قصص مخابراتية| "التجسس بين الأصدقاء".. إسرائيل تتخابر على أمريكا

كتب: محمد متولي

قصص مخابراتية| "التجسس بين الأصدقاء".. إسرائيل تتخابر على أمريكا

قصص مخابراتية| "التجسس بين الأصدقاء".. إسرائيل تتخابر على أمريكا

"التجسس بين الأصدقاء" عرف مخابراتي منذ قديم الأزل، لم تتوقف العمليات المخابراتية يوما كما يقول الكاتب المخابراتي صالح مرسي في كتابه "السير فوق خيوط العنكبوت"، لأن التجسس بين الأصدقاء أحد الأنشطة المعترف بها بين الجميع، وقد تأخذ شكلا من أشكال الأزمات بين الدول الصديقه وذلك إذا ما كان الأمر يستحق إثارة أزمة بين البلدين، فعلى سبيل المثال فإنه من غير المعقول أن تنتهي قضية "جوناثان جي بولارد" عند حد القبض عليه كما أنه لا يمكن منطقيا أن تصمت الحكومة الأمريكية على ما حدث حتى ولو كان الأمر "ذرا للرماد في العيون".

ويضيف مرسي أنه كان هناك عميل للموساد لسنوات وهو السيد "فيكتور استروفسكي" وتعرض فيه لعمليات التجسس التي تقوم بها الموساد في الولايات المتحدة الأمريكية، وكانت قضية بولارد هي أولى القضايا التي تناولها في هذا الفصل، حيث يقول استروفسكي إن "بولارد" كان يعمل في إدارة أخرى من إدارات المخابرات الأمريكية في "سوثيلاند" ولم يكن عمله في هذه الإدارة مرضيا له حتى حامت حوله الشكوك عندما سرب بعض المعلومات السرية للملحق العسكري في سفارة جنوب إفريقيا، ما دفع ضابط الأمن في هذه الإدارة إلى تحذيره.

لم يهتم "بولارد" بتوجيه التحذير إليه حتى صدر أمر بنقله من تلك الإدارة ذات الأهمية المحدودة إلى "أتاك" وهو ما كان مبعثا لدهشة الجميع، حيث إن الإدارة التي تم نقله إليها كانت تتيح له الاطلاع على قدر أكبر بكثير من المعلومات البالغة الأهمية، حيث لم يعرف "استروفسكي" سبب ذلك ولم يقدم إجابة، ولكنه وبعدما أعمل مرسي فكره في ما أمامه من الظواهر فمن الممكن أن يصل إلى تفسير أقرب ما يكون إلى الحقيقة.

ففي بداية الأمر أرجع "مرسى" الأمر إلى أن "بولارد" قد جنَّدته المخابرات الإسرائيلية في بداية عام 1984 كما زعم السيد "بليتشر"، ما يعني أنه لم يكن مبتدئا عندما تجسس لحساب الموساد، حيث إنه قبل ذلك تجسس لحساب جنوب إفريقيا وليس لحساب إسرائيل، وإذا كان "بولارد" اليهودي يعتبر إسرائيل الأهم بالنسبة له وأعطاها كل ولائه فكيف يتجسس لحساب دولة أخرى.

لم يكن الأمر واضحا إذا ما لم ننتبه إلى تلك العلاقة القوية التي نشأت بين إسرائيل وحكومة جنوب إفريقيا العنصرية إبان حقبة الستينيات، حيث إنه لم يعد سرا الآن أن تعاونا علميا وعمليا تم بين الدولتين، خاصة في مجال الأبحاث النووية، وفي حالة ما إذا كانت إسرائيل تمتلك عددا لا بأس به من الرؤوس النووية، فكان هذا يستلزم تجارب تجريها على قنابلها وتجارب من المستحيل أن تتم في إسرائيل وهو ليس استنتاجا أن نقول إن هذه التجارب كانت تتم في الصحرء الإفريقية، إذن فإن أصابع إسرائيل كانت مع "بولارد" من البداية.

وكان طبيعيا أن تطالب الحكومة الأمريكية بتفسير لما يحدث من حكومة إسرائيل التي كان يرأسها في ذلك الوقت "شيمون بيريز" وزيرا لخارجية إسرائيل، وأجرى المستر "جورج شولتز" وزير خارجية الولايات المتحدة -وقتها- اتصالا تليفونيا مع رئيس الوزراء الإسرائيلي والذي بادر بالاعتذار علنا عما حدث ففي تصريح لشيمون بيريز وقال في نصه: "إن التجسس على الولايات المتحدة يتعارض تعارضا كاملا مع سياسة إسرائيل.. وهذا الذي حدث والمستوى الذي بلغه كان خطأ فادحا وبناء عليه فإن حكومة إسرائيل تقدم اعتذارها لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، وإن المسؤولين عن هذا الخطأ سوف يحاسبون حسابا عسيرا أما الوحدة التي قامت بالعملية فلسوف يتم حلها بالكامل ونهائيا".

يوضح مرسى أن الإدارة التي جندت "بولارد" ليست سوى إدارة صغيرة يتراوح عدد العاملين فيها من 20 إلى 30 شخصا فقط، وكان يطلق عليها اسم "لاكام" وانشئت بغرض التجسس داخل الولايات المتحدة الأمريكية فقط، ويؤكد أن نشاط هذه الإدارة تبلغ سريته درجة تجعل من المستحيل على أي فرد خارجها معرفة ما يدور داخلها، وكان هذا ما حدث على المستوى الدبلوماسي بين وزير خارجية الولايات المتحدة ورئيس وزراء إسرائيل.

ومن جهة أخرى، كان مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية "ريتشارد هيلمز" قد أجاب عندما سأله الصحفيون حول تلك العملية قال "لم يكن أمرا غير طبيعي أن تتجسس الدول الصديقة على بعضها البعض فأنت تصنع ما تستطيع فعله، أما إذا ما قبض عليك فهذه هي الخطيئة الكبرى"، مؤكدا: "لقد قبلنا تفسير إسرائيل كما قبلنا اعتذارها"، وهكذا انتهى الأمر وحلت الأزمة بين الدولتين.


مواضيع متعلقة