تدويل الحج.. ضياع للأمانة
- الأبيض والأسود
- البيت الحرام
- الحرب والسلام
- الصراعات السياسية
- العالم الإسلامى
- القادة العسكريين
- الله أكبر
- رسول الله
- صاحب الحق
- صلى الله عليه وسلم
- الأبيض والأسود
- البيت الحرام
- الحرب والسلام
- الصراعات السياسية
- العالم الإسلامى
- القادة العسكريين
- الله أكبر
- رسول الله
- صاحب الحق
- صلى الله عليه وسلم
دخل رسول الله «صلى الله عليه وسلم» مكة متواضعاً حتى كادت لحيته أن تمس عنق راحلته، وكان شعاره «اليوم يوم المرحمة، اليوم تعظم الكعبة»، فلم يكن مثل غيره من القادة العسكريين المنتصرين، يشمخ بأنفه ويسعد بمروره بين الجثث والحرائق والدمار، إنه نبى المرحمة حقاً.
لقد أطلق هذا الشعار رداً على من قال يومها «اليوم يوم الملحمة»، تم تحطيم الأصنام والأوثان وسط هتافات تناغمت فيها الأرض مع السماء تهلل «وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً».
أراد رسول الله «صلى الله عليه وسلم» أن يصلى فى جوف الكعبة شكراً لله، كان عثمان بن طلحة من بنى عبدالدار معه مفتاح الكعبة وكان مشركاً وقتها فرفض أن يعطى المفتاح لعلى بن أبى طالب الذى أخذه منه كرهاً بعد أن قال «لو أعلم أنه رسول الله ما منعته عنه».
فلما خرج الرسول من الكعبة أراد «العباس» أن يأخذ مفتاح الكعبة لبنى عبدالمطلب لتجتمع لهم «السقاية والسدانة» فأنزل الله تعالى «إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا»، فرد المفتاح إلى «عثمان» الذى فوجئ بذلك بعد أن يئس من عودته إليه، فقال له «على»: لقد نزل فيك قرآن، وتلا عليه الآية السابقة.
لم يكن عثمان بن طلحة يتصور أن القرآن يتنزل ليعيد له حقه ويجبر كسره فى مفتاح الكعبة وهو مشرك، فلما سمع الآية أسلم من فوره وقال رسول الله لعثمان خذوها «أى مفتاح الكعبة وسدانتها» خالدة تالدة بأمانة الله لا يأخذها منكم إلا ظالم، وأردف الرسول «اليوم بر ووفاء». لقد رفض رسول الله أن يعطى عمه العباس وابن عمه على بن أبى طالب مفاتيح الكعبة؛ لأنها ليست حقاً لهما، وأعطاها لصاحب الحق فيها رغم أنه كان مشركاً وقتها.
وما زالت مفاتيح الكعبة تتوارثها أجيال بنى عبدالدار حتى الآن، لا يستطيع أحد مهما كان سلطانه أن ينزع منهم هذا الشرف العظيم الذى توارثوه منذ آلاف السنين وكانوا له أهلاً.
الأمانات ترد إلى أصحابها مهما اختلفت معهم فى الدين أو المذهب أو السياسة أو الفكر أو الرأى أو العقيدة، وقد عقب القرآن على هذه الآية بقوله «وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» فالعدل ورد الأمانات مع كل الناس قاطبة دون استثناء.
واليوم يريد البعض تحت مطارق الصراعات السياسية أو المذهبية البغيضة، أن يتم تدويل فريضة الحج، يا قوم نحّوا العبادات عن صراعاتكم، الحج باب لجمع المسلمين وليس لتفريقهم، مزقتم الأمة فى السياسة وحول كراسى السلطة والمال والمذاهب، ولكن اتركوا العبادات فهى ملك لله وللمسلمين وليست ملكاً لكم.
ما لكم وللحج حتى تعكروا صفوه، عكرتم صفو الحياة كلها، فدعوا للمسلمين الفريضة الوحيدة التى يمكن أن يجتمع فيها وحولها الأبيض والأسود، الأمريكى والإيرانى، السنى والشيعى، القطرى والمصرى، السعودى والإيرانى.
دعوا لنا شيئاً من الدين بعيداً عن وساخات السياسة وأدران الأطماع حول النفوذ، الحج هو الفريضة الوحيدة التى تجمع العالم الإسلامى كله، يصفو كل مسلم للآخر، يلبسون لباساً واحداً، ويقفون فى عرفات والمناسك موقفاً واحداً، ويطوفون حول كعبة واحدة، لا ينتمون فى الحج لحاكم ولا حزب ولا لمذهب ولا لقوة بشرية ولا لتنظيم، ولكنهم ينتمون فقط إلى الله ورسوله، يذكرون الله، وينسون هناك خلافاتهم وصراعاتهم وتقاتلهم وإحنهم وأحقادهم.
لماذا يريد البعض هدم الركن الذى يوحدنا ولو لشهر واحد، ويجمعنا فى مكان واحد، لماذا نريد نقل صراعاتنا من ميدان السياسة إلى ميدان العبادة، السياسة وصراعاتها تافهة زائلة، وعبادة الله وذكره باقية دائمة «وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ».
هتف الناس طويلاً لزعماء فماتوا وماتت أفكارهم، وهتفوا لأحزاب وتنظيمات ومذاهب وأفكار فضاعت وأضاعت، ولكن عبادة الله وذكره باقية، الله أكبر من الزعماء والحكام والساسة، الله أكبر من الأحزاب والتنظيمات والمذاهب الوضعية.
هناك فى الحج تعيش مع استسلام إبراهيم وصبر إسماعيل ورضاه عن حكم الله وانقياد هاجر، عليهم السلام.
لماذا يريد البعض هدم الحج، أعظم فرائض الإسلام وأكثرها جمعاً وتوحيداً وتعريفاً للمسلمين بعضهم ببعض.
ارفعوا أيديكم عن الحج، فشلنا جميعاً فى كل ميادين السياسة والصناعة والزراعة والتكنولوجيا والحرب والسلام، ولم يبق سوى أن نهدم الرمز الأخير لوحدتنا وتآلفنا.
سيظل البيت الحرام لمن خدموه طول العمر وهم أهل مكة، دون تدويل ولا سفسطة فارغة، كلنا فاشلون فى كل شىء إلا صناعة العداوة بيننا، اتركوا العبادات بعيداً عن فشلنا وأحقادنا وصراعاتنا، الدين لا يتدخل فى السياسة، ولكن السياسة هى التى تفسد الدين وتضيعه.
الحج كان وسيكون وسيظل لأهله الذين راعوه وخدموا البيت الحرام منذ مئات السنين لا ينزعه منهم إلا جاهل أو أحمق أو فاسد أو مغرض.