وزارة الداخلية ومواجهة الفكر المتطرف

أحمد الخطيب

أحمد الخطيب

كاتب صحفي

ظنى أن المواجهة «الفكرية» للجماعات الإسلامية فى مصر التى تأخرت كثيراً بدأت تلوح فى الأفق «كرهاً» بعد أن كانت أمامنا «طوعاً».. ذلك أن التعامل مع ظاهرة «التطرف» الذى تدفع كلفته مصر غالياً، لم يكن على مستوى الثمن الباهظ المدفوع من زهق الأرواح، وإسالة الدماء، وتشويه ثقافة البلاد التى كان تسامحها الدينى وسلامها الاجتماعى عنواناً بارزاً ومتفرداً لها فى المنطقة وربما العالم فيما مضى.. التعامل مع هذه الظاهرة «مصرية المولد» ليس على مستوى «الجريمة الكبرى» التى خلفها تيار الإسلام السياسى وجماعاته القاتلة بحق المجتمع المصرى والدين الإسلامى نفسه كان يستأهل مواجهة حقيقية تضاهى حجم الجريمة! بالأمس دعتنى وزارة الداخلية لندوة داخل مركز بحوث أكاديمية الشرطة بعنوان «مواجهة الفكر المتطرف» عرفت من خلالها أن وزارة الداخلية تسير فى خط المواجهة الأمنية الباسلة فى مواجهة عنف وإرهاب الجماعات الإسلامية بقيادة تنظيم الإخوان منذ عزل الرئيس محمد مرسى، تسير على خط آخر لا يقل أهمية عن مواجهة حمل السلاح وهى المواجهة الفكرية.. الندوة نظمها قطاع الإعلام والعلاقات العامة بوزارة الداخلية من خلال مركز بحوث الشرطة، تم الإعداد لها جيداً بدعوة عدد من المفكرين البارزين فى مجال مكافحة التطرف بكل أنواعه.

تفرد الندوة التى ناقشت أفكاراً جادة جداً من الناحية الفكرية فى مواجهة الفكر المتطرف تجسد فى اضطلاع وزارة الداخلية بدورها الفكرى فى «المواجهة» من خلال تنظيم هذه الندوات والمؤتمرات بالاستعانة بعدد من الباحثين والمفكرين الجادين فى هذه المعركة الفاصلة.. معركة الإرهاب التى توجب على الدولة والحكومة أن تجد فى مواجهتها، لأننى من المؤمنين بأن تفشى الإرهاب وتغلغل الجماعات الدينية فى المجتمع المصرى سببه الرئيسى هو تقاعس الإدارات المتعاقبة على إدارة الدولة المصرية، وكان على رأس هذا التقاعس هو الدخول فى مواءمات سياسية مع هذه الجماعات الإسلامية انتهى مؤخراً بتسليم هذه الجماعات سلطة الحكم!

أتمنى على جميع مؤسسات الدولة أن تنتفض عن حق فى مواجهة الفكر المتطرف، ولا تترك المؤسسات الأمنية فقط فى قلب المواجهة لأن الإرهابى قبل أن يقرر حمل القنبلة والسلاح يحمل الأفكار، ومواجهة الأفكار مسئولية جميع المؤسسات وليس وزارة الداخلية أو القوات المسلحة فقط.

منذ سنوات طويلة والمؤسسات الأمنية تشتكى من حمل مسئولية المواجهة بمفردها دون باقى المؤسسات مثل التربية والتعليم والثقافة والأزهر والإفتاء والصحة وهو قول حق، إلا أنه يفتقد قليلاً من الدقة، لأن المؤسسات الأمنية فعلاً واجهت بمفردها، وتقاعست باقى المؤسسات وجلست على مقاعد الجمهور، إلا أنه من الواجب التذكير بأن المؤسسات الأمنية كانت فيما سبق تريد الإشراف الكامل على هذه المواجهة دون أن تترك المجتمع يواجه بالطرق التى يراها فاعلة، كما أن المؤسسات الأمنية لم تقف موقفاً جاداً أمام قرارات الأنظمة السياسية السابقة بالدخول فى مواءمات سياسية واجتماعية ومالية مع جماعات الإرهاب، التى كانت المؤسسات الأمنية أول من يدفع ثمن هذه المواءمات القاتلة.

قرار مركز بحوث الشرطة بوزارة الداخلية بالبدء فى مثل هذه الندوات جيد لكن الأكثر إجادة هو استمرارها وتفعيلها وتحقيق توصياتها على أرض الواقع، لا أن تدخل دولاب الحكومة الملىء بالأفكار الفضفاضة غير الموجودة على أرض الواقع، كما لا يكون هناك إلزام لباقى مؤسسات الدولة لتنفيذ هذه التوصيات حتى لا نكرر أخطاء الماضى.