مجاعة المحبة
- أحمد رامى
- أستاذ الطب النفسى
- أم كلثوم
- أمير الشعراء أحمد شوقى
- إشارات المخ
- إلقاء خطاب
- الأخوين رحبانى
- البابا فرنسيس
- آثار
- أبناء
- أحمد رامى
- أستاذ الطب النفسى
- أم كلثوم
- أمير الشعراء أحمد شوقى
- إشارات المخ
- إلقاء خطاب
- الأخوين رحبانى
- البابا فرنسيس
- آثار
- أبناء
إذا أصبح لديك صندوق مغلق تحتفظ به بعيداً عن العيون، وصنعت له مفتاحاً من معدن نفيس وأخفيته بين أضلعك بالقرب من قلبك، فاعلم أنك تحب، وهنا أنا أحدثكم عن جميع أنواع الحب، فهذا الشعور الراقى لا يقتصر على العلاقة بين رجل وامرأة فقط، بل هو أسمى وأعمق وأكثر تنوعاً مما نتخيل ومما تغنى به الشعراء والمطربون.
وفى بداية الحديث عن الحب ومجاعة المحبة التى نعيشها جميعاً فى القرن الـ٢١، لا بد أن نذكر أجمل وأشهر أغنية سمعناها فى العالم العربى بصوت اللبنانية المصرية سعاد محمد، التى لحنها لها الموسيقار محمود الشريف (مين السبب فى الحب القلب والّا العين، فيه ناس تقول العين وناس تقول القلب) ويقول الرأى العلمى على لسان الطبيب محمد غانم أستاذ الطب النفسى بجامعة عين شمس إن مطلع هذه الأغنية بعيد تماماً عن الصحة، لأن الشخص الكفيف فاقد البصر يحب ويعشق، فنحن نحب بكياننا وليس بالنظر فقط.
والحب لا يبدأ بنظرة كما قيل، بل إن النظرة التى يتحدثون عنها تعطى إشارة للمخ بالإعجاب، ليبدأ برسم خريطة تتشكل مع مرور الوقت داخله عن طريق مختلف المواقف التى يتعرض لها الإنسان وتجاوبه معها وردود أفعاله، وهنا يبدأ جهازه العصبى فى إعطاء الإشارات المختلفة للتعبير عن هذه المشاعر، فيشعر المحب بأن قلبه ينبض بشدة، أو أن الدماء تتدفق فى وجهه أو يتصبب عرقاً أو يتلعثم فى نطق الكلمات، وفى التعبير عما يجيش به صدره. كل هذا وأكثر يكون بسبب هرمون يفرزه المخ يسمى (هرمون الدوبامين) ويطلقون عليه مجازاً اسم هرمون السعادة، الذى بسببه تنتابنا كل علامات الحب..
ويعرف علماء النفس الحب بأنه هو الميل الوجدانى للمحبوب الذى يترتب عليه الارتباط به والحنين إليه، والرغبة فى الاقتراب منه وكلمة المحبوب هنا تعنى أشياء كثيرة، من بينها الأشخاص والأماكن والمجردات والمقدسات، فالحرية حب، والوطن حب، والمسجد أو الكنيسة أو المعبد حب، والعلم والعمل حب، وهناك أيضاً حب الأم أو الأب أو الأبناء والأصدقاء، فهذه الكلمة الساحرة أقل ما توصف به أنها كلمة جامعة شاملة لأشياء كثيرة جداً، وإذا كنا نحب بكياننا، فلا بد أن نعرف أن هذا الأمر يختلف من شخص لآخر حسب طبيعته التى خلق عليها، حيث يتغلب عادة جزء من هذا الكيان على الآخر، فهناك من يحب بعينه، وآخر بأذنه، وثالث بعقله ورابع بمعدته، وخامس بأنفه الذى يتنفس رائحة الحبيب، ولعل المثل الشعبى القديم الذى يقول (الوصول لقلب الرجل يمر بمعدته) يفسر لنا كلمات الأطباء العلمية ويقربها لنا بالفلكلور المصرى الجميل، فكل منا له طريق مختلف عن الآخر.
ونأتى إلى بيت القصيد اليوم إلى تلك الكلمة التى نطق بها البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان، أثناء إلقاء خطابه أمام جموع المصريين، حيث قال: (على مصر أن تنقذ المنطقة من مجاعة المحبة)، فأى بلاغة يتضمنها هذا التعبير، فهو ترجمة دقيقة لما نعيشه الآن، فالشاب القادر على اتخاذ قرار بتفجير كنيسة أو مسجد أو قتل ضابط أو قاض أو صحفى أو مغادرة الوطن بلا رجعة ليحاربه من بعيد دون تردد أو التشكيك فى كل ما هو حقيقى وواقعى يعانى دون شك من هذه المجاعة، ومثله فى ذلك هؤلاء الذين يمولون ويخططون لإغراق الوطن فى الدمار والحرائق والدموع.
هؤلاء لم يعرفوا ما حب الوطن، ولم يفهموا كلمات الشاعر عبدالفتاح مصطفى التى لحنها العملاق رياض السنباطى لأم كلثوم، وشدت بها عام ١٩٦٤ (طوف وشوف) التى قال فيها عن مصر (طوف بجنة ربنا ببلادنا واتفرج وشوف، اتفرج وشوف آثار أجيال ملوا الدنيا حضارة وابتكار) ولا كلمات أحمد رامى التى لحنها لها أيضاً رياض السنباطى وهزت القلوب بها (مصر التى فى خاطرى وفى دمى) ولا رائعتها التى تحدت العالم فيها بأمجاد مصر عندما قالت (وقف الخلق ينظرون جميعاً كيف أبنى قواعد المجد وحدى، وبناة الأهرام فى سالف الدهر كفونى الكلام عند التحدى)، ولا استمعوا لعفاف راضى وهى تغنى كلمات الشاعر عبدالوهاب محمد، ولحن كمال الطويل (مصر هى أمى، ونيلها هو دمى)، وكذلك لم يستمعوا لفيروز وهى تغنى من كلمات وألحان الأخوين رحبانى: (مصر عادت شمسك الذهب تحمل الأرض وتغترب)وإبراهيم العريض فى قصيدته (وطنى أحبك لا بديل أتريد من قولى دليل سيظل حبك فى دمى لا لن أحيد ولن أميل) ولا أمير الشعراء أحمد شوقى (سافرت يوماً وظل القلب فى بلدى.. حاولت أنساه ولكن خاننا جلدى.. أهواك عمراً جميلاً لا تفارقنى وقصة من هوى تحيا إلى الأبد).
والآن علينا أن نبدأ كل من موقعه ومنزله وأسرته وأصدقائه فى محاولة القضاء على مجاعة المحبة، لأن هذا هو الطريق الوحيد لمقاومة الإرهاب الذى فعل بِنَا ما فعل. لا بد أن نعلم أطفالنا الحب ومعنى الوطن وحضن الأم ولمس الأرض والونس بالجيران ومشاركة الآخرين أفراحهم وأحزانهم وكيف يمكن أن يبكى الإنسان لألم غيره. يجب أن نعلمهم معنى الحفاظ على تاريخ لا يملكه أحد غيرنا، وكيف نعمل من أجل استعادة ما فاتنا. ولا بد أن يعاد النظر فى مناهجنا الدراسية من المراحل الأولى حتى التعليم الجامعى، ليس هذا فحسب، بل لا بد أن نعيد النظر فيمن يعملون كمدرسين دون شهادات تربوية تؤهلهم لتحمل الأمانة. أمانة تعليم الأجيال حب الوطن، فدون هذه اللقطات البسيطة، لن تستطيع أجهزتنا المعنية أن تقاوم وتنجح فى إخراج المنطقة من مجاعة المحبة، وهى المهمة التى أوكلها لنا البابا فرنسيس، الذى يعرف دون شك أن مصر وحدها هى القادرة على تنفيذها، فهيا نبدأ الآن.