عزل قطر ضرورة

لم يكن أمام الدول العربية المتحالفة ضد قطر طريق آخر لإقناعها بالتجاوب مع مقتضيات الأمن القومى للمنطقة، والتوقف عن ممارسة السلوك التخريبى، خاصة أن الدوحة دأبت على النكوص بالتعهدات.

سياسة العزل والحصار المطبقة ضد قطر حالياً مكلفة، وغير مضمونة النجاح، لكنها تبقى الخيار الأفضل للتعاطى مع التهديد القطرى الصارخ والمستمر.

ثمة الكثير مما يثبت أدوار قطر التخريبية ودعمها للإرهاب، ففى عام 2014، قال رئيس الحكومة الليبية الأسبق محمود جبريل، إن قطر «سعت لتنصيب عبدالحكيم بلحاج، الأمير السابق للجماعة الإسلامية المقاتلة، زعيماً للثورة الليبية». وأضاف إلى ذلك أيضاً قوله إن «حمد بن خليفة (الأمير السابق) عارض علناً جمع السلاح من يد الثوار»، فى إشارة إلى رغبته فى استمرار وجود السلاح بأيدى الجميع، بما يعنيه ذلك من تغذية عوامل الإرهاب والاقتتال الأهلى.

لقد استثمرت قطر كثيراً فى الواقع الليبى الجديد، إلى درجة أن الشيخ مصطفى عبدالجليل، أول رئيس للمجلس الانتقالى بعد الإطاحة بالقذافى، قال بوضوح: «قطر دست الأموال فى جيوب الليبيين. لم يذهب أى ليبى إلى قطر إلا وأعطوه مالاً».

تدافع قطر عن تنظيم «الإخوان» دفاعاً مستميتاً، وتطالب مصر بعدم إقصائه، «حرصاً على الديمقراطية وعدم الإقصاء»، لكنها تقصى أى صوت معارض فى أراضيها.

تشارك قطر فى التحالف الدولى، الذى يحارب تنظيم «داعش» فى الأراضى التى يسيطر عليها فى سوريا والعراق، لكنها تمول وتدعم أنشطته الإرهابية، كما تمول أنشطة جماعات أخرى مصنفة إرهابياً فى المنطقة.

تجاوبت قطر مع مقررات اتفاق الرياض، الذى أنهى أزمة سياسية بينها وبين دول الخليج العربية الأخرى، لكنها عادت وتنصلت من تلك المقررات كافة، وواصلت دعمها للأنشطة الإرهابية.

لم تحترم قطر التزامها الخليجى والعربى والدولى بمناوأة التدخل الإيرانى السافر فى شئون الدول العربية، وتشجيع العمليات الإرهابية التى تقوم بها جماعات فى اليمن والعراق وسوريا ولبنان وبعض دول الخليج العربية، بغرض تقويض الاستقرار فى المنطقة وإسقاط بعض دولها.

لم تقدم الإمارات والسعودية والبحرين ومصر والحكومة المعترف بها دولياً فى اليمن وحكومة الشرق فى ليبيا، وبعض الدول الأخرى، على قطع علاقاتها بقطر إلا بعدما تأكدت تلك الدول من أن قطر تمارس دوراً تخريبياً، وتتنصل من تعهداتها، وترفض إيقاف تمويلها ودعمها للإرهاب والأنشطة التخريبية والتدخل فى شئون الدول الأخرى.

فى الوقت الذى يحاول فيه المجتمع الدولى الحد من مخاطر السياسات الإيرانية المقوضة للأمن والسلم الدوليين، يتصل أمير قطر بالرئيس «روحانى»، ويؤكد له رغبة الدوحة فى تعزيز العلاقات مع طهران. يشيع التمويل القطرى للجماعات الإرهابية والمتمردين الفوضى فى العراق واليمن، وقبل أيام قالت صحيفة «فاينانشيال تايمز» إن قطر دفعت مليار دولار فدية لإطلاق سراح بعض أفراد أسرتها الحاكمة فى العراق، ومسلحين شيعة فى سوريا.

يذكّرنا التاريخ بأن تجاهل قيام إحدى الدول بدعم الأنشطة الإرهابية وتمويلها يعود بتداعيات وخيمة على السلم الدولى، وأن سياسات العزل والحصار والاحتواء المدروسة تنجح فى لجم هذا النزوع الإرهابى وتحجيمه. لذلك، فقد توافقت الإمارات والسعودية والبحرين ومصر وعدد آخر من الدول العربية والإسلامية على عزل قطر فى محاولة لإجبارها على تغيير سياساتها الداعمة للإرهاب.

لقد سخرت قطر آلتها الإعلامية النافذة «الجزيرة» لتأجيج نزعات العنف والتمرد وإيصال رسائل الإرهابيين على مدى عقدين، وهى سياسة أسهمت فى زعزعة أمن العديد من الدول.

لطالما لعب الإعلام دوراً كبيراً فى تأجيج نزعات العنف والكراهية، وقد التفت الزعماء الفاشيون والعقائديون إلى أهميته مبكراً؛ إذ يقول هتلر فى كتابه «كفاحى»: «إن دور حاجز النار الذى تنفذه المدفعية، ستقوم به فى المستقبل الدعاية، التى ستعمل على التحطيم المعنوى للخصم قبل أن تبدأ الجيوش عملها». لم يكن للأعمال الإرهابية التى تضرب مناطق مختلفة فى العالم أن تنجح فى تهديد السلم العالمى دون دعم صريح وواضح من شبكة «الجزيرة» الفضائية، التى عملت منذ انطلاقها على مناصرة العنف، وإشاعة الكراهية، وتأجيج نزعات التمرد، من خلال جهود إعلامية منسقة، توافرت لها موارد ضخمة، وإمكانيات تقنية مبهرة.

يقول الكاتب الأمريكى فيليب سيب إن «الأساليب التقليدية لصنع السياسة الدولية قد تم تجاوزها بفعل تأثير الإعلام الجديد والبث الفضائى وأدوات أخرى عالية التقنية»، معتبراً أن «(الجزيرة) رمز لهذا العالم الجديد المتمركز حول الإعلام».

إذا كان العالم يعيش راهناً تحت وقع الضربات الإرهابية فى أكثر من بقعة ساخنة، فإن الإعلام لعب دوراً مؤثراً فى ذلك، و«الجزيرة» تأتى على رأس قائمة وسائل الإعلام التى تؤجج نزعات العنف والكراهية، ليس فى منطقة الشرق الأوسط وحدها، ولكن فى بقاع أخرى بعيدة أيضاً. حين طورت قطر ذراعها الإعلامية النافذة «الجزيرة» فى منتصف تسعينات القرن الماضى، ظن البعض أنها سترفد الإعلام العربى والدولى بتجربة مهنية مثيرة، لكن سرعان ما ظهر أن تلك الشبكة التى تنفق بلا سقف، وتعمل بطموح لا حدود له، تتحول إلى منصة لبث رسائل الإرهابيين، وترويج ذرائعهم.

كانت اللقاءات مع قادة المنظمات الإرهابية تجد احتفاء كبيراً فى برامج الشبكة، التى خصصت ساعات بث طويلة لإذاعة مشاهد العنف، وإثارة المشاعر، وتقصّى أسانيد الإرهابيين، وتمجيد أعمالهم.

لم يقتصر عمل «الجزيرة» على شاشة واحدة تبث منها تلك السموم، لكنها تطورت إلى حد التعملق، حين واصلت إطلاق القنوات، والمواقع الإلكترونية، والحسابات على مواقع التواصل الاجتماعى.

أخضع الكثير من الباحثين المحتوى الذى تبثه «الجزيرة» للبحث والتحليل، وقد ظهر توافق كبير على أن تلك الوسيلة تمارس انحيازاً منهجياً فى اختيارات القصص، وتأطيرها، وعرضها، بشكل يخدم أنشطة العنف والإرهاب.

وعبر جهود منسقة، ثبت لاحقاً أنها تخضع لإدارة مركزية، يتم ترويج تلك المواد الإثارية والتحريضية من خلال الوسائل المساعدة، التى تستخدم المحتوى نفسه، وتبذل جهوداً تقنية كبيرة فى إعادة إنتاجه من خلال المنصات المختلفة.

لقد بات واضحاً لدى الكثيرين أن قطر تمول وتساند جماعات إرهابية فى أكثر من بلد، وتوفر موارد ضخمة ودعماً سياسياً لأكثر من فصيل إجرامى، وهو أمر لم يكن لينجح ويتواصل دون داعم إعلامى قوى ومؤثر أصبحنا نعرف أن اسمه «الجزيرة».

لا يمكن أن تكون مواجهة الإرهاب عملية ناجحة دون غل يد منابره الإعلامية، ولا يمكن تحجيم السلوك التخريبى القطرى بلا أثمان مكلفة.

لا تهدف تلك الدول التى توافقت على عزل قطر إلى فرض الوصاية عليها أو انتهاك سيادتها، كما تدعى تلك الأخيرة، لكنها تهدف فقط إلى احتواء الخطر الإرهابى، الذى باتت الدوحة عنواناً له وسنداً وممولاً رئيسياً لأنشطته وذرائعه.

ثمة من ينتقد سياسة العزل باعتبارها «مكلفة» أو «غير أخلاقية»، أو لأنها «تفتّت البيت العربى»، والواقع أن تلك ذرائع واهية، لأن قطر لم تترك لأحد خياراً، واستمرارها فى سياساتها معناه مخاطر لا حدود لها.