الوزير «ونى» والرئيس «السيسى»

ريهام نعمان

ريهام نعمان

كاتب صحفي

«لقد كنت أعد لهم الخطة، بينما وظيفتى هى الإشراف على الممتلكات، ولم يتشاجر أحد من أفراد الجيش مع جاره، ولم يأخذ أحد خبزاً من أى مدينة، ولم يسرق عنزة من أى قوم، لم يقم الجيش على السلب والسخرة فى وقت الغزوات، وحتى فى أشد ظروف البلاد قسوة، كان يعتمد فى عدته وعتاده فقط على الإدارة الحربية».

هذا مقتطف قصير مما رواه القائد، الوزير «ونى» فى عهد الأسرة السادسة من عصر الدولة المصرية القديمة عن أخلاقيات الجيش المصرى فى تعامله مع المارة والبلاد والقرى والصحارى التى كان يمر بها أثناء الخروج للحرب، فلم ينهب، ولم يسرق، كما فعلت باقى جيوش العالم القديم عند المرور على المدن والقرى، مرتكبين كل ما هو غير أخلاقى فى حق من مروا بهم.

قبل أن تأمر الأديان السماوية الثلاثة، كانت تلك هى منظومة القيم الأخلاقية التى كرسها هذا الجيش الفريد عبر أزمنة تاريخية مبكرة جداً.. التى ما زال يعدها ركيزته فى الحرب والسلم فى الدفاع والبناء.. ولأن عقيدته وُلدت من رحم منظومة الأخلاق تلك، انطلق عبدالفتاح السيسى يصوغ جمله الأخيرة عن جزيرتى تيران وصنافير ملتحماً غير منفصل عن تكوينه العسكرى، فقال بقوة ممتزجة بألم استشعرته: (هل الأوطان تباع وتشترى؟، إنها أمانة أحاسب عليها أمام الله قبل الشعب. فيه ناس عندها شرف لا يباع ولا يشترى).

تلك اللحظة أعادت إلى ذهنى ما استهل به الرئيس خطاب استقالته من المنصب العسكرى وإعلان الترشح للانتخابات الرئاسية 26 مارس 2014.

«النهارده آخر يوم ليا بالزى العسكرى، وقد ارتديته من سن 15 عاماً للدفاع عن الوطن، ولمدة 45 سنة، وأتركه الآن أيضاً للدفاع عن الوطن».

لم يكن الكثير منا حينها قادراً على استيعاب مدى الألم الذى اعتصره وهو يخلع عنه زيه العسكرى بعد أربعة عقود أصبح فيها جزءاً أصيلاً من تكوينه، فلم يكن يخلع زياً قدر ما كان كمن يخلع عنه جلده، إنها لحظة موجعة لو ندرى.. كما أنها موجعة الآن أيضاً أن يجد نفسه مطعوناً فى شرفه الوطنى والعسكرى على ألسنة شرذمة ممن تخلوا عن عقولهم وأخرسوا صوت الضمير فيهم..

إن المواجهة التى خاضها الرجل فى اللحظتين لا تخلو من الألم على اختلاف أسبابه، لكنهما تتحليان بشجاعة الامتثال للواجب الوطنى.

سلامٌ على قائد أقام جسور سياسته على أركان قيمه الأخلاقية، وتحية لشعب أدرك قدسية جيشه، فبوأه العلا.