«السوشيال ميديا» وإرهاب سيناء

يتعاظم الدور الذى يلعبه الإعلام بشكل عام فى بلورة الرأى العام لدى الأفراد والجماعات والشعوب، وتأطير الاتجاهات، وإرساء الأولويات، وصولاً إلى التأثير فى أنماط السلوك الاجتماعى والسياسى للجمهور.

ويتفق باحثو الاجتماع والعلوم السياسية على أن وسائل الإعلام تلعب دوراً بارزاً فى بلورة تصورات الأفراد والجماعات، وعمليات التغيير الاجتماعى، وصياغة الأفكار والتمثلات الذهنية، التى تتحول لاحقاً إلى دوافع وممارسات سلوكية.

ومع ازدهار أنشطة وسائل التواصل الاجتماعى، زاد التأثير الذى يحدثه الاتصال الجماهيرى فى السلوك السياسى للأفراد والجماعات، وهو الأمر الذى انتبهت له القوى الفاعلة فى عالمى السياسة والحرب، حيث باتت تخصص جهوداً، وتفرز موارد، وتصوغ استراتيجيات، لاستخدام تلك الوسائل فى تحقيق أهدافها.

يقول فيلسوف الحرب الشهير «كلاوزفيتز» إن «الحرب حرباء»، وإنها «تلون نفسها»، وتكتسب طاقات فعل جديدة فى كل مرحلة من المراحل.

ولأن تباينات القوى كانت حاكماً رئيسياً للصراعات الحربية وأعمال القتال والعنف على مدى التاريخ، فقد رأت بعض القوى الأضعف والأقل موارد وتنظيماً، فى وسائل التواصل الاجتماعى النافذة والمؤثرة طاقة ومرتكزاً و«أدوات قتال» جديدة.

وقد لخص مركز البحوث التابع لحلف شمال الأطلسى (ناتو) NATO Stratcom Center of Excellence هذا الاتجاه الجديد فى التعبير الموحى: «تسليح وسائل التواصل الاجتماعى» Weaponization of Social Media.

يشير هذا التأصيل الجديد إلى الدور الواسع الذى يمكن أن تلعبه وسائل التواصل الاجتماعى ضمن منظومة ما بات يعرف بـ«الإعلام الجديد» فى عالم الحرب والصراعات العنيفة.

وهو دور تستمده تلك الوسائل من سماتها الفريدة، التى يمكن تلخيصها فى الإتاحة، والسرعة، والفورية، والقدرة على التخفى، وعدم وجود قيود على حجم وسعة المواد التى يتم بثها، وعدم تقيدها بحدود الزمان والمكان، وعدم خضوعها لقواعد أو آليات ضبط ومتابعة محكمة.

ومع تطور أشكال الحرب، وظهور ما يُعرف بـ«حروب الجيل الرابع»، والحرب اللامتماثلة asymmetric Warfare، والحرب الهجينة Hybrid Warfare، زاد الدور الذى يمكن أن تلعبه وسائل التواصل الاجتماعى فى عالم الحرب.

إن تلك الحروب التى تتخذ أشكالاً حديثة تتسم بأن جبهتها غير محددة، وأن نطاق استهدافها واسع وغير محدود، وأنها تعول تعويلاً كبيراً على دور الرأى العام فى حسم أعمال القتال.

لذلك، فقد برزت أدوار جديدة لوسائل التواصل الاجتماعى فى هذا النوع من الحروب، ومن تلك الأدوار: جمع المعلومات الاستخبارية، وعمليات التجنيد، والاستقطاب، والأنشطة اللوجيستية، والاتصال الشخصى، والعمليات السيبرانية، والتحكم والسيطرة، والدفاع، وصولاً إلى إعطاء التكليفات، وتسهيل شن الهجمات، فضلاً عن تقويض الروح المعنوية للحكومات، وللجمهور، وللقوات النظامية المقاتلة.

تفرض التطورات التى طرأت على استخدام مواقع التواصل الاجتماعى ودورها فى عمليات الاستهداف وشن الأعمال العدائية تحديات كبيرة على القوات المسلحة النظامية.

وفى المقابل، فإن تلك التطورات تمنح القوات المسلحة فرصاً عبر الاستخدام الجيد لتلك المنصات النافذة والمؤثرة.

لقد أعطتنا العملية الغادرة التى استهدفت قواتنا المسلحة فى سيناء، يوم الجمعة الماضى، برهاناً جديداً على تصاعد الدور الذى يلعبه الإعلام عموماً، ووسائط التواصل الاجتماعى خصوصاً، فى سياق النشاطات الإرهابية.

ويمكن أن نرصد بعض عناصر هذا الدور فى التطورات التالية:

- تحول وسائط الإعلام الجديد إلى آلية للحشد والتعبئة وبنية اتصالية أساسية لتنظيم بعض الاحتجاجات وأعمال العنف والشغب والاضطرابات الأمنية.

- زيادة كبيرة فى اعتماد الجماعات الإرهابية على وسائط الإعلام الجديد فى عمليات التجنيد والاستقطاب.

- تحول بعض وسائط التواصل الاجتماعى إلى آلية لتعليم تصنيع المتفجرات والعبوات الناسفة وكيفية القيام بالعمليات الإرهابية.

- يتم استخدام بعض وسائط التواصل الاجتماعى فى تقويض الروح المعنوية للجمهور والجيوش النظامية.

- يتم بث الكثير من الشائعات والأخبار المضللة والمحرفة عبر وسائط التواصل الاجتماعى التى لا تخضع لأى ضبط أو رقابة بما يحولها إلى أدوات لتنفيذ أهداف قوى مشبوهة أو وسائل لتقويض الأمن القومى.

- تشن بعض الدول والجماعات هجمات منسقة عبر تسخير منصات التواصل الاجتماعى ضد الحكومات والجيوش النظامية.

- يتم استخدام وسائط التواصل الاجتماعى أحياناً فى إعطاء التكليفات، والاتصال بعناصر التنظيمات الإرهابية، وتسهيل الجوانب اللوجيستية للعمليات الإجرامية.

- إشاعة الأخبار المضللة.

- سرقة الحسابات وانتحال الأدوار.

- بناء الصورة الذهنية اللامعة للذات وللمؤيدين والأنصار والمتعاطفين.

واستناداً إلى ما سبق، ينبغى على القوات المسلحة أن تأخذ فى اعتبارها أنشطة القوى المعادية، لكى تنجح فى تطوير أدائها الاتصالى، على النحو التالى:

- البث المباشر والفورى للأنباء والقصص الدقيقة والموثقة والداعمة للقوات المسلحة.

- تزويد الرسائل بعناصر الملتيميديا المتكاملة لتحقيق المصداقية والجاذبية للمادة المذاعة.

- كشف الأخطاء والمعلومات المضللة والتأويلات الخاطئة التى ترد فى أنشطة القوى المعادية على مواقع التواصل الاجتماعى.

- تأمين الحسابات والمنصات والمواقع التابعة للقوات المسلحة والمتحدثة باسمها، عبر تحصينها ضد الاختراق والانتحال والسرقة والإغلاق.

- استخدام صلاحيات السيادة الوطنية للدولة فى ملاحقة المواقع الضارة وغلقها وتوضيح عدم شرعيتها للجمهور.

- بناء استراتيجية تسويق إلكترونى فعالة ومتماسكة للترويج للمواقع التابعة وزيادة أعداد متابعيها.

- تطوير علاقات دائمة وفعالة مع مزودى الخدمات وإدارات المواقع الفاعلة والمؤثرة، واستخدام تلك العلاقات فى تحجيم نشاط هذه المواقع، عبر إثبات خرقها لقواعد الاستخدام، ومطالبة القائمين على الخدمات بإيقاف الضار منها.

- الاعتماد على العدو، عبر بث المواد الإعلامية التى تحطم معنوياته، بشكل فورى وجذاب، بحيث يمكن أن يطلع عليها، ويتداولها، أو يتأثر بها.

- التزويد الفائق: بمعنى بث مواد ورسائل أكثر عدداً وبوتيرة أسرع من جميع القوى المعادية، وهو أمر يستلزم تعزيز الوحدات المعنية فى القوات المسلحة ورفدها بطاقات وأعداد كبيرة من العاملين فى مجال التواصل الاجتماعى.

تطرح وسائط التواصل الاجتماعى تحدياً كبيراً على القوات المسلحة المصرية فى أوقات الاستهداف الإرهابى، لكنها أيضاً يمكن أن تكون فرصة إذا أُحسن التعامل معها.

ولكى تنجح القوات المسلحة، والشرطة، وبقية أطر الدولة المصرية، فى مواجهة هذه المخاطر والاستفادة من الفرص، عليها أن تعتمد استراتيجية تبدأ بتأليف وحدة ضخمة معنية بإدارة وسائل التواصل الاجتماعى وأنشطة الإعلام الجديد، وستعمل تلك الوحدة على توفير آليات الرصد، والمتابعة، واستخدام صلاحيات السيادة فى إغلاق وتحجيم المنصات المعادية، كما ستطور آليات إنتاج محتوى، تستفيد من جميع تجليات الملتيميديا، وستعمد إلى إجراءات «تزويد» أكثر كثافة من تلك التى تبثها كل الوسائط المعادية.

وسيحرص الإعلام الحربى على الإفادة من الرسائل التى يتم بثها عبر المنصات المعادية، من خلال استخدامها فى جمع المعلومات الاستخبارية، كما سيطور علاقات مع موردى الخدمات ومسئولى المنصات من أجل إسكات المواقع التى يثبت تجاوزها للقوانين ولاشتراطات الاستخدام المعلنة.

وعبر عمليات التدريب المكثفة، ستكون الكوادر البشرية العاملة فى تلك الوحدة قادرة على إدارة النشاط الاتصالى عبر مواقع التواصل الاجتماعى، بطريقة فعالة.