سفينة نوح

أمانى هولة

أمانى هولة

كاتب صحفي

(هنالك أيام فارقة فى حياة الشعوب أيام تصنع التاريخ.. ترى هل نمر ببعض منها أم تراها لحظات احتضار أخرى لشعب يموت..)

تلك كانت أولى كلمات مقالى فى يناير 2011.. ومرت السنون فى لعبة تبادل المقاعد والاتهامات بين أصدقاء الأمس وأعدائه.. وبلاتردد من إعادة النظر ومراجعة النفس.. ومقاومة السقوط فى مستنقع الكبر (والمقاوحة) أو على النقيض الانزلاق مع تدافع القطيع.. ما زلت أحاول أن أكون شجاعة لدرجة التوقف عن الحسابات التافهة لاعتبارات البشر.. ولكن الانحياز للحقيقة المجردة من المصلحة أو الهوى.. أتذكر أحلاماً ترجمتها يومها إلى كلمات ملأت بها الدنيا صياحاً فى خضم الحدث تقودها جياد الحماسة وعربتها.. لأقف عند كل منعطف جديد يطل علينا منه أحد أوجه الحقيقة قبيح غالباً.. متجمل فى بعضها.. برىء فى قليل منها.. من زاوية رؤية تتسع بمساحات انقشاع الغيوم.. يبقى ذات السؤال ملحاً.. هى ثورة ولا مؤامرة؟.. فهل لك يا صديقى أن تبحر معى عبر طيات كلمات، كان وما زال التاريخ وصاحبة الجلالة شهوداً عليها حين نشرت فى حينها.. وظلت مشروع كتاب عصى على الظهور للنور.. بحثاً عن تلك الغائبة الحاضرة.. إنها الحقيقة.

سفينة نوح

كل هذا الصخب الذى يحيط بى ذكرنى -لا أعرف لماذا- بما حدث فى سفينة نوح منذ آلاف السنين عندما تآلفت كل الكائنات بمعجزة إلهية.. ضد غريزتهم الفطرية.. ففقد الأسد شهيته للغزال.. وتوقف الثعلب عن مكره مع الدجاج.. ولم يحاول الثعبان الالتفاف على أحد تلك الأرانب الضعيفة.

نعم لقد كنا فى سفينة نوح.

أستطيع أن أجزم أن ذلك الرجل الذى يضيفنى بكوب شاى لم يكن ليتردد فى خطف شنطة يدى فى الأيام الخوالى، وذلك الذى ينبهنى حتى لا أصطدم بالمقبلين من خلفى ربما كان من المتحرشين فى مناطق الزحام، وهذا الصبى الذى يلهث جرياً خلف ذلك الرجل الوقور ليرد له هاتفه المحمول الثمين الذى نسيه لسبب ما لم يكن ليتردد فى الاحتفاظ به فى ظروف أخرى، حتى ذلك الشاب الأرستقراطى الذى يتناول التمر بشهية من يد ذلك الشيخ البسيط ذى الأيدى الخشنة لم يكن ليضعها على فمه لو كنا فى مكان آخر غير حرم ميدان التحرير، أما مآدب الطعام فهى متاحة للجميع بلا تكليف بمجرد وقوفك بالجوار ستجد فى يدك ما يشبع جوعك بما جاد به الله، وستشعر بطعم الحب والمودة يثيران شهيتك لتمتد الأيادى فى ذات الطبق تسابقها الضحكات أحاديث لا تنتهى إلى الأفواه

ابتسمت لذلك المسن الوقور يلتقط أنفاسه بجوارى بعد أن أنهكتنا الهتافات والنقاشات.. يمد يداً متعبة يتكئ على ذراعى بعفوية فقد تعدينا مرحلة (بعد إذنك ولو سمحت)، ومن الطبيعى جداً إذا التقت ثلاثة رؤوس فى حوار فإنهم بالتفاتة بسيطة بعد دقيقة أو اثنتين على الأكثر سيجدون حولهم بضع عشرات من الرؤوس المتلهفة وقد تجمعت فى اللاوقت يتطلعون وينصتون باهتمام.. حتى يدركوا أنه حديث خاص فينسحبوا بهدوء بحثاً عن مجلس آخر يستمعون فيه لشىء مفيد يتعلمونه أو يشاركون برأى أو يحاولون فيه وضع لمحة من حلم أصبح قيد التحقيق.. ومن غير المستغرب أن يبادرك أحد المارة بسؤالك كما أهل بيتك أو أصدقائك المقربين

- إيه الأخبار.. أو.. سمعت اللى حصل؟

ويبدأ فى سرد تفاصيل ما يحدث هنا أو هناك.. ويسألك ماذا نفعل.. أو يقترح عليك فكرة للنقاش.

ابتسمت وأنا أتأمل اللهفة فى العيون لمساعدة مصاب أو تقديم العون لكبير لم تمنعه سنينه الكثيرة من المشاركة، أشعر بنسائم المدينة الفاضلة تجتاحنا تملؤنا طمأنينة وسلاماً، فهنا ستجد من يحملك على كتفه لتصيح هاتفاً بما فى قلبك.. هنا ستجد من يحملك بذراعيه ويجرى بك بلهفة لينقذ حياتك.. هنا ستجد من يحضنك فى صدره يلقنك الشهادة ويسجى عينيك ويبكيك ويعدك برد الحق واكتمال الحلم لو حان القدر.. إنه مس من جنون جميل..حلم الطيبين.. عصا الساحرة وقد حولت سندريللا وكل ما حولها إلى شىء ليس له مثيل.. وللحديث بقية.