الوطن ترصد حكاية «عوضية».. الشهيدة التى أشعلت الاحتجاجات السودانية

كتب: شيماء عادل

الوطن ترصد حكاية «عوضية».. الشهيدة التى أشعلت الاحتجاجات السودانية

الوطن ترصد حكاية «عوضية».. الشهيدة التى أشعلت الاحتجاجات السودانية

طلقة استقرت فى منتصف رأسها كانت كفيلة بانتقال روحها إلى الرفيق الأعلى، بينما ظلت قصتها فى مواجهة الشرطة بمثابة الشرارة الأولى للاحتجاجات السودانية الأخيرة، إنها «عوضية عجبنا جبريل» التى خرج أبناء مدينتها «الديوم الشرقية» يوم 23 يونيو احتجاجا على مقتلها، مرددين هتافات «الشعب يريد إسقاط النظام». «الوطن» التقت بأسرة «عوضية»، داخل بيتهم الصغير بأحد أحياء المدينة، استقبلنا شقيقها محمد، بملصقات لصورتها مذيّلة بكلمتين «كلنا عوضية» تزينت بها الحوائط قائلا: «الجميع ما زال يتذكر اليوم المشئوم، فقبل ثلاثة أشهر، وتحديداً فى 6 مارس 2012، تعطرت يدى بدماء أختى محاولاً إسعافها ولكن دون فائدة». يقودنا محمد إلى غرفة الجلوس التى توسطتها صورة كبيرة لأخته، يجلس على المقعد المجاور للصورة متذكراً ما حدث قائلاً: «تجمعنا مساء لتناول وجبة العشاء، ثم توجهت إلى غرفتى لآخذ قسطاً من الراحة وإذ بعوضية تدخل لتطمئن على وتعطينى الدواء ثم غابت فترة لتعود فى العاشرة مساء وتوقظنى من النوم لإخبارى بأن شرطة النظام العام أمسكت بشقيقنا وليد». هرول محمد إلى خارج المنزل وخلفه «عوضية»، وبمجرد الخروج من باب منزلهم وجد أخاه بثياب ممزقة يحيطه ثلاثة من شرطة النظام العام يريدون اقتياده إلى قسم الشرطة بتهمة شرب الخمر، هنا توجه محمد بكلامه إلى الضابط حامد على حامد، الذى يحمل رتبة ملازم ثان، قائلاً: «أخى لا يحتسى الخمر، ويمكن اكتشاف ذلك بسهولة عن طريق الاختبارات، رفض الضابط الاستماع لمحمد، كما رفض أخوه ركوب السيارة، مما جعل أهالى الحى يتوسطون لحل المشكلة، إلا أن الضابط توعد بالعودة واعتقالهما». حينما دقت الساعة 11 مساء وصلت سيارة الشرطة بسرعة وبها قوة مكونة من 10 عساكر مدججين بالسلاح، اتجه ثلاثة ضباط ناحية محمد لاقتياده إلى السيارة بنفس تهمة أخيه وليد، وهنا تدخلت «عوضية» دفاعاً عن أخويها وإقناع الضباط بإجراء الاختبارات المتبعة للتأكد من ذلك، كلمات «عويضة» جعلت اثنين من العساكر يتوجهون إليها هى وأختها ووالدتها محاولين ضربهن، بحسب شهادة محمد: «أنا ما تحملت، قلت له وقّف الضرب، ولو فيه حاجة أنا هامشى معاك فى القسم.. بنات وعزّل، دى عملية بلطجية لو عايز تضربنى اضربنى». يتذكر محمد اللحظات التى سقطت فيها شقيقته: «طلب الضابط من أحد عساكره ضرب النار علينا فجاءت طلقتان فى رأس عوضية، هرولت إليها فوجدتها غارقة فى الدماء فيما هرب الضابط وعساكره تاركين أحد العساكر أمسكت به والدتى وهى تصرخ فيه: ليه قتلت بنتى». وتابع: «انتبه الضابط إلى ترك أحد عساكره فرجع بالسيارة وقام بضرب والدتى بالدبشك على رأسها ويديها مما أدى إلى كسرها». وقف محمد حائراً مذهولاً بين أخته الغارقة فى دمائها ووالدته المضروبة والملقاة على الأرض، وهو ما جعل أحد جيران الحى يتطوع بسيارته لنقل أخته وإخراجها من الشارع الذى سدته قوات الشرطة توقعاً لحدوث أى رد فعل. أكثر ما يؤلم محمد هو البيان الذى أصدرته حكومة البشير تقول إن مجموعة من المخمورين قاموا باعتراض دورية للشرطة بل وإطلاق النيران عليهم، مردداً: «أبسط حقوقنا أن نعيش آمنين، بدل ما الشرطة بتحمينا جاية تروعنا وتقتلنا.. بدل ما تحفظ النظام هى التى تنتهك النظام.. ارتكبوا جريمة مع سبق الإصرار والترصد ضد مواطنين عزل.. . حتى ولو أنا مجرم ما ينفعش إنه يتعامل معى بالطريقة دى». قضية مقتل «عوضية» ما زالت أمام المحكمة لم تتخذ فيها خطوة واحدة، فالضابط الذى قتل أخته يتمتع بحصانة لم ترفع عنه حتى هذه اللحظة، وهو ما يفسر غضب أهالى الديوم الذين أحرقوا دفتار الشرطة فى 23 يونيو الماضى وأشعلوا النيران فى إطار السيارات، وهو ما جعل الأمن يحاصرها بعشرات من قوات الأمن حتى هذه اللحظة.