الراجل راجل والست ست

نهى الشاذلي

نهى الشاذلي

كاتب صحفي

ياللعجب! تصيبني دهشة قريبة من دهشة الناس إذا وجدوا الشمس تشرق من الغرب، أو إذا رأوا نملة ترفع أثقالًا، عندما يقاطعني أحد الرجال في الحديث ويخبرني بجديّة " الراجل راجل، والست ست" إذ أنني لا بد وأن أكون على علم بهذه المعلومة قبل أن يخبرني بها! وأتساءَل حائرة، ما الذي قُلته أوحى له أنني أشكّ أن الرجال نساء، وأن النساء رجال! وماذا إذا قلت له " الماء ماء، والطعام طعام"؟ هل سيستقبل هذه المعلومة بسعة صدر؟ أم أنه سيستنكر عليّ توضيحي لما هو واضح؟

دعونا نُقرّ أن كثير من الرجال، لسبب ما مجهول بالنسبة لي، يؤمنون جدًّا أن الحرمانيات تُطَبّق على النساء دون الرجال، أو أن عقاب النساء سيكون أشد إذا ارتكبوا إثمًا، وسيكون هيّنًا إذا ارتكبوه هم. فمثلًا تجد أحد الذكور يسبّ ويلعن في معظم ساعات يومه بشكل اعتيادي، ثم تجد هذا الذكر يستنكر بشدّة على فتاة لفظًا خادشًا تلفّظت به. فأسأله بعجب: يا فلان، لماذا استنكرت عليها فعلتها وقد فعلت مثلها عشرات المرات هذا الصباح؟ فيندهش بدوره إذ سألتُ سؤالًا إجابته معروفة لجميع البشر إلّاي! ويقول لائمًا متعجّبًا من فرط غبائي: هي بنت! أنا رجل!

حسنًا، هي بنت؟ هو رجل؟ ومرّة أخرى أتساءَل: لماذا افترض أنني لا أعرف هذه المعلومة الجبّارة؟ ولماذا اعتقد أنني أشك أنه هو البنت، وهي الرجل؟! لا أعلم..

أنا أعلم فقط، أن السبّ لا يصحّ أن يتفوّه به "الإنسان" الراقي بغض النظر عن جنسه، وقانون الذكور الموضوع في عقولهم منذ قديم الأزل لا يقر هذه المعلومة، بل يقرّ بأن الرجل الذي يسب والرقيّ صفتان لا يتنافران، أما المرأة التي تسب، فهي بالطبع عديمة الأخلاق وذات روح متدنية. لماذا؟ لأنها امرأة، وهو رجل.

ومن ضمن اندهاشاتي اليومية من طريقة تفكير الرجال، أجد أحدهم يقول بكل ثقة، وكأنه سيقول أمرًا لا يمكن لأحد أن يشكك في صحّته إلا لو كان مُختلًا، أجده يقول " الجميلات غبيّات، والقبيحات ذكيّات" فأكاد أُصعَق من فرط الدهشة وأتمنى لو شرّحنا عقله في معمل تجارب ذو تجهيزات تقنية عالية لنكتشف الثغرة الكامنة في عقله والتي تحشرجت فيها معلومة كهذه!

لقد عمم الرجل، بقدرة عقلية خارقة للطبيعة، أن الجميلات غبيّات، والقبيحات ذكيّات. فأذهب وأسأله بجملة الأسئلة الوجودية: يا فلان، ما سبب اعتقادك هذا؟ فيقول متفلسفًا والنشوة أخذت من قلبه مُتّسعًا، إذ أنه سيشرح لي "تكنيك" العقل البشري في التفكير، ويقول:

الجميلات يعتمدن على جمالهن؛ لذلك سيفكّرن في مستحضرات التجميل، وطرق الحفاظ على نعومة البشرة، وتسريحات جديدة للشعر، وسيضمنن أن كل الأبواب ستُفتح لهن بلا عناء. فالجميلة يستقبلها الجميع بصدر رحب، ويفعلون لها ما تشاء. أما القبيحة فسوف تعتمد على عقلها؛ لذلك ستجتهد في الدراسة أكثر، وفي العمل؛ لأن لا أحد سوف يساعدها.

فأتساءل بيني وبين نفسي، هل سيُنجّح المُدرّس الجميلة ولو تركت الورقة فارغة؟ وهل ستتخرج من الجامعة، وإذا فشلت في إتمام المشروع؟ وهل سيعطيها زملائها مجهودهم لتنجح به لأنها جميلة؟ وهل ستُقبَل في وظيفة محترمة وتكلّفهم راتبًا شهريًّا، وإذا كانت لن تقوم بمهام الوظيفة؟ لمجرد أن الموظفون سعداء بشكلها الجميل؟! وهل ستربّي أولادها بشكلها؟ هل سيطيع الطفل أمه أو يعوقها بناء على درجة جمالها؟ وهل ستعامل الناس بوجهها؟ يمكنني أن أسأل ألف سؤال من هذا النوع، وعجبًا! يامعشر الجميلات، اطلبن ما تشئن، فالعالم منتظر أوامر معاليكن.