«العياط»: قضبان خارج حسابات المسئولين.. ومواطنون: كفاية حوادث

كتب: أحمد عصر

«العياط»: قضبان خارج حسابات المسئولين.. ومواطنون: كفاية حوادث

«العياط»: قضبان خارج حسابات المسئولين.. ومواطنون: كفاية حوادث

دقات جرس متقطعة ارتفع صوتها فى الأرجاء، يهرول على أثرها المارة من سكان قرية «البليدة» بمركز العياط، من فوق تلك القضبان الحديدية، قبل أن ينتصب ذلك الثلاثينى من على كرسيه الخشبى أمام غرفته الصغيرة الملاصقة لـ«المزلقان»، متجهاً بخطى ثابتة نحو تلك الصدادات الحديدية المرتفعة لأعلى، ليسحبها من حبلها المتدلى منها حتى تستقر فى مكانها المخصص على الناحية الأخرى، معلناً بذلك، بعد تكرار العملية نفسها على الجانب الآخر، إغلاق المزلقان لدقائق قليلة أخرى يمر خلالها قطار ضمن عشرات القطارات التى تمر عليه فى وردية عمله البالغة 12 ساعة كاملة يقضيها على المزلقان.

«بيتهيألى كفاية بقى حوادث قوى لحد كده، ومفروض يهتموا بالمزلقانات ومايستنوش لما كارثة تانية تحصل»، جملة عبّر بها الثلاثينى خليفة شحاتة، من سكان مركز العياط، عن غضبه من كثرة حوادث القطارات التى شهدتها بلدته خلال الأعوام الماضية، مشيراً إلى وجود حالة من عدم الاهتمام من قبَل المسئولين تجاه هذه المزلقانات المنتشرة بطول قرى المركز، ليضيف قائلاً: «مزلقان قريتنا بيعدى من عليه سكان قرية تانية جنبنا، يعنى عليه ضغط كبير من قريتين مش قرية واحدة، والمفروض بقى كل الكلام ده يتحول إلكترونى، لأن غفير المزلقان هيعمل إيه ولا إيه».

{long_qoute_1}

أعياد كثيرة خيّم الحزن عليها فى العديد من قرى مركز العياط، لما شهدته من حوادث قطارات أودت بحياة الكثيرين، وهو ما أبدى حافظ بيومى، أحد السكان استياءه منه، معبراً عن ذلك بقوله: «أنا مولود هنا، ومن صغرى وانا بشوف وبسمع عن حوادث القطر اللى بتحصل فى العياط، سواء فى المزلقان اللى انا ساكن جنبه أو فى غيره من المزلقانات التانية، وأغلب الحوادث اللى بتحصل بتكون فى الأعياد، يعنى سبحان الله تقريباً كل عيد لازم يتنكد على أهل البلد كلهم»، موضحاً أن الإصلاحات فى مزلقانات السكة الحديد بمركز العياط لا تأتى إلا بعد وقوع كوارث، كما أنها، حسب قوله، تكون إصلاحات صورية لا تفى بالغرض ولا تمنع مثل هذه الحوادث: «نفسى يكون فيه حل نهائى للموضوع ده بدل ما كل شوية يتنكد علينا كده».

وداخل محله للعصير بجوار مزلقان البليدة، وقف العشرينى محمد نادى، يحكى معاناته وأهل قريته مع مزلقان القرية وغيره من مزلقانات المركز التى ما زالت يدوية حتى الآن، رغم وعود سمعوها بتطويرها وتحويلها إلى إلكترونية بعد آخر حادث وقع منذ ما يقارب 6 أشهر: «رغم إن تطوير المزلقان هييجى بخسارة علىّ أنا شخصياً، عشان المحل بتاعى هيتهد مع التطويرات زى ما بيقولوا، بس فى الآخر الناس اللى كل شوية تموت ديه مالهاش أى ذنب، وفيه هنا بيوت كتير مات لها ناس، وبالنسبة ليا أكيد هاكل عيش فى أى مكان تانى مش شرط هنا بس يعنى، لأن الرزق واحد لكن الروح اللى مابتتعوضش، بس هما ينفذوا التطوير اللى عمالين يقولوا عليه بقالهم سنين».

دقائق قليلة منذ إغلاق المزلقان تكون كافية، حسب قول «نادى»، لأن تغلق المنطقة بالكامل من كثرة المارة وسيارات النقل الواقفة خلف القضبان تنتظر لحظة العبور، وذلك لضيق الكوبرى النيلى المؤدى إلى المزلقان والموصل بين الطريق ومدخل القرية، وهو ما يزيد من المشاحنات والمشادات بين الناس، إلا أن أسباباً أخرى كانت وراء تأخير عملية تطوير مزلقانات العياط، حسب ما يرى «نادى»: «للأسف فيه ناس هنا من اللى عندها بيوت ومحلات هتتزال هما اللى واقفين فى موضوع التطويرات ديه إنها ماتمّش، وفيه منهم اللى ليه وسايط واللى واصل لناس تقيلة، عشان كده الموضوع مش عايز يتم».

ولم ير حسن بدوى، من سكان «العياط»، أن تطوير المزلقانات هو الأهم فى مسألة الحوادث المتكررة فى بلدته، وإنما حمّل جزأ كبيراً من المسئولية على عاتق «غفير المزلقان» لما له من دور رئيسى فى هذا الأمر، حسب قول «بدوى»: «أنا عدى عليا حوادث كتير وعارف كل حادثة إيه عيبها وإيه اللى حصل فيها، يعنى الحادثة الأخيرة اللى مات فيها 8 على مزلقان البليدة البلد كان الغلط فيها على عامل المزلقات، لأن وقتها كان فيه شبورة والجرس رن، وبدل ما يقفل المزلقان قال للسواق عدى بسرعة، أتارى وقتها القطر كان جاى، وفيه حادثة تانية عامل المزلقان كان نايم فيها، وغيرها كتير من الحوادث اللى شبه كده»، مضيفاً: «وكل واحد لو يراعى ضميره فى شغله مش هنشوف الحوادث اللى كل شوية تحصل ديه، لأنهم حتى لو طوروا المزلقانات وفيه إهمال برضه هيبقى ولا كأنهم عملوا حاجة».

ولم تكن الشكوى من الإهمال فى عدد كبير من مزلقانات السكة الحديد بمركز العياط من قبل الأهالى وحدهم، وإنما كانت كذلك من العاملين على تلك المزلقانات أنفسهم، حيث تحدثت معهم «الوطن»، فعددوا أزماتهم المتنوعة ما بين صعوبة السيطرة على أهالى القرى، وسهولة فتح تلك الصدادات اليدوية، حتى بعد أن يغلقها العامل، فضلاً عن أزماتهم مع هيئة السكة الحديد نفسها، التى تزيد عليهم أعباء العمل، وتزيد عليهم ساعات العمل، ولا تنظر إلى شكواهم المتكررة من وجود أزمات يجب أن تُحل فى المزلقانات التى يعملون بها، تحدثوا بأسماء مستعارة خوفاً من أن يتم التنكيل بهم بعد ذلك، حيث لا يُسمح لهم بالبوح بتلك الأمور لغيرهم وإلا يكون العقاب نقل العامل إلى مزلقان آخر يبعد عن مسكنه مئات الكيلومترات.

«أنا لو فيه واحد أضمن إنه يحمينى هطلع اقول بلاوى موجودة فى السكة الحديد على الملأ، بس يوم ما اعمل كده أنا متأكد إنى هصحى تانى يوم الاقى نفسى رحت السلوم».. جملة كان هى أول ما بدأ به سمير محمد (اسم مستعار)، حديثه، وهو يعمل خفيراً لواحد من مزلقانات «العياط» المهمة، نظراً للضغط عليها طيلة اليوم من المارة، أفراداً وسيارات، موضحاً أن أكبر أزمة يعانى منها هو وغيره من زملائه، غياب الأمان عن بوابات المزلقانات: «البوابة عبارة عن جنش معمول بتنزل فيه البوابة وخلصت، ولو طفل صغير اتعلق فيها هتتفتح»، مشيراً إلى أن عامل المزلقان هو «كبش الفدا» لأى شىء قد يحدث، حتى وإن لم تكن غلطته. عمال ثلاثة يتناوبون العمل على المزلقان، حيث يعمل كل واحد منهم 12 ساعة متواصلة، ليستريح بعدها 24 ساعة أخرى، وفقاً لقانون الهيئة، وهو غير مطبق فى العديد من مزلقانات «العياط»، حسب ما أشار إليه «سمير» الذى اشتكى هو وزملاؤه أكثر من مرة بخصوص هذا الأمر، إلا أن الردود كانت تأتى دائماً «فيه عجز فى الناس»، ليزيد هذا الأمر من الأعباء على عاتق العمال الذين أصبحوا يعيشون أوقات عملهم فى حالة من الرعب وتوتر الأعصاب: «من الرعب والخوف اللى بقينا فيه بقينا نيجى نستلم الوردية وشايلين همها إنها تخلص بسلام وندعى ربنا إن اليوم يعدى على خير، لأنى ممكن آجى الصبح والاقى نفسى آخر اليوم لابس فى 4 سنين حبس بسبب حاجة أونطة ومش بتاعتك ولا بسببك».

ما بين قضبان السكة الحديد فى المزلقان، يجب أن يكون هناك ما يسمى بـ«التبليطة»، وهى عبارة عن وضع البلاط بين هذه القضبان حتى يعبر عليها المارة والسيارات بسهولة، لكى لا يقع فرد أو تتعطل سيارة على القضبان، وهو ما يُعد كارثة إذا ما كان القطار قريباً، ورغم خطورة هذا الأمر فإن هيئة السكة الحديد لم تستمع لعمال مزلقانات العياط حينما اشتكوا بخصوصه، حسب «سمير»: «التبليطة بتاعة المزلقان نفسه بايظة والبلاط بتاعها مكسّر، وديه ممكن تعمل لى مشكلة كبيرة، يعنى لو عربية حصل لها حاجة على السكة هتبقى أزمة، وقلنا الكلام ده وعرّفناهم بيه أكتر من مرة، وكل مرة يقولوا السكة الحديد مافيهاش طوب، ومش عارف بقى أنا اللى هجيب طوب وأسمنت واعملها على حسابى وكأنه المزلقان اللى انا وارثه عن أبويا»، مضيفاً: «وييجى بقى يعدى علينا تفتيش من وقت للتانى، وأول حاجة بيسألنا عليها اللبس، وتلاقيهم سايبين الخراب كله وممكن يدينى 3 أيام جزا عشان مش لابس القميص الفسفورى مثلاً».

وفى واحد آخر من مزلقانات «العياط» الرئيسية، كان سعد أمجد (اسم مستعار)، عامل شاب لم يتخط عقده الثالث بعد، عدّد أزماته التى لم تختلف كثيراً عن غيره من زملائه، ليوضح أن بوادر التطوير التى سمع عنها لم تظهر إلا فى تلك المزلقانات غير المهمة، تاركين المزلقانات الرئيسية دون أى تطوير، شارحاً أزمته قائلاً: «المصريين معروفين إنهم بيحبوا الفهلوة، وتلاقى دماغهم متركبة إنهم يفتحوا السكة ويعدوا بمجرد ما القطر يعدى، ومحدش بيستنى لما انا اللى اروح افتح السكة، ده غير بقى سواقين التكاتك اللى أغلبهم بيكون بتاع مشاكل وبيكونوا متضايقين إنى بقفل السكة بمجرد ما الجرس يضرب، وممكن تلاقيهم فتحوا السكة وعدوا كمان، وبسبب الموضوع ده واحد زميلنا اتضرب بمطوة فى جنبه من سواق توك توك وكان هيموت فيها عشان القطر كان جاى وقفل السكة ومارضيش يفتحها له».

43 رحلة ذهاباً ومثلها عودة يقطعها قطار (القاهرة - أسوان) ماراً بمركز العياط، وهو ما يمثل نوعاً آخر من الأعباء الواقعة على عاتق عمال المزلقان، حيث يمر عليهم فى الوردية الواحدة ما يزيد على 50 قطاراً: «إن واحد بس يقف على المزلقان اليدوى عمره ما يقدر أبداً يسيطر عليه، خاصة لما يكون مزلقان عليه ضغط ومهم، يعنى مثلاً أنا شغال على خط سكة حديد مزدوج، وممكن يكون فيه قطرين جايين من الناحيتين ورا بعض على طول، فأنا بقفل، وقتها الناس بتكون واقفة ومش عارفة ده، وأول ما القطر الأولانى يعدى تلاقى الناس رفعت الحاجز وعايزة تعدى فى الوقت اللى القطر التانى جاى فى المقابل ممكن بقا ياخدله عربيتين تلاتة فى وشه، وييجى فى الآخر يقول لك عامل المزلقان هو اللى غلطان، طيب أنا فى حالة زى ديه أعمل إيه، أنا بكون واقف أحلّق على الناس من الناحيتين على قد ما بقدر، وييجى فى الآخر لما تحصل حادثة كل مسئول فى السكة الحديد بينزّلها على اللى تحته لحد ما توصل فى الآخر على غفير المزلقان».


مواضيع متعلقة