«السادات».. مدينة أفسدها سماسرة الأراضى والإهمال يحاصرها.. والمشروعات الصغيرة فى انتظار الدعم

«السادات».. مدينة أفسدها سماسرة الأراضى والإهمال يحاصرها.. والمشروعات الصغيرة فى انتظار الدعم
- أسعار الأراضى
- أصحاب الصناعة
- أطلق النار
- أمن الدولة
- أنور السادات
- ارتفاع أسعار
- الأجهزة الحديثة
- الأمن الصناعى
- الأمن والأمان
- الجهاز الإدارى
- أسعار الأراضى
- أصحاب الصناعة
- أطلق النار
- أمن الدولة
- أنور السادات
- ارتفاع أسعار
- الأجهزة الحديثة
- الأمن الصناعى
- الأمن والأمان
- الجهاز الإدارى
فى عام 1978 كانت تلك البقعة من الصحراء عند الكيلو 93 من طريق «القاهرة - الإسكندرية» الصحراوى على موعد لوضع حلم الرئيس الراحل أنور السادات لإنشاء عاصمة جديدة لمصر، ومنحها اسمه، لكن بعد واقعة قتله فى 1981 تبدّد ذلك الحلم، ليقتصر المشروع العملاق على مدينة صناعية صغيرة، على مساحة مترامية الأطراف، يعانى فيها المستثمرون من مشكلات عدة، حيث تبلغ مساحتها 625 كيلومتراً مربعاً، أى ما يزيد على 40% من مساحة محافظة المنوفية التابعة لها، يقطن بها أقل من 200 ألف نسمة فى 12 منطقة مأهولة فعلياً، وتضم 5 مناطق صناعية، ويحيط بها حزام أخضر بمساحة 30 ألف فدان. تلك المنطقة الصناعية الواعدة عادت من جديد إلى الأضواء مع اقتراح الرئيس عبدالفتاح السيسى إنشاء عاصمة إدارية جديدة، حيث راح الكثير من الآراء والاقتراحات بأن موقعها أفضل كثيراً من الموقع المختار فى طريق «القاهرة - السويس»، لكن رغم ذلك لم يشفع لها، لتحل الكثير من المشكلات التى يعانى منها مستثمرو العاصمة المنسية.. «الوطن» تجولت فى مدينة السادات، لترصد الأزمات التى تعانى منها المنطقة الصناعية، وفرص الاستثمار الواعدة بالمدينة وما يعرقلها.
{long_qoute_1}
فى مصنع لصباغة المنسوجات بالمنطقة السادسة، يجلس «أحمد العياشى»، مؤسس ذلك المصنع، الذى ترك مدينة دمياط، ومهنة والده لبيع الأقمشة، ليتجه إلى صباغة تلك الأقمشة بالأجهزة الحديثة، ويقول إن تأسيس ذلك المصنع بدأ منذ 2002، وحصل على الأرض فى 2008 وبدأ العمل فعلياً فى 2012، ووصل لذلك المصنع بعد عناء ليضع قدمه على أول سلم النجاح.
لكن مع مرور الوقت بدأ يشعر «العياشى» بأن المصنع يحتاج إلى تطوير نفسه، وهو ما يتطلب توسعات فى مساحة المنطقة التى يستخدمها فى صناعته، وهو غير متوافر فى مدينة السادات، فالتوسّع المتاح يكون بشكل رأسى وهو مكلف، وجهاز المدينة لا يطرح أراضى تناسب صغار المستثمرين بأسعار مخفّضة، فهو يعطى المستثمر الكبير الأراضى بأقل كثيراً من صاحب المصنع الصغير.
ويعانى «العياشى» وأصحاب المصانع الصغيرة من أزمة سيطرة السماسرة على الأراضى المطروحة من جانب الدولة فى المدينة، الذين يدخلون المناقصات ويحصلون على الأراضى ويعيدون بيعها من جديد للمستثمرين بأضعاف سعرها من الدولة، ويقول: «صاحب تلك الأراضى التى يقام عليها ذلك المصنع، اشتراها معه منذ بداية تأسيسه، وبنى الأعمدة الأولى والقواعد حسب ضوابط الهيئة، وحين حصل على خطاب الضمان، فوجئت بزيارته لى وعرضه الأرض علىّ للبيع بخمسة أضعاف سعرها من الهيئة، وحين رفضت، توقف عن البناء وترك الأراضى خاوية لعدة سنوات، ثم أعاد بعدها إلى صاحب المصنع الحالى المجاور له، بأضعاف أضعاف سعرها.. والراجل اللى عايز يعمل مصنع ويشتغل مضطر يشترى منه»، ويستطرد: «السماسرة فى السادات بيكسبوا أكتر من المصنعين».
وقال «العياشى»: «ساوينى بسعر الغاز والكهرباء فى أى حتة فى العالم، لكن كل ما أتمناه هو إتاحة الأراضى بسعر مخفّض وتكون مجهزة المرافق أو غير مجهزة، لكن بأسعار مناسبة أو مخفّضة»، مضيفاً: «المناخ العام فى مصر لا يساعد ولا يشجع على الاستثمار، فرغم أن الدولة خلال السنوات الأخيرة نجحت فى حل بعض المشكلات، لكن كل صناعة يواجهها عدد من المشكلات الخاصة بها، وكلها خاصة بالجهاز الإدارى للدولة».
ويشرح مثالاً على تلك المشكلات الإدارية التى تعيق الصناعة، حيث يعتمد على «الأوكسجين» فى الصباغة، قائلاً: «أمن الدولة لا يسمح بتداولها دون موافقة أمنية لاستخدامها فى المتفجرات، فمن يحصل على الموافقات يبيعها للسوق المحلية دون رقيب، رغم أن أصحاب الصناعة الحقيقيين يشترونها من السوق بأضعاف سعرها، لأنهم لا يستطيعون الحصول عليها بسهولة».
أصوات الماكينات لا تتوقف، وأمامها يقف المهندس ياسر مطر، مؤسس مصنع نسيج، يتابع سير العمل، ويوجه العمال بنقل بعض المعدات القديمة لخارج المبنى، واستبدالها بمعدات أخرى جديدة، فهو ليس مستثمراً فقط فى المدينة، ولكنه يعيش فيها، وعضو مجلس أمناء السادات، ويعانى كجيرانه من أصحاب المصانع من عدد من المشاكل، ويقول: «أنا بشتغل عشان مش عايز أفشل، عملت اسم لكن من كتر المشاكل الواحد قرب يفقد الأمل»، مضيفاً أنه انتقل منذ عام 1999 وأسرته وصناعته لمدينة السادات، لكى يجد موضعاً مناسباً لاستثماره الصغير فى مجال المنسوجات، وسط المصانع الضخمة التى تضج بها المدينة، ويقول: «مفيش دولة فى الدنيا تقوم على الصناعات الضخمة فقط، لأن الصناعات الصغيرة قادرة على تقوية الاقتصاد والقضاء على البطالة وتوفير فرص عمل للشباب، ولكن الدولة لا تهتم بها ولا توفر لها كافة سبل العمل كما توفر للصناعات الضخمة فى المدينة»، ويشير إلى فارق أسعار الأراضى فى المدينة بين ما تعطيه الدولة للمستثمر الكبير والمشروعات الصغيرة، الذى يصل إلى أضعاف السعر وتفرض على المشروعات الصغيرة الكثير من الرسوم الإضافية»، مبيناً: «المصنع الضخم بـ25 جنيه للمتر عشان واخد 450 ألف متر، وواحد عايز 3000 متر يلاقيهم داخلين فى مليون ولا مليون ونص»، وقال: «تلك الأوضاع الصعبة للحصول على قطعة أرض فى ظل سيطرة السماسرة على عمليات تجارة الأراضى فى المدينة دفعتنى لترك (السادات) بعد كل تلك السنوات ونقل مصنعى لمدينة أسيوط، على أمل أن أجد فيها تسهيلات ومساحة أكبر للتوسع فى مصنعى الصغير»، مشيراً إلى مشكلة الأمن فى المدينة التى تعتبر على رأس الأزمات التى يعانى منها المصنع كبيراً كان أم صغيراً، وفى مقدمتها ما يسمى بـ«الغفرة»، التى تسمح بسيطرة العرب على المدينة، أى هى سيطرة بعض البدو من قاطنى المناطق المجاورة للمدينة فى وادى النطرون، والكيلو 84 ومنطقة مطار البرجات، على الأمن فى المنطقة، وفرض ما سماه بـ«إتاوات» على أصحاب المصانع تبدأ من 300 جنيه للورش، و1000 جنيه للمصنع الصغير وتصل إلى 10 آلاف جنيه وفى بعض الأحيان 25 ألفاً للمصانع الضخمة، ومن لا يدفع لا يتمتع بالأمن والأمان.
يترجل «مطر» إلى خارج المصنع، يشير إلى الكثير من الأكشاك على طول الطريق، التى يجلس بداخلها أفراد من البدو بحجة حماية المصانع: «واللى مش هيدفع حاجته يا هتتسرق يا مصنعه يتحرق.. وهما اللى بيعملوا كده يبقى إتاوة ديه ولا مش إتاوة؟»، وعلى الرغم من ذلك انتشرت الكثير من وقائع السرقة لمرتبات المصانع وأموالها من السيارات، حسب «مطر»، الذى تعرض نفسه لواقعة سرقة، حين ترك سيارته وبداخلها مرتبات العمال بعد سحبها من البنك، وفوجئ بصوت تكسير للزجاج وحين خرج وجد السيارة سرقت، فلاحق السارق وأطلق النار عليه من مسدسه المرخص، وحين قبض عليه وتوجه للقسم لم يستطع إثبات أى شىء بل حرر له السارق محضر شروع فى قتل: «الحرامية معروفين فى السادات والناس اللى شغالة على سرقة المرتبات والفلوس من عربيات صحاب المصانع برضه معروفين بس محدش عارف لا يثبت عليهم حاجة ولا يوقفهم.. قولى بقى فين الأمن»، ويقول «مطر»: «أول شىء يبحث عنه المستثمر هو الأمن، تخيل مدينة كالسادات وبهذا الحجم ولا يتوفر فيها أمن يحمى أصحاب المصانع والمستثمرين»، ويشير إلى وضعه كاميرات مراقبة وكلاب حراسة بخلاف الحراسة البشرية على مصنعه ومنزله فى المنطقة السكنية: «أنا مش حاسس بالأمن فى المدينة ده خلاصة القول».
خلال السير فى المدينة لمدة ساعتين، تظهر الطرق الداخلية للمدينة متهالكة، تتوسطها بالوعات مرتفعة، والرمال تغطى الطرق المرصوفة، بخلاف الكثير من الطرق التى تربط المصانع بالطريق الرئيسى مقطعة ولا تصلح للسير. داخل أحد المصانع الضخمة لإنتاج الزيوت، يترجل العميد باسم رفاعى، مدير قطاع الأمن الصناعى، يعمل فى المدينة منذ خمس سنوات، عمل خلالها فى أكثر من مصنع، ويقول إنه يأتى من طنطا بشكل يومى، ويعانى من إحدى الأزمات التى تعانى منها المدينة، وهى عدم وجود طرق ممهدة تربط «السادات» بمحافظة المنوفية التابعة لها، فرغم قصر المسافة التى لا تتعدى 80 كيلو ولكن يقطعها المقبل من قلب محافظة المنوفية فى أربع ساعات».
«السادات» التى تقع على الطريق الصحراوى بين القاهرة والإسكندرية ولا تتعدى المسافة بينها وبين العاصمة أو الإسكندرية مسافة ساعة، يصل العامل إلى بلدته فى إحدى قرى المنوفية فى أربع ساعات كاملة فى بعض الأحيان، حسب رواية «رفاعى». عبدالعزيز رسلان، صاحب مصنع للملابس، يقبع على مكتبه الخشبى المتواضع، يقول «إن أزمة المدينة الحقيقية هى بعدها عن أماكن تجارة المواد الخام»، مضيفاً: «السادات مفيهاش مصانع قماش أو مواد خام خالص، وذلك فى ظل ارتفاع أسعار الكارتة على الطريق، التى لا تخضع لتقدير كمى، حيث يترك التقدير لهوى الضباط والعساكر الموجودين، وهو ما يساعد فى رفع سعر المنتج الخام»، مبدياً تعجبه: «مش كفاية الدولار واللى عامله فينا».