوسط بمقاعده وأريكته الخشبية نهر الطريق، ولا يترك للسيارات سوى مساحة ضئيلة للعبور من جانبه، والالتواءات الصخرية الصعبة لا تنتهى، تتتابع بشكل منتظم لا يكاد السائق يتفادى واحداً حتى يقابله التواء آخر أشد خطورة، الوصول إلى مدينة القصير وهى محطة منتصف الطريق لضريح الإمام، تتعدد المقاهى والمطاعم التى تحمل أسماء أولياء الله الصاحين وآل بيت رسول الله، والتى تعد استراحات لزائرى الشيخ ومستقراً لهم لبضع ساعات، يستريحون ويشترون منها ما يلزمهم لاستكمال الرحلة.

وصفى تمير، أحد أهالى مدينة القصير، التى تستقبل آلاف الزائرين من أهل الصعيد فى طريقهم نحو ضريح الإمام الشاذلى، يقول إن جزءاً كبيراً من أهل المدينة يقتات لقمة عيشه من تلك الزيارة السنوية، وهى تعم بالخير على أهل المدينة التى تتوسط محافظة البحر الأحمر. {left_qoute_2}

رغم الجلبة التى تحدثها تلك السيارات التى تضج بها المدينة وقت راحتها، ولكنها تشعر الجميع وكأن «القصير» تحولت لمولد مصغر، تنتشر فيها الأناشيد الصوفية والأغانى، تصدح فى الأفق وتعيد الحياة لتلك المدينة التاريخية الهادئة.

«تمير» يقول إن الطريق الواصل بين الصعيد فى قنا والقصير، قديم وتاريخى ويعود لعصر الملكة حتشبسوت، حيث تنتشر بداخله الكثير من آثار قدماء المصريين، حيث كانوا يستخدمونه كطريق للتجارة عندما كان ميناء القصير معبراً لأفريقيا، ورغم أهميته التاريخية والتجارية ولكن الدولة لا تهتم به، ويتسبب فى الكثير من الحوادث الدامية، التى كان أكثرها دموية، انقلاب سيارة ميكروباص أسفر عن مصرع 7 أشخاص من عائلة واحدة، بخلاف وفاة تسعة من طلاب الثانوية العامة فى حادث آخر اهتزت له محافظة البحر الأحمر، بعد انقلاب السيارة التى تقلهم عليه وكانوا فى طريقهم لمدينة قفط لتقديم واجب العزاء فى وفاة والد زميل لهم.

عبدالرحيم جمعة، برأس أصلع، وبشرة سمراء، أحد أهالى مدينة القصير، الذى يستفيد من سياحة الأولياء، والزائرين فى طريقهم لضريح الإمام، يقول إن طريق «القصير - قفط»، أقصر الطرق إلى الأقصر، ومنذ خمس سنوات كان عليه 3 تمركزات أمنية، وهى نقطة «البيضا»، ونقطة الفواخير ونقطة اللقيطة، وكان طريقاً آمناً، وكان النشاط السياحى رائجاً، وبخلاف زائرى الأولياء كانت الأفواج السياحية نشطة من الأقصر إلى البحر الأحمر عبر الطريق، ولكن قبل خمس سنوات، وحسب «جمعة»، أزيلت تلك الكمائن الأمنية، بسبب عدم وجود شبكة اتصالات على الطريق، وازدادت حوادث السيارات التى يروح ضحيتها الكثير من الضحايا والمصابين، خاصة فى ظل عدم وجود اتصال سريع بسيارات الإسعاف لإنقاذ ضحايا الحوادث، إضافة للكثير من حوادث السرقة التى يتعرض لها المسافرون فى ظل عدم وجود أمن أو اتصالات.

بعد استراحة تمتد لبضع ساعات تعود السيارات لاستكمال الرحلة من جديد، فى طريق يمتد لـ130 كيلومتراً نحو مدينة مرسى علم، ولا يخلو الطريق إلى الإمام من زيارة أضرحة أخرى لأولياء الله، حيث ينطلق الزائرون من القصير بعد زيارة بعض الأضرحة التى تضج بها المدينة، وفى الطريق وعلى بعد 50 كيلو من القصير فى الطريق لمرسى علم يظهر تجمع تلك السيارات، وقد استقرت بالقرب من البحر الأحمر لزيارة ضريح «سيدى مالك»، أحد الأولياء الذين يؤمن الزائرون بشفاعتهم، بمجرد الوصول لمدينة «مرسى علم» لا تلبث السيارات حتى تنحرف غرباً نحو طريق جديد، يطل منه الموت بوضوح وهو طريق «مرسى علم - إدفو»، عند بداية الطريق ظهر كمين أمنى يغلق الطريق ولا يسمح بعبور إلا سيارة واحدة فى كل مرة، وتحت مظلة خشبية متهالكة يستريح بعض من ضباط الشرطة، ينتفض أحدهم حينما يشاهد عربات الزائرين، يغضبه مظهر عربات النقل المحملة بالبشر، تتراص السيارات أمام الكمين، وبداخلها تظهر رؤوس الأطفال والنساء تطل على العالم الخارجى بعيون واسعة من بين ثنايا الشادر الكبير الذى نصب فوق عربات النقل، يحاولون الاختباء من عيون الشرطة ولكن دون جدوى، يرفض الضابط ذلك المظهر يصيح فيهم: «دى عربية بتشيل بنى آدمين؟ ربنا كرم الإنسان وانتو تنقلوه فى عربية حيوانات حرام عليكم»، يصر الضابط على سحب رخص السائق، يلتف حوله السائقون ويتوسلون إليه ولكنه يرفض ويقول: «مش هتحمل مسئولية حد فيهم قدام ربنا ولا قدام وظيفتى لما تموتوا فى الطريق، ده مش إهمال طبيعى، حرام عليكوا»، يستمرون فى التوسل ولكن دون جدوى.

يقاطع الضابط أحد الشباب ذو الوجه الأسمر والجلباب الرمادى، يقول بملء فيه: «هدعى عليك عند الشيخ يا راجل حرام عليك»، يرد عليه الضابط بكل ثقة: «حرام عليك انت لما تنقلهم بالشكل ده وترميهم للموت»، يعيد الشاب التوعد والوعيد للضابط الشاب، الذى يرفض كل توسلاتهم وتوعداتهم ويصر على سحب رخص السائقين رافضاً هذا الشكل من نقل الزائرين، فى منتصف الطريق تظهر إحدى عربات الإسعاف، سائقها كان أحد المشاركين فى نقل جثامين الضحايا فى أحد الحوادث، ويقول المسعف، الذى رفض ذكر اسمه، إن الزائرين لا يضعون فى حسبانهم خطورة الطريق، ويهملون فى تأمين أنفسهم، يستخدمون كافة وسائل النقل مهما كانت غير آمنة: «من أول التوك توك ولحد عربات النقل»، دون مراعاة عوامل الأمان فى تلك الطرق الوعرة.

لم يكن طريق «مرسى علم - إدفو» فقط جزءاً من طريق المسافرين المقبلين من قنا، ولكن أيضاً هو بداية الطريق للمحبين المقبلين من محافظتى الأقصر وأسوان، حيث تقطع السيارات الطريق من ناحية «إدفو»، وليس فقط أهالى تلك المحافظات ولكن كل المحبين الراغبين فى أن تضج رحلتهم بزيارة أضرحة الأولياء التى يعج بها الطريق من الأقصر وحتى ضريح الإمام.

فى طريق «إدفو - مرسى علم»، وبعد قطع 40 كيلومتراً، ووسط الصحراء الفسيحة، وقبل الانحراف جنوباً نحو طريق ضريح الشيخ، يظهر ضريح العارف بالله «سيدى سالم»، تتجمع أمامه سيارات النقل المحملة بالشوادر، يملأون المياه، وبعضهم ترجل نحو بعض مقاهٍ تحيط بضريح الشيخ، بنيت أعمدتها من الخشب وأسقفها من الخوص، حيث جلسوا يدخنون النرجيلة ويحتسون الشاى، لا يتوقف الزائرون داخل الصناديق التى تعلو السيارات وعلى المقاهى، عن المديح والأناشيد والأهازيج، وسط المقبلين يجلس محمود إبراهيم، شاب عشرينى، على ظهر إحدى عربات النقل يقرأ القرآن الكريم، يرتله دون توقف، اعتاد منذ طفولته على زيارة ضريح الإمام الشاذلى كل عام، وتبدأ رحلته مع المقبلين من طريق «إدفو» من ضريح عبدالرحيم القناوى، ويقطعون الطريق نحو مدينة الأقصر، حيث زيارة ساحة الشيخ أحمد الطيب شيخ الأزهر، ومنها إلى ساحة الشيخ محمد أحمد الجيلانى، والشيخ محمد أبورضوان، ومنها يقطعون الطريق نحو أسوان يزورون ساحة الإمام العربى، وتكون الاستراحة فى كل ساحة ساعة تقريباً، وتستمر تلك الرحلة طيلة 24 ساعة، حيث تبدأ الرحلة من السابعة صباحاً، ويصفها إبراهيم بـ«رحلة من المتعة فى رحاب الأولياء».

ببشرته ووجهه الذى لوحته الشمس، وجلبابه الأسود، وشعره الأشعث، يجلس محمود عزت، سائق من قنا، داخل سيارته، يأخذ قسطاً من الراحة قبل الاستعداد للذهاب لضريح الشيخ، فهو يقطع هذا الطريق بشكل شهرى داخل سيارته الملاكى، لينقل الزائرين لضريح الشيخ، ويقول «عزت» إنه سبق وبات ليلته داخل ذلك الطريق، ويروى: «عند التواءات أبوتشت حيث يلتوى الطريق توجد الكثير من الحفر» وإنه فوجئ بحفرة فى وسط الطريق غير الممهد سقط داخلها إطار السيارة ما أدى إلى انفجارها، ولم يجد من ينقذه فى ظل عدم وجود شبكة اتصالات، وظل طيلة الليل يحاول إيقاف سيارة لمساعدته ولكنهم كانوا يخشونهم ظناً منهم أنه سارق يحاول قطع الطريق الذى يصفه بـ«طريق الموت»: «قعدت لحد الصبح عشان حد يساعدنى».

عند مقام الشيخ سيدى سالم تتجمع السيارات، وتبدأ فى قطع الطريق نحو ضريح الشيخ الشاذلى، الذى يمتد لـ110 كيلومترات، وهو الطريق الأخير فى رحلتهم والأصعب على الإطلاق، حيث يضج بالكثير من الحفر والالتواءات الصعبة، بجانب انقطاع شبكة الاتصالات منذ بدايتهم وحتى القرية التى تحوى الضريح، والتى أخذت اسمها من الشيخ الشاذلى.

فى منتصف الطريق تظهر سيارة سقطت فى الوادى بعدما انحرفت عن الطريق، والتى أصيب خلالها محمود حسام وعائلته، وكما يظهر على نهرى الطريق الكثير من الجمال التى تسير فى الصحراء وتأكل الحشائش، تشكل مع الجبال الشاهقة بألوانه الزاهية لوحة مرسومة وسط الطريق الملتوى.

يغوص الطريق وسط الصحراء، ويظهر معه عدد من قبائل العبابدة على طرفيه، يرعون الإبل والأغنام، كما تظهر لوحات ترشد المسافرين إلى أنهم قد توسطوا صحراء محمية وادى الجمال، التى تمتد ما بين مرسى علم ومدينة الشلاتين، كما تظهر حشائشها وبعض من طبيعتها الخلابة، بجمالها الأخاذ، كما تظهر التكاتك ترفع أعلام مصر الخضراء وقت الملكية، بهلالها الشهير، وبعض عربات الزائرين.

بعد قطع 110 كيلومترات، ينحرف الطريق، وتظهر لوحة «الطريق إلى إدفو»، كما تظهر تحتها لوحة أصغر تشير إلى الوصول إلى قرية الشيخ الشاذلى، وبمجرد الولوج للداخل تظهر الرايات الخضراء، وأصحاب العمم، تفوح من جنبات القرية رائحة البخور العطرة كما تفوح رائحة الشواء واللحوم والدماء، وتحت جبل «الحميثرة» تظهر رؤوس الماشية المذبوحة.

لا تستقر الأجواء داخل قرية الشيخ، تبدو الأجواء حارة، ولكن ما تلبث حتى تنهمر الأمطار بغزارة لا تتوقف طوال الليل، ويستغلها الزائرون والمريدون للتضرع والدعاء وسط الأمطار التى تغرق خيامهم وشوادرهم، تلك الأجواء الاستوائية لم ترحم زوار الشيخ أيضاً، حيث توفى 6 من مريديه، بسبب ارتفاع درجة الحرارة وعدم استقرار الأجواء.

فى قرية الشيخ تعيش قبائل العبابدة فى الصحراء يتوهون وسط وجوه الزائرين من أهل الصعيد، ولكن تميز منازلهم القباب وملابسهم الجلابيب البيضاء المزينة بـ«صيدرة» سوداء، وبشرتهم الغامقة، واحد من تلك القبائل، أحمد عيسى، يعمل مسعفاً. عيسى يجلس وسط المولد وأمامه قهوة «الجبنة» المميزة لتلك القبائل، كان شاهداً على طريق الموت المؤدى لقريتهم، يقول إن الكثير من أطفال قريته ماتوا على هذا الطريق، لا تفارق المشاهد البشعة للجثامين مخيلته، طوال الوقت ينقل الرجل أجساداً مقطعة الأوصال ورؤوساً فارقت أجسادها خلال رحلة الموت على هذا الطريق، الذين لا يستطيع عدهم أو حصرهم، وبعضهم لا يقودهم إليهم سوى الصدفة خلال التجول على الطريق، بعدما يكون المصابون قد فارقوا الحياة، بسبب انقطاع كل السبل عن طريق الموت، من شبكات اتصالات، أو وجود مرافق سواء إسعاف أو حتى محطة وقود أو استراحة يلجأون إليها أو تكون ملاذاً لهم.


مواضيع متعلقة