ماذا لو نفد الغاز من آبار قطر؟

د. لميس جابر

د. لميس جابر

كاتب صحفي

ماذا يمكن أن يحدث لو نفد الغاز فجأة من آبار قطر؟ تعالوا نطلق لخيالنا العنان ونتوقع ماذا يمكن أن يحدث.. فوراً وقبل أن تنتهى الأموال من خزينة قطر سوف تكتشف الإدارة الأمريكية فجأة أن قطر دولة غير ديمقراطية وتكتب اعتذاراً رسمياً بأن قطر سقطت سهواً من جدول الدول المدرَجة فى «ليستة» الربيع العربى، وأن هذا خطأ سوف تتم معالجته بسرعة، وأنه آن الأوان لمحاسبة هذا النظام الديكتاتورى الذى لم ينشئ منظمة واحدة توحد الله لحقوق الإنسان، وأن المجتمع القطرى يعانى من اضطهاد الأقليات، وهى كثيرة جداً فى قطر، فهذه الدويلة الصغيرة مليئة بالأقليات الهندية والحبشية والباكستانية والفلبينية والسودانية، وكانت أيضاً تضطهد الأقليات المصرية قبل طردهم وقبل نفاد الغاز، وكذلك توجد أقليات شيشانية وإخوانية وجهادية وقاعدية. لذلك ولغياب البرلمان والدستور وحرية الرأى المسموع والمرئى والمكتوب، وهذه هى دعامات الديمقراطية، لذلك كله سوف يطبق على قطر الربيع العربى «زى اخواتها» فى سوريا والعراق واليمن وليبيا ومصر.. ولكن نظراً لنقص الأموال فسوف يفضل الأمريكان أخذ ما تبقى من أموالهم لنقل القاعدة الأمريكية على حسابهم لدولة مجاورة، وما سوف يتبقى من الأموال سوف يزودون به كل هذه الأقليات لتقوم وتهتف وتنظم المسيرات وتعتصم وتقيم فى الخيام لإسقاط النظام، وسوف يجبر الأمريكان الإخوة فى إيران على إمداد هذه الأقليات بالسلاح والأموال لتنفيذ خطة تأصيل الديمقراطية الأمريكانى فى قطر.. وبما أن عدد السكان ضئيل، والمساحة صغيرة، فإن الربيع سينتهى سريعاً وتهب فوراً سحب الخريف لنرى كل العائلة الحاكمة فى السجون والبلد كلها مولعة حرايق وبتقطع فى بعض بالسنج والسكاكين والمولوتوف.. الأتراك سوف يسحبون جنودهم فوراً بعد أن يأخذوا الأجور بسرعة شديدة حتى لو كانت من «صيغة» الشيخة موزة نفسها، فالأتراك عبيد المال والدراهم كما قال محمد على عنهم قبل مائتى عام، أما الإنجليز الذين لم ينطقوا كلمة عن تمويل قطر للإرهاب فى المنطقة وتمويل الدواعش بالسلاح والدولارات وعندما تم تصدير الإرهاب إلى شوارع لندن فى أحداث متكررة أكدت الحكومة الإنجليزية أنها حوادث غير إرهابية بتاتاً قطعاً على الإطلاق كما أكدت أن قناة الجزيرة «إعلام حر»، وأن المطالبة بغلق هذه القناة هى محاولة لكبت الحريات والرأى الحر.. حتى هؤلاء الإنجليز سوف يصادرون القصور الفارهة والمؤسسات المملوكة لعائلة خليفة كلها بمجرد علمهم بنفاد الغاز، وسوف يجمدون الأموال فى كل البنوك والمصارف، وسوف يكتشفون فجأة أن قطر دولة راعية للإرهاب، وسوف تحذو حذوهم دول الاتحاد الأوروبى دولة دولة، وكل ما تم إنشاؤه على أراضيهم من أموال قطر سوف يذهب مُصادراً للحكومات.. أما الإخوة القطريون فسوف يلجأ القادرون منهم للدول المجاورة فى رحلات هجرة، وهنا سوف تظهر النخوة العربية، ويستقبل العرب المهاجرين فى خيام على الحدود تحت الحراسة المشددة لضمان عدم تسلل الدواعش بينهم، وتبدأ الدول العربية فى إرسال المساعدات لهم ولأهالى قطر الذين يعانون من القتل والتفجير والسحل والجوع، وتذهب لهم المساعدات الطبية والطعام والمياه والملابس. وبما أن قطر لا تنتج لنفسها أى نوع من الأغذية، ولا حتى رغيف العيش، فسوف ترسل مصر بعثة من القوات المسلحة المصرية لتنشئ لهم أفران العيش، وتوزع على الجماهير بالعدل، وتأخذ معها أيضاً كميات هائلة من زجاجات المياه والمعلبات، وخاصة «الفول» المصرى، وتوزع على الأهالى الذين فقدوا المنازل وأصبحوا فى العراء.. وطبعاً مع نفاد الغاز لن توجد كهرباء لأن حكام قطر لم يفكروا فى إنشاء أى محطات طاقة بديلة، وليس لديهم مياه يولدون منها الكهرباء، وسوف يعودون إلى استعمال مصابيح الزيت والجاز، حتى تقوم الإمارات والسعودية بالتصدق عليهم ببعض الكهرباء وتتحول حياة الترف والبذخ والسفه لكبار رجال العائلة رويداً رويداً إلى حياة البداوة مرة أخرى، وربما «استلفوا» أغناماً من الدول الكريمة المجاورة.

أما «الجزيرة» العملاقة فسوف تغلق فى كل بلاد العالم بعد أن اكتشفوا أنها قناة لإدارة الدواعش فى المنطقة، وتظل «الجزيرة» فى قطر فقط، وبما أن العاملين بها لم يتعلموا الإعلام بمفهوم الدولة فلن يستطيعوا تغطية ما يحدث على أرض قطر، وسيحولون نشاط القناة إلى قناة «للطبخ» ويستعيرون طباخين لشرح كل أنواع الأكلات العراقية والسعودية والشامية والمصرية، لأن قطر ليس لديها نوع من المأكولات يطلق عليه «قطرى»، ولكن المشكلة الكبرى ستكون من حظ الأشاوس أبطال «التوك شو» لقناة الجزيرة والمطلوبة رقابهم فى كل الدول المجاورة، وتركيا لن تفتح حدودها لهم بعد نفاد الأموال مع نفاد الغاز. ولا أظن أنهم يصلحون للإعلام الإيرانى لأنهم غالباً لا يجيدون اللغة الفارسية، وهؤلاء على ما أتوقع سوف يهاجرون فى قارب عبر الخليج العربى وسط موجات الهجرة غير الشرعية، وربما عاشوا حتى يصلوا إلى الهند أو الصين أو بلاد تركب الأفيال. وفى النهاية ستقف السعودية والإمارات بجانب الشعب القطرى المغلوب على أمره فى تزويده بالغذاء والدواء، وربما فى إعادة الإعمار، وسترسل مصر المدرسين ومعهم الكتاب والكراس والقلم ليبدأ أطفال الشعب القطرى من جديد.

وهكذا نكتشف أنه ليس هناك فرق كبير بين قطر وأنبوبة البوتاجاز التى إن فرغ منها الغاز تم تغييرها على الفور.. وهكذا الأيام، وهكذا الدول التى فشلت فى قراءة التاريخ وقراءة الواقع.. فغاب عنها الوعى وعاشت فى الوهم حتى السقوط.