محاولة توالى الأزمات والصراعات يحول دون البناء
البناء وتشكيل المستقبل يحتاجان، من بين ما يحتاجان إليه، إلى بيئة مناسبة، فضلا عن العناصر والمكونات الأخرى اللازمة للبناء. والعرب يستخدمون منذ أمد بعيد تعبير «قصر من الرمال»، دليلا على الهشاشة ودليلا على أن ما ليس له أساس فمهدوم وما ليس له حارس فضائع.. توالى الأزمات وكثرة التحديات مع الهرولة وضعف الإحساس، لا تتيح الفرصة المناسبة للبناء، وأحيانا يكون اختراع الأزمات أو الوقوع فيها عن جهل، وأحيانا لصرف الأنظار عن الضعف والفشل، أيا كان ذلك الفشل، سياسيا أو اقتصاديا أو أمنيا أو تنمويا.
الذى يشاهد المسرح فى مصر اليوم يرى أن موضوع سد النهضة يتصدر مشهد الأزمات بجدارة دون أن يلغى الأزمات القديمة أو السابقة، لكنه يغطى عليها نوعا ما لخطورته.
فبينما كانت التصريحات الرسمية الأولى لهذه الكارثة تطمينية، وأنها لن تؤثر على حصة مصر من المياه ولا الكهرباء، وكأنها محاولة لإخفاء الحقائق عن الشعب المصرى، وسيرا فى نفس طريق الضبابية الذى فاق رصيده قوة الاحتمال الشعبى. يرى الدكتور نصر علام، وزير الرى الأسبق، أنه الخطر الرئيسى الذى يواجه مصر؛ لأن تخزين 200 مليار متر مكعب من الماء داخل خزان السد العالى المبنى داخل منطقة بركانية يهدد بكوارث طبيعية واضطرابات بالقشرة الأرضية، وأن انهيار السد كفيل بإزالة السودان وإغراقها وتدمير السد العالى، ولو قامت إثيوبيا بملء السد فى عام واحد لن تصل مصر نقطة مياه واحدة.
طبعا هذا رأى رجل خبير، كان يتابع القضية منذ زمن طويل، أما المهندس خالد القزاز، سكرتير الرئيس للشئون الخارجية، فقد كشف، كما جاء فى بعض وسائل الإعلام يوم الثلاثاء 4 يونيو، عن أن معظم الدراسات المقدمة من إثيوبيا عن السد بها قصور ولا ترقى إلى إقامة سد بهذا الحجم، وأن ملء السد فى وقت الجفاف سيكون له تأثير سلبى على السد العالى. وهناك بعض الخبراء الذين يرون أن العجز الناتج عن السدود الإثيوبية قد يؤدى إلى تبوير مليونى فدان من الأراضى الزراعية فى مصر. إن المصائب، كما قال شيكسبير، لا تأتى فرادى، وإنها كالقطط تأتى لتتمسح بالأقدام. وأعتقد أن تكاتف المصريين ضرورى وواجب، لمواجهة هذا الخطر الكبير، ولا تكفى دعوة الرئيس إلى لقاء تشاورى مع الأحزاب الأخرى، منهم من حضر ومنهم من لن يحضر رغم إدراكه خطورة الأمر.
هناك أزمات أخرى وتحديات تحتاج إلى علاج، ولو أنها عولجت من قبل وقت أن كان العلاج سهلا ولا يكلف كثيرا، بل وكان من الممكن ألا تنشأ أصلا، لو أننا حافظنا على أهداف الثورة وسعينا إلى تحقيقها، ولم نعاقب بعض أبناء الثورة لأخطاء نتيجة تحمس زائد، أو تنبيها على ما قد يرونه أخطاء فى حق الثورة، ولو أننا قضينا بالحكمة على الانقسام المجتمعى ولم تأخذنا المصالح الحزبية الضيقة بعيدا عن مصالح الوطن الحقيقية، ولم نحرم أصحاب النقد، خاصة من كانوا فى صدر النقاد أيام المخلوع من ممارسة حقوقهم والاتصال بالجماهير، والنظرة الدونية إليهم أو النظر إليهم باعتبارهم من المخربين أو الملحدين أو أنصار الثورة المضادة أو نصفهم بالبلطجة، أو نراهم بمنظار أصحاب اللهو الخفى أو الطرف الثالث.
الإسلاميون اليوم فى السلطة، وهو امتحان لهم ينعكس على الإسلام والدعوة التى حملوها 85 سنة، وهو امتحان عسير للمشروع الإسلامى كذلك، وصراع بين مشروع النهضة وسد النهضة.
كان من الممكن، بل من المتيقن، أن الشعب سيقف وراء القيادة الإسلامية القائمة، لو أنها استمعت إلى نصائح المخلصين قبل اللجوء إلى المحاكم الإدارية والمحاكم الدستورية العليا. أخطاء كثيرة متناثرة عندما تتجمع تكون آثارها أخطر من آثار سد النهضة، أخطاء تتعلق بقانون انتخابات مجلسى الشعب والشورى، وتتعلق بتأسيس «التأسيسية» وتتعلق بالدستور وتتعلق بالإعلان الدستورى، وتتعلق بإهمال إمكانات وقدرات الوطن البشرية والمادية، وأخطاء تتعلق بمحاكمة المسئولين عن قتل الشهداء أثناء الثورة، وأخطاء تتعلق بالعلاقة مع القضاء وتعيين النائب العام الجديد وتحدى الأحكام النهائية وعدم تنفيذها. كان من الضرورى أن يقدم الإسلاميون فى الحكم نموذجا يُحتذى به فى الحريات والعدل والمساواة ومراعاة حقوق المواطنة وإعمال الشورى بحق، حتى يستفاد بالإمكانات الفكرية والإبداعية حق الاستفادة، فى كل المجالات كنت أتمنى بعد سنة من حكم الإسلاميين أن تقل مشكلة عويصة، كمشكلة الدروس الخصوصية، على سبيل المثال لا الحصر، أو أن يحضر طلاب المرحلة الثانوية المدرسة بانتظام، وأن يثقوا فى النظام التعليمى وفى المدرسة وإدارتها ومدرسيها مثلا.
أزمات تتراكم بعضها فوق بعض، لا تكاد ترى لها نهاية بعد أن شاهدنا بداياتها التى كان من الممكن أن تتحاشى كثيرا منها؛ إذ استطعنا أن نعالج قضية سد النهضة، فكيف ستعالج أزمة تمرد ويوم 30 يونيو؟ هل تحصين «الاتحادية» بتغيير بوابات القصر قبل المظاهرات المتوقعة يكفى لمواجهة تلك الأزمة الكبيرة والحرب بين «تمرد» والإخوان والكتاب الأسود لجرائم الإخوان الذى يعده شباب الإنقاذ، و«تمرد» وكتاب إنجازات مرسى؟ وفى الجانب الداعم لـ«مرسى» تقف حملة «تجرد»، برعاية عاصم عبدالماجد، بشعارها الذى يشمل إصبعين (علامة النصر)، محفورا عليه مدفع كلاشينكوف (علامة القوة، ويستخدم عند اللزوم)، ولا أدرى من يقدر وقت هذا اللزوم وكيف ستكون نتيجته.. لكِ الله يا مصر.
والله الموفق..