المغرب لايزال "دون حكومة" بعد أربعة أشهر من الانتخابات البرلمانية

المغرب لايزال "دون حكومة" بعد أربعة أشهر من الانتخابات البرلمانية
مرت أربعة أشهر على الانتخابات البرلمانية المغربية، التي منحت، في السابع من أكتوبر الماضي، الصدارة لحزب "العدالة والتنمية" بمجموع 125 مقعدا، ولا يزال "الانسداد" يلاحق تشكيل حكومة عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة المعين، الذي حمل مسؤولية تعطيل تشكيل الحكومة، لعزيز أخنوش رئيس حزب "الأحرار".
بنكيران الذي جدد التأكيد أن الاستمرار في تقديم تنازلات مؤلمة، والرضوخ لشروط أخنوش سيفرغ نتائج انتخابات 7 أكتوبر، قال في تجمع لحزبه أمس، إن "مشاورات تشكيل الحكومة متوقفة، ولم تحرز أي تقدم منذ صدور بلاغ (انتهى الكلام)، ولن تعرف أي انفراج إذا لم يتراجع أخنوش عن التشبث بضم الاتحاد الاشتراكي، والاتحاد الدستوري إلى الحكومة".
حالة من الجمود إذن تخيم على المشاورات الحكومية المغربية، رغم بعض الانفراجات التي تظهر وسرعان ما تختفي، لتعود مرة أخرى إلى نقطة الصفر، مرة بسبب، ما يعرف إعلاميا في المغرب بـ"البلوكاج الأول"، على خلفية مشاركة حزب "الاستقلال" في الحكومة، قبل تخلي بنكيران عنه، على خلفية أزمة تصريحات أمينه العام حميد شباط، بخصوص حدود موريتانيا..
ومرة أخرى جراء "البلوكاج الثاني"، بسبب اشتراط عزيز أخنوش، زعيم حزب "الأحرار"، دخول الاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري إلى الحكومة.
ومرة ثالثة بعد انتخاب رئيس مجلس النواب قبل تشكيل الحكومة، ومن خارج أحزاب الأغلبية الحكومية، التي يرغب بها رئيس الحكومة المعين، مما بعثر أوراق المفاوضات ووضع بنكيران في زاوية ضيقة.
وأمام هذا المعطى الجديد الذي فرضته عودة المغرب إلى الاتحاد الأفريقي، اعتبر مراقبون أن انتخاب رئيس مجلس النواب سيفرض على بنكيران، أما القبول بحزب "الاتحاد الاشتراكي" داخل حكومته، رغم أنه رفض ذلك من قبل ببلاغه المعروف "انتهى الكلام"، باعتبار أن رئيس مجلس النواب من المفترض أن يكون منتميا لأحد أحزاب الأغلبية الحكومية، أو رفض بنكيران لهذا الواقع وبالتالي يعلن فشله ويقدم استقالته للملك، ما يعني حل البرلمان واللجوء إلى انتخابات برلمانية سابقة لأوانها، وهو الأمر الذي لايزال مستبعدا.
أما السيناريو الثالث، حسب ذات المراقبين، وقد يكون هو الأقرب إلى التحقق، وهو بعد فوز "الاتحاد الاشتراكي" بمنصب رئيس مجلس النواب، لن يدخل إلى حكومة بنكيران، ولكنه بالمقابل يقدم ما يسمى "المساندة النقدية" للحكومة، فيما يتم قبول حزب الاتحاد الدستوري داخل الفريق الحكومي، تلبية لمطلب رئيس حزب "الأحرار"، ليكون حلا وسطا بين هذا الأخير ورئيس الحكومة المعين، لكن حزب "الاستقلال"، الذي سبق له أن أعلن مساندته للحكومة، حتى لو لم يكن عضوا فيها، له رأي آخر في ذات الشأن السياسي، فقد اعتبر أن فوز المالكي بمنصب رئيس مجلس النواب، يعني إعادة الانتخابات التشريعية، مشيرا إلى أن عملية انتخاب رئيس مجلس النواب ليست معزولة عن أحداث كثيرة تجري مياهها في سواقي الحياة السياسية منذ أكثر من ثلاثة أشهر خلت.
وتوقع الحزب ذاته، عبر جريدته الرسمية، بأن يؤدي فوز المالكي بمنصب رئيس مجلس النواب إلى تفجير الوضع السياسي بالمغرب، باعتبار أن بنكيران سيرفض منطق "ليّ الذراع"، في إشارة الى أن بنكيران لن يقبل بدخول "الاتحاد الاشتراكي" للحكومة، ما يعني أن مشاروات تشكيل الحكومة ستصل إلى الباب المسدود، وبالتالي لن يكون هناك خيار آخر غير العودة إلى انتخابات تشريعية جديدة للحسم في الخلاف"، هي ازمة سياسية حقيقية يعيشها المغرب، ودورة برلمانية بيضاء باتت مؤكدة.
وفي تحليله لواقع الانسداد الذي تمر منه المشاورات الحكومية، اعتبر محمد الزهراوي، أستاذ العلوم السياسية في جامعة "مراكش"، أن الواقع الحالي يعكس طبيعة الحقل الحزبي والسياسي المغربي، معتبرا أن تعثر تشكيل الحكومة يرتبط بثلاثة مستويات أساسية: المستوى الأول، يتعلق بطريقة إدارة مسار المفاوضات من قبل رئيس الحكومة المعين، إذ إن بنكيران، حسب ذات المتحدث، دخل المشاورات مع الأحزاب من دون أية استراتيجية تفاوضية واضحة، مضيفا أن "نشوة الفوز بالمرتبة الأولى في الانتخابات التشريعية جعلت حزبه يتعامل مع التعقيدات المرتبطة بالواقع الحزبي بنوع من الاستخفاف.
واعتبر المحلل المغربي أن مراهنة حزب "العدالة والتنمية" الحاكم على "المنطق العددي" لاستكمال الأغلبية الحكومية، بالإضافة إلى الإعلان منذ البداية عن تفضيل التحالف مع بعض الأحزاب دون غيرها، ساهم في إضعاف الموقع التفاوضي لبنكيران، وأثر سلبا على مسار المشاورات.
والمستوى الثاني، حسب الزهراوي، يرتبط بطبيعة النخب الحزبية الموجودة حاليا، معتبرا أن هذه النخب محكومة بثقافة التبعية ونظرية المؤامرة، ونزعتها إلى انتظار الإشارات والتعليمات، على الرغم من أن الوثيقة الدستورية لسنة 2011 وسعت من دائرة وهامش تحرك النخب الحزبية، إلا أن هذه الأخيرة لازالت تتصرف وفق سقف منطوق دستور 1996.
المستوى الثالث، وفق تعبير ذات المتحدث، يتعلق بـ"طبيعة ومحتوى الترسانة القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية التي تحول دون فرز أغلبية منسجمة بعد كل استحقاق انتخابي، إذ إن التقسيم الانتخابي ونمط الاقتراع الحاليين ساهما بدورهما في تقسيم الخريطة السياسية، مما يجعل رهان تشكيل الحكومة بالمغرب مشروطا بتحالف أكبر عدد من الأحزاب من مختلف المرجعيات والخلفيات".
يذكر أن مصادر من حزب "العدالة والتنمية" المغربي، أكدت أن السبيل الوحيد لإخراج الحكومة إلى الوجود هو تراجع أخنوش عن شروطه، وإلا فإن جميع السيناريوهات تظل قائمة بما في ذلك تنظيم انتخابات سابقة لأوانها، مشددة على أن بنكيران "لا يحبذ هذا السيناريو، لكنه قد يذهب إلى ذلك مضطرا أمام تعنث باقي الأطراف".