انتبهوا.. المخاطر الاجتماعية لغلاء الأسعار

الموجات المتتالية العاتية لغلاء أسعار كل السلع والخدمات أصبحت تؤرق كل المصريين، كبيرهم وشبابهم وأطفالهم وغنيهم وفقيرهم.. ولأنها موجات عشوائية وغير مفهومة أو متوقعة المصير فقد أصبحت صداعاً للرؤساء والمرؤوسين والجهلة والمتعلمين وزاداً يومياً للحديث فى الشوارع والحوارى والحقول والورش وعلى كل شاشات التلفاز، وأصبحنا جميعاً أمام مشاكل يومية تبدأ بالبحث عن وجبة غذائية للإفطار والغداء مع ارتفاع جنونى فى أسعار الفول والطعمية والجبنة والبيض واللبن والخبز واللحم والدجاج والسمك والعدس والأرز والمعكرونة والفواكه وكل السلع.. كما جاء ارتفاع تكلفة المواصلات وسخافات السائقين وارتفاع أسعار قطع الغيار وأجور الصنايعية وزيادة تكلفة التعليم فى كل مراحله لتمثل ضغطاً إضافياً على أعصاب رب الأسرة وأفرادها جميعاً.. وسنحاول هنا أن نرصد بعضاً من المخاطر الاجتماعية التى تحولت إلى ظواهر مزعجة فى أسابيع معدودة ومنها:

1- ارتفاع معدلات التشاحن الأسرى بين الرجل وزوجته أو بين الأبناء والأب والأم.. وهى ظاهرة عبرت عن نفسها فى ارتفاع الصوت والصراخ والغضب الهستيرى على أسباب مادية نتيجة طلبات إنسانية أساسية يومية فى مواجهة «مفيش فلوس».. وقد انتشرت الظاهرة بسرعة فى كل الأحياء الشعبية والمتوسطة والراقية، وتزامن معها شكاوى الطلاق، التى تجاوزت أعدادها طبقاً لمركز التعبئة والإحصاء 240 حالة طلاق يومياً، أى بمعدل حالة طلاق كل 6 دقائق.

2- تزايد حالات الامتناع الجماعى عن شراء سلعة معينة نتيجة ارتفاع سعرها.. وقد حدث ذلك فى شكل مقاطعة المواطنين للحوم ثم الدواجن ثم الأسماك ومعظم الخضراوات الزراعية الطازجة.. والغريب هنا أن تجار التجزئة وغرف التجارة ومعظم المستوردين شاركوا فى أعمال المقاطعة!! مع غياب بدائل أو جدول زمنى أو مفاوضات من أى من الطرفين (المقاطعين والمسئولين) لحل المشكلة، ويهمل كل الأطراف الحالة التى تتحول ببطء إلى إغلاق محلات وشركات صغيرة ومراوحة بين المقاطعة ووقفها نتيجة الحاجة للسلعة مع غضب متصاعد وعشوائية فى الفعل ورد الفعل.

3- تقليص النفقات اليومية للفرد بتقليل حجم وعدد الوجبات الغذائية اليومية أو التنقل بين أكثر من مكان أو شراء السلع الترفيهية كالمشروبات والتسالى مع تأجيل شراء الملابس أو الإصلاحات للبيت وأثاثه أو السيارة وغيرها، فضلاً عن تقليص المبالغ المخصصة للهدايا والمجاملات والترفيه لتمويل الزيادات الضخمة فى أسعار السلع والخدمات اليومية.

4- التوقف عن شراء بعض الأدوية الغالية أو تقليل جرعات العلاج أو الصبر على الألم والمرض وعدم الذهاب للطبيب أو المستشفى أو تسول شراء الدواء من المارة أو المعارف.. أما المشاحنات بين المرضى وإدارات المستشفيات على فواتير العلاج فقد تفاقمت معدلاتها بطريقة لافتة وأصبح المضطر لإجراء عملية جراحية كمن تتخطفه السباع الضالة.

إن الانفلات الضخم الذى حدث للسوق المصرية فى زيادة الأسعار أصبح يمثل خطراً على الواقع الاجتماعى على مستوى الفرد والأسرة والكيانات الاقتصادية الصغيرة والكبيرة، والمدى الزمنى الذى يمكن أن تنتهى فيه هذه الحالة غير محدد، والمسئولية غير واضحة والحكومة غائبة، ويبدو ذلك فى تناول وسائل الإعلام كلها للظاهرة فلا طرح لأساليب مواجهة أو علاج اجتماعى يشارك فيه الجميع.. ومعظم وسائل الإعلام تشعل الصراع والغضب لدى المواطن المقهور بعجزه والجائع لطعام والمتألم لمرض لا يقوى على دفع ثمن دوائه والفاشل فى تلبية طلبات أسرته وأبنائه، ولا يخفى على أحد أن الحالة الإنسانية الناتجة عن العجز عن توفير المتطلبات الأساسية للإنسان تؤدى إلى سلوكيات شاذة يصعب أن يحد منها الصبر أو التربية أو التدين أو السلطة المعنوية أو القانون، ولو زاد الضغط والتجويع أو الحرمان الكامل وغير المبرر من تلبية الحقوق الإنسانية الأساسية فربما يندفع الفرد إلى حالة من الجنون التى يدمر بها ذاته وينتقم بها من المجتمع دون تفرقة بين المتسبب والبرىء مما يحدث له.. كما أن العلاقة السببية الطردية بين الفواحش والغلاء فى أى مجتمع تؤكد أنه إذا زاد أحدهما زاد بسرعة الآخر، ومن ثم فلا عجب أن نرى هذه الجرائم البشعة المرتبطة بالجنس والتحرش والدعارة والسرقات والتشكيلات الإجرامية.. احذروا غضب السماء.. والله غالب.