بعد غزو الفكر المتشدد و"الردّة الثقافية".. مواطني الفيوم جمهور بلا سينمات

كتب: ميشيل عبد الله

بعد غزو الفكر المتشدد و"الردّة الثقافية".. مواطني الفيوم جمهور بلا سينمات

بعد غزو الفكر المتشدد و"الردّة الثقافية".. مواطني الفيوم جمهور بلا سينمات

على الرغم من أهمية الثقافة والفن في بناء العقول الإنسانية، ورقي الفكر لدى الإنسان، إلا أن الفيوم فقدت إحدى أهم وسائل التنمية الفكرية، التي تعتبر في حاجة ماسة لها، بعد أن غزاها الفكر المتشدد في السنوات الماضية.

كان في الفيوم أربعة دور عرض سينمائية من الممكن أن تبني العقول، إلى أن أصبح بها جمهور بلا سينمات، وحُرم أهلها من هذا الفن الراقي بعد غلق السينمات جميعها على مستوى المحافظة على مدار سنوات، وفي الوقت نفسه لا يوجد مسارح نهائيا على مستوى المحافظة سوى مسرح قصر ثقافة الفيوم، والذي يواجه صعوبات في استغلاله بسبب اشتراطات الحماية المدنية.

 ويروي المخرج عزت زين، من أبناء الفيوم، أنه عاصر سينما "رمسيس"، التي تحولت بقاياها إلى جراج، وأن حريق شب بها، كما كان من جمهور سينما "الفيوم"، حيث شاهد فيها العديد من الأفلام السينمائية، "التي كانت غاية في الرداءة"، على حد وصفه، ولم يعرف سبب توقفها إلا انها تحولت إلى أبراج سكنية، وكذلك توقف سينما "عبد الحميد" عن العمل، بعد أن اشتراها تاجر إخواني حولها إلى ممر تجاري، حسب قوله.

 ويضيف زين، أنه كان هناك سينما "كليوباترا" بنادي الشرطة، والمملوكة للنادي، حيث كانت تعمل وتقدم الأفلام السينمائية بشكل منتظم، ولكنها توقفت عن العمل مع ثورة يناير، وكانت هناك محاولات لإقامة دور عرض سينمائي بجزيرة البط على شاطئ بحيرة قارون، كنوع متميز من السينمات، وهي السينما الصيفي، وهي كذلك لم تستمر وأغلقت، مشيرا إلى أنه في طفولته المبكرة، عاصر دار سينما بأبشواي كأحد مراكز الفيوم، وهي أيضا اختفت ولم يعد لها وجود.

ويستنكر زين، أن الفيوم أصبحت بلا سينما واحدة ولا يوجد بها دور عرض سينمائية محترمة تليق بآدمية المواطن، خاصة إذا واكب ذلك إنتاج متميز يسهم في استنارة العقل وإثراء الوجدان، والارتقاء بالذوق الفني والجمالي، لكي يختفي القبح ومظاهره من حياتنا.

 وتحولت إحدى دور العرض السينمائية الشهيرة بمدينة الفيوم إلى أرض فضاء، وهي سينما "الفيوم"، والأخرى إلى ممر تجاري ومعرض للسلع والملابس، وهي سينما "عبدالحميد" بشارع أحمد شوقي، والثالثة إلى مخزن لنادي الشرطة، وهي سينما "كليوباترا"، والتي كانت تعد من أفضل دور العرض السينمائية بالفيوم وتلائم استضافة الأسُر، وأغلقت لأسباب أمنية.

 ويقول السيد موسى، رئيس مركز ومدينة الفيوم، أن أراضي دور العرض السينمائية التي كانت موجودة بالمدينة، وهي سينما "عبدالحميد" و"الفيوم"، مملوكة لأصحابها، وليست ملك وزارة الثقافة حاليا، وأن أرض "عبدالحميد"، تحولت إلى معرض للسلع، وهناك نزاع بين مالكها والمستأجرين من الباعة، بسبب انتهاء عقد الإيجار بينهم.

 ولم تمر محاولات القضاء على دور العرض السينمائية بالفيوم، بدون مقاومة، حيث تقدم كل من رئيس لجنة شباب حزب "الوفد" بمحافظة الفيوم، عضو المجلس الشعبي المحلي لمدينة الفيوم، وعصام الدين أحمد أمين، عضو اتحاد كتاب مصر، ببلاغ إلى المستشار عبدالحي فازورة، المحامي العام الأول لنيابات الفيوم، في 8 مارس 2011، رقم 331 عرائض نيابة الفيوم الكلية، ضد مالك سينما "عبدالحميد" بمدينة الفيوم بسبب هدمها لبناء برج سكني.

وأكد الشاكيان في بلاغهما أن مالك السينما وقتها يهدم حوائطها من الداخل مستغلا الانفلات الأمني وعدم استقرار الحكومة، ساعيا لبناء برج سكني دون الحصول على تصاريح بهدم السينما وبناء برج سكني، على الرغم من أن القانون وقواعد وزارة الثقافة تمنع إزالة أو هدم أي دور سينما، إلا بعد مرور 15 عامًا على توقف نشاطها، وأنه في حالة هدمها بعد تلك الفترة يلتزم مالكها ببناء الطابقين الأول والثاني كدور عرض سينمائية بديلة.

وطالب الشاكيان في بلاغهما بإصدار قرار بوقف هدم حوائط السينما، ووقف بناء برج سكني لمخالفته للقانون، حفاظا على التراث الثقافي للفيوم.

ويرى الأديب منتصر ثابت، مدير فرع ثقافة الفيوم السابق، أن السينما كانت أهم أداة ثقافية للدولة منذ ثورة يوليو 1952، وكانت سفيرة مصر في كل العالم العربي، لدرجة أن اللهجة المصرية صارت هي اللهجة التي تربط بين كل العرب شرقا وغربا، وأن السينما لا تزال تؤدي هذا الدور في الحفاظ على الهوية المصرية واللغة المصرية لدى أبناء المهاجرين المصريين في أركان العالم الأربع.

 ويضيف ثابت، أن الدولة أسست مؤسسة مستقلة للسينما، والمركز القومي للسينما، والمعهد العالي للسينما في أكاديمية الفنون، لأهمية هذا النوع من الفن، وعندما كانت الدولة تهتم بالثقافة، وترى فيها أداة تثقيف وأداة تغيير، كان جهاز السينما المتنقل، هو أهم وسائلها في القوافل الثقافية التي كانت تجوب القرى والميادين أيام ثروت عكاشة، وسعد الدين وهبة، وسعد مكاوي، حيث توضع ستارة بيضاء على أي حائط ريفي عال، ويتم عرض الفيلم الذي يجمّع أهالي القرية كلها.

 ويؤكد ثابت أن فن السينما كان هو الأداة الفنية التي يمكن أن يفهمها المتعلم والأُمي، والمثقف والبسيط، على السواء، وكان في ذلك الوقت يوجد بالفيوم دوري عرض سينمائية، هي "الفيوم" و"عبدالحميد"، وانشئت الثقافة الجماهيرية، سينما ثابتة في الوحدات المجمعة بعدد كبير من القرى الكبيرة ظلت تعمل حتى بداية التسعينات.

 ويضيف: "مع انصراف الدولة عن دورها، وعدم وضع الثقافة ضمن أولوياتها، ومع ظهور الفترة النفطية والردة الثقافية الرهيبة التي شهدها المجتمع المصري بالتغلغل الوهابي في البلاد،  استولت الوحدات المحلية على الوحدات المجمعة التي كانت تستخدم كدور عرض سينمائي، وأصبحت مخازن للوحدات المحلية، وذلك في كل الوحدات المجمعة بقرى ومراكز محافظة الفيوم".

 ويؤكد ثابت، أن الناس إنصرفت إلى الأفلام التي يعرضها التلفزيون، والتي تعرض بتقنية أكثر جودة من عرضها داخل السينمات، التي كانت تعمل بماكينات العرض الروسية القديمة والمتهالكة، وتستخدم شرائح الفحم المكلفة.

ويرى مدير عام ثقافة الفيوم السابق، أن الأمل حاليا في سينما القاعة المتوسطة العدد، وهو ما نراه شائعا في السينما الموجودة في المولات الحديثة، والتي تتسع لقرابة ما بين 50 إلى100 متفرج فقط، لتواكب مستجدات العصر الذي نعيشه، موضحا: "عصر القرية الكونية التي أصبحت في يد الإنسان المسماة بالموبايل، والتي يمكن للفرد أن يشاهد عليها أحدث ما يبث في العالم شرق وغربه".

ويضيف ثابت أن هيئة قصور الثقافة تطور حاليا بعض القاعات الكبرى بقصور وبيوت الثقافة لاستخدامها كدور عرض سينمائي، وتم اختيار قاعة كبيرة بقصر ثقافة بالفيوم، وأخرى بقصر ثقافة طامية، لتنفيذ ذلك، مؤكدا أن مواطني الفيوم يستحقون أكثر من ذلك.

 ويقترح ثابت بأن تحوّل الأندية الكبرى وأندية النقابات إحدى قاعاتها لإقامة دور عرض سينمائية متوسطة، مؤكدا أن السينما أداة تنوير وتغيير وثقافة وتوثيق، وتعريف للعصر الذي يطرحه الفيلم، من تاريخ وأماكن وملابس وموسيقى ولغة وتصوير للمكان والزمان. وتساءل قائلا: "هل هناك أمل من عبور عصر الردّة الثقافية!".


مواضيع متعلقة