«حاجة غريبة.. أنا حاسس بثورة»

«حاجة غريبة.. أنا حاسس بثورة»
غريب ما يحدث، فالصورة فى قلب الشارع المصرى فى حالة مغايرة تماما لما عليه حالة النُخَب والإعلام (وكل الناس اللى فوق).. الحالة فى الشارع تتجه وبقوة دفع شديدة إلى انحسار المد الثورى المفترض واقعا أن يكون.. هذا المد الذى بدا قويا جارفا فى أعقاب 25 يناير.. الآن لا يمكن وأنت بين الناس أن تجزم أن ثمة ثورة قد حدثت فى هذا الشارع، ولا يمكن أن تلمس أدنى معنى للثورة فى التصرفات اليومية ولا فى الأفعال الاجتماعية المعتادة.. لم يدم مفعول الثورة قصير المدى فى سلوكيات الناس ولا فى شارعهم، وكأنه تم حصارها (بفيروس) الحاجة المؤلمة والعوز القاتل، اللذين أخذا فى ازدياد غير معقول فى ظل مشكلات اصطبغت بالعادية من كثرة التكرار والوجود، ربما كان ذلك بتعمد تخطيطى ممنهج لأن يتم الدفع بقوة مركبة ومتنوعة نحو طريق التراخى الثورى _إن جاز التعبير_ ولا شك أن كل من سعى إلى ذلك وخطط له قد نجح إلى حد بعيد.
وللإنصاف لا يمكن إغفال ذلك الجدل الدائر اجتماعيا فى داخل هذا الشارع بما يخص انتخابات رئاسة الجمهورية وما أسفرت عنه من فوز مرشح جماعة الإخوان المسلمين.. لكن حالة الجدل هذه لا يمكن أن ترقى إطلاقا بما تحوية من خلاف فى الرأى وتباين ملحوظ فى وجهات النظر المطروحة لأن تكون معبرة عن حالة المد الثورى المفترض حدوثها.. وإن كانت تتعلق بأهداب المسألة من زاوية تتأرجح حينا ما بين الصراع على مكسب سياسى لفئة معينة أكثر منها اقتناص الكرسى لصالح الثورة.. ربما كان قبل ذلك يراه البعض آخر ما يلوح فى الأفق إنقاذا للثورة فى إطار التصادم الذى طال أمده بين الثورة والعسكر.. وعلى ذلك لا يمكن لعاقل الحكم على ما جرى ويجرى أنه ثورة حقيقية بمفهومها الشامل وتعريفها الاصطلاحى المحقق لدى علماء الاجتماع والسياسة، لم يحدث ذلك التغيير الجذرى الشامل فى مجتمعنا الذى زادت فيه المسالب، واختلطت فيه المفاهيم.. لم تحكم هذه الثورة منذ اندلاعها لتفرق الحق من الباطل ولتميز الخبيث من الطيب، ولم يسع الذين أبدوا إيمانهم بها إلى أن يسهموا فى بناء شارع ذى إرادة قوية نزيهة قادرة على الخلق والإبداع والاختيار بحرية كما فعل أصحاب (نعم) الشهيرة، ولا دون توجيه (علشان تدخل الجنة اختار بهلول) ولا دون خديعة (الميزان رقم 10) والميزان كان آخر ما فى القائمة، ولا دون ابتزاز الحاجة والعوز (كيلو زيت وسكر).
وعلى جانب آخر ترى الذين رفضوا ذلك وبحّت أصواتهم فى محاربته ذهبوا لينحر بعضهم بعضا فاختلفوا وتركوا الشارع فكانوا بذلك فى ركب الذين ساعدوا على هدم الثورة ومعناها.. ذهبوا وتركوا قيم الثورة تتلاشى ليحل مكانها سؤال يجرى على الألسنة حتى استمرأه الشارع الذى كان الضحية الكبرى: «هو فيه ثورة حصلت؟!».