فوضى معامل التحاليل الطبية فى مصر.. «اسأل فنى وماتسألش طبيب»

كتب: محمود عبدالرحمن

فوضى معامل التحاليل الطبية فى مصر.. «اسأل فنى وماتسألش طبيب»

فوضى معامل التحاليل الطبية فى مصر.. «اسأل فنى وماتسألش طبيب»

ثمانية أشهر كاملة قضاها مصطفى عبدالواحد، المحاسب الشاب، على أبواب معامل التحاليل الخاصة والمستشفيات الحكومية، لاستكمال ملف والدته المريضة، بعد أن كشف التحليل الذى أجراه لها فى معمل خاص بمدينة «قويسنا» فى المنوفية، عن إصابتها بفيروس سى بنسبة مرتفعة، وبعد عدة أشهر من تقديم ملف الأم المريضة إلى مستشفى الحميات العام للحصول على العلاج، أخذ «مصطفى» من المستشفى «ورقة تحاليل» جديدة لإجرائها خارج المستشفى، فذهب بها إلى نفس المعمل الذى أكد له إصابة والدته بالفيروس، ثم عاد بها مرة أخرى إلى المستشفى، لعرض والدته -ومعها ملف التحاليل- على الطبيب المعالج، والغريب أن الطبيب المعالج الموجود فى المستشفى العام، أخبر الشاب الثلاثينى بأن ثمة اختلافاً كبيراً فى أوراق ملف والدته، وأن هذا ينُم عن غياب الدقة فى معمل التحاليل، وطلب منه إعادة التحليل الرئيسى فى أحد المعامل الكبرى المجاورة للمستشفى، وهناك اكتشف الابن خطأ التحليل، وأن والدته ستينية العمر غير مصابة بفيروس سى على الإطلاق، وحمل «مصطفى» بعدها الملف كاملاً وقام بتحرير محضر رسمى ضد معمل التحاليل فى قسم شرطة قويسنا، وهناك اكتشف أن المعمل يديره شاب حاصل على بكالوريوس تجارة، ورثه عن والده الكيميائى، وعلى الرغم من صدور قرارات بغلقه أكثر من مرة، إلا أنه يمارس عمله علناً.

{long_qoute_1}

على حائط صفحة إلكترونية تحمل اسم «رابطة أطباء الباثولوجيا الإكلينيكية»، أعلن المئات من الأطباء البشريين مؤخراً عن رفضهم القاطع للقانون رقم 67 لسنة 1954، المنظم لمهنة التحاليل الطبية وطريقة فتح معامل التحاليل، نظراً لما وصفوه بـ«اللبس» الذى ينطوى عليه القانون، الذى أتاح الفرصة لعدد كبير من القطاعات العمل فى مهنة التحاليل دون وجه حق، مثل «الصيادلة والبيطريين والزراعيين والعلميين»، حيث أتاح لهم القانون العمل فى معامل التحاليل الخاصة بوظائفهم، مثل التحاليل الحيوانية وتحاليل المياه والتربة وغيرها!

«الوطن» طرحت قضية رفض أعضاء «رابطة الباثولوجيا الإكلينيكية» حق هذه الفئات فى فتح معامل تحاليل، سعياً إلى تبين طبيعة المشاكل التى تواجه قطاع التحاليل الطبية فى الوقت الراهن، وسبل «علاجها» بشكل حاسم.

وقال الدكتور محمود عبدالعظيم، منسق «رابطة أطباء الباثولوجيا الإكلينيكية»، إن القانون رقم 67 لسنة 1954م، الخاص بتنظيم عمل مهنة التحاليل الطبية فى مصر هو سبب الأزمة الحقيقى، لأنه منح الحق لخمس فئات فى الحصول على ترخيص مهنة التحاليل الطبية، دون أن يوضح نوعية التحاليل الموكلة لكل قطاع، الأمر الذى أحدث نوعاً من الخلط بين تحاليل البشر والحيوانات والتربة الزراعية والمياه والكيميائية، خاصة أنه أعلن أن الفئات صاحبة الحق فى فتح معمل التحليل هى «الأطباء البشريون، الصيادلة، الزراعيون، البيطريون، والكيميائيون»، وأضاف «عبدالعظيم» لـ«الوطن» أن غياب الرقابة على المعامل الطبية، خاصة الموجودة فى الريف ومحافظات الصعيد، تسبب فى خلق نوع من الفوضى فى آليات عمل هذه المعامل، وفى نتائج تحاليلها، إلى درجة أن بعض الفنيين وخريجى كلية علوم طبية تطبيقية، غير الحاصلين على مسمى من الأساس فى القانون، يعملون الآن فى هذه المهنة دون رادع لهم، الأمر الذى تسبب عنه حالات من «الخزعبلات» فى نتائج التحاليل التى نسمع عنها بشكل شبه يومى، وأوضح منسق الرابطة أن معامل التحاليل فى مصر تنقسم إلى ثلاثة أقسام، وهى معامل غير مرخصة وتعمل فى الأماكن البعيدة عن عين الرقابة، ومعامل مرخصة لكنها مخالفة لشروط الترخيص، وهذه فرصتها أكبر فى العمل من سابقتها، والقسم الثالث هو معامل مرخصة وموجودة فى أماكن معلنة على مرأى ومسمع من الأجهزة الرقابية، وهو الأمر الذى دعانا لتكوين «رابطة أطباء الباثولوجيا الإكلينيكية» لنعلن من خلالها كأطباء بشريين رفضنا للقانون القديم، وضرورة تعديله بما يتناسب مع أساليب العمل الطبيعية فى أى دولة تحترم التخصصات، وتؤمن بحقوق المرضى فى تلقى العلاج بشكل مناسب وسليم، خاصة أن غالبية تلك الدول تعمل بنظام فريق العمل المتكامل الذى يترأسه طبيب بشرى حاصل على دراسات عليا فى التحاليل الطبية، ومعه كيميائى خريج قسم كيمياء أو مايكرو بيولوجى، بالإضافة إلى فنى معمل.{left_qoute_1}

من جانبه، رفض الدكتور نبيل محيى عبدالحميد، العميد السابق المؤسس لكلية الصيدلة بجامعة كفر الشيخ، مبررات منسق الرابطة، بشأن ضرورة قصر العمل فى مهنة التحاليل الطبية على الأطباء البشريين فقط، وقال «عبدالحميد» لـ«الوطن» إنها ليست المرة الأولى التى يتم فيها افتعال هذه الأزمة، التى بدأت منذ أكثر من 25 عاماً، فى عهد أكثر من وزير صحة سابق، أمثال الأستاذ الدكتور إسماعيل سلام، والدكتور على عبدالفتاح المخزنجى، حيث أثارت نقابة الأطباء الأزمة وقتها، وكان مطلب النقابة هو قصر ممارسة مهنة التحاليل الطبية على خريجى الطب البشرى فقط، وتعالت أصوات مطالبتهم هذه، وحاولوا الضغط على «المخزنجى» بالتحديد، لأن المجموعة التى تبنت الأزمة وقتها كانوا ينتمون لكلية الطب جامعة عين شمس والوزير كان أستاذاً بقسم الأمراض الجلدية فى نفس الجامعة، وأضاف «عبدالحميد»: «وحينما اشتعلت الأزمة كان ذلك بسبب أن الذين تبنوا هذه المطالب شركاء فى سلاسل معامل كبيرة، وكانوا يريدون المحافظة على العمل بها، ومنع الفئات الأخرى من الدخول فى هذا المجال، أى إنهم كانوا يريدون مصلحتهم فقط، وفى كل الحالات يتعلل من يشعلون هذه الأزمة -على عكس الحقيقة- بأن السبب يرجع إلى الحفاظ على صحة المريض والمهنة، ولكن الحقيقة أن السبب الأساسى هو مادى بحت وليس علمياً، بل هى محاولة للحفاظ على فرص عمل القطاع الخاص لدى منتسبيها على حساب باقى الخريجين، ومخالفة للقانون، وقد حاولوا عدة مرات من خلال وزراء الصحة المتعاقبين، والضغط عليهم للتقدم بمشروع قانون إلى «مجلس الشعب» آنذاك لتغيير القانون رقم 67 لسنة 1954، إلا أن نقابة الصيادلة والاتحاد العام لنقابة الأطباء الذى يضم الأطباء والصيادلة والبيطريين والأسنان هدد بإخراج نقابة الأطباء من الاتحاد، باعتبار أن مساهمة الأطباء فى رأسمال الاتحاد أقل بكثير من الصيادلة، وهكذا انتهت الأزمة»، وأوضح عميد «صيدلة كفر الشيخ» السابق، الذى يمتلك معملاً منذ أكثر من 23 عاماً، ويقوم بتدريب الطلاب على إحدى المواد التى تمنح ترخيص مزاولة مهنة التحاليل الطبية وهى «مادة الكيمياء الحيوية»، أن «مهنة التحاليل الطبية تعنى من الناحية العلمية التعامل مع عينات من الجسم البشرى سواء كانت الدم أو البول أو البراز أو الأنسجة، وبالتالى فإن مهنة تحليل الأنسجة محصورة على خريجى الطب فقط طبقاً للقانون، وهذا حقهم، أما تخصص الكيمياء الحيوية، فهو يمثل نحو 85% من نتائج معامل التحاليل، لأن العينات التى تخرج من الجسد البشرى تعد مواد كيمياوية، بالإضافة إلى أنه توجد أجهزة فى السوق المصرية والعالمية تقوم بمعظم التحاليل الكيميائية مثل الهرمونات ووظائف الكبد والكلى والسكر وغيرها، وبتدخل محدود جداً من العنصر البشرى، وهنا يتساوى الجميع بمجرد التدريب على تلك الأجهزة»، وأشار «عبدالحميد» إلى أن «الخطر يكمن فى كيفية التعامل مع أخطاء نتيجة التحليل، ما يعنى ضرورة الأخذ فى الاعتبار تفاعلات الأدوية مع الجسم، ومن هنا فإن الصيادلة والعلميين أكفأ من الأطباء بكثير نظراً لدراستهم للكيمياء التحليلية والعضوية وغير العضوية، وتخصص الباثولوجيا الإكلينيكية الذى يعتمد فى دراسته على مقتطفات من عدة تخصصات هى الكيمياء الحيوية، وعلم الدم، وعلم الطفيليات، وعلم البكتيريا، فكيف يمكن استبعاد من يدرس كل هذه التخصصات معاً، لمصلحة من يتخصص فى نوع واحد ويحصل فيه على درجة علمية؟».

{long_qoute_2}

من جهة أخرى، يرى الدكتور أحمد وجيه، نائب رئيس الجمعية المصرية للعلميين المتحدين، إخصائى التحاليل الطبية، أن «نقابة الأطباء ليس من حقها تشريع قانون خاص بالتحاليل الطبية دون إشراك باقى الفئات التى حددها القانون المنظم للمهنة، كما أنه ليس من حق قطاع واحد طرد 4 قطاعات بحجج ليس لها أصل من الصحة، ولا تهدف إلا لتحقيق مصالح شخصية فقط، خصوصاً أن كافة دول العالم تسير على نفس النظام المصرى فى تشكيل معامل التحاليل، الذى يضم إخصائى تحاليل وفنى تحاليل، وهو ما يعنى أن النظام العالمى لا يوجد به طبيب تحاليل كما يزعم الأطباء البشريون».

وأضاف «وجيه» أنه «لا يوجد تخصص علمى فى مصر أو العالم، يخرج منه الطالب صالحاً للعمل كإخصائى تحاليل مباشرة، لأنه يخرج ممارساً عاماً فقط، وبعد حصوله على دراسات عليا يصبح من حقه العمل فى مهنة التحاليل، ما يعنى أن الدراسة عبارة عن قماشة عريضة تشكل أرضية للطالب الدارس وتؤهله للعمل داخل المعامل بعد حصوله على الدراسات العليا والدرجات العلمية المتخصصة، ووصف «وجيه» معامل التحاليل فى مصر بأنها «سبوبة» لأصحابها، مبرهناً على ذلك بأن الغالبية العظمى من الأطباء يحصلون على تراخيص إقامة هذه المعامل فى مدة زمنية قصيرة، ثم يبيعونها أو يؤجرونها لفنيين وأشخاص من خارج المهنة مقابل الحصول على مبالغ مالية كبيرة أو إيجار شهرى، وهذا يعنى أن الحرص على مصلحة المريض كما يزعم الأطباء البشريون ليس هو الأساس الذى يعيدون فتح القضية من وقت لآخر بسببه، وإنما السبب الحفاظ على «سبوبتهم» بمنع عمل الآخرين بها، مع الأخذ فى الاعتبار أن عدداً كبيراً من خريجى كلية العلوم يقومون بتدريس مواد التحاليل الطبية لطلاب كليات الطب، وبعدها يخرج هؤلاء الطلاب للمناداة بمنع الأساتذة الذين درسوا لهم من ممارسة المهنة.{left_qoute_2}

فيما قال الدكتور عصام رمضان، طبيب بيطرى، صاحب معمل تحاليل، إن «التخصصات المختلفة عن الطب البشرى، مثل الطب البيطرى أو الصيدلة أو العلوم، تدرس هى الأخرى نفس المواد التى يدرسها الأطباء البشريون، من مواد الكيمياء الحيوية والباثولوجى، التى تجعل أصحاب هذه التخصصات لديهم القدرة على فتح معامل التحاليل الطبية مثلهم مثل غيرهم، خاصة أن القانون القائم حالياً يفرض على الطبيب البيطرى أو غيره من الأطباء غير البشريين، فى حال ما إذا أراد أن يفتح معمل تحاليل أن يكون لديه فى المعمل طبيب بشرى يقوم بعملية سحب العينة من المريض، وأكد «رمضان»: «وأنا كطبيب بيطرى دارس نفس المناهج والمجالات اللى درسها الطبيب البشرى ومعرفش ليه رغم كده ورغم وجود قانون يتيح للطبيب البيطرى فتح معمل تحاليل، يشترط وجود طبيب بشرى معايا لسحب العينة فى المعمل»، وأضاف «رمضان» أن وجود قانون يتيح له كـ«طبيب بيطرى» فتح معمل تحاليل طبية هو أمر يجب أن يحترم ولا يصح أن يطالب آخرون بغير ذلك، وإنما يمكن لهم أن يشترطوا مثلاً على غير الطبيب البشرى ممن يريدون فتح معامل تحاليل، أن يخضعوا أولاً لدورات تأهيلية كمرحلة تمهيدية لفتح المعمل، على أن تكون هذه التدريبات خاضعة لنقابة الأطباء مثلاً أو غيرها من الجهات التى يتم تحديدها، وبهذه الطريقة يكون هناك احترم للقانون القائم، لأن عدم احترامه يعد ظلماً لباقى التخصصات التى يتيح لها القانون ذلك، وفى الوقت نفسه تم تأهيل غير الأطباء البشريين من التخصصات الأخرى تحت إشراف الطب البشرى نفسه»، ولفت إلى أن «كل نقابة لها الحق الكامل فى الحفاظ على مهنتها من الدخلاء عليها، ورغم أننى طبيب بيطرى ولكننى فى النهاية لا أجد ضرراً فى قصر معامل التحاليل الطبية على الطبيب البشرى، ولكن يجب أن يتم ذلك وفق قانون، وإذا صدر قانون يمنع ذلك ويقصره على الأطباء البشريين يجب أن يحترم أيضاً، وماينفعش يكون فيه قانون بيقول ينفع وحد يخرج يقول ماينفعش، وزى ما أنا طبيب بيطرى عايز أحافظ على مهنتى من الدخلاء غيرى كمان له الحق ده، بس الكلام ده كله لازم ينظمه قانون وماينفعش يبقى الموضوع عايم كده».

{long_qoute_3}

وقال الدكتور حسن الشيمى، مدرس الهندسة الزراعية بكلية الزراعة جامعة القاهرة، إن «خريجى كليات الزراعة والعلوم دائماً ما يكونون مطلوبين من قبل شركات الأدوية أكثر من الأطباء البشريين والصيادلة أنفسهم، وإن دل هذا على شىء فإنما يدل على تفوقهم فى هذه المجالات عن غيرهم، وأن لديهم القدرة كاملة على إنجاز ما يقوم به الطبيب البشرى فى هذا الأمر، كما أن التدريب والتأهيل هو العامل المشترك بين الطبيب البشرى وغيره فى هذا الأمر، وهو المحدد الأول والأخير لأفضلية تخصص عن غيره طالما درس كل منهم نفس الكورس أثناء سنوات الدراسة»، وشدد «الشيمى» على أن «مسألة فتح معامل تحاليل طبية لغير الأطباء البشريين محددة لأقسام بعينها فى الكليات الأخرى وليست مفتوحة على البحرى»، حسب قوله، وأن «خريج قسم الكيمياء فى كلية الزراعة وحده هو من لديه الصلاحية لفتح معمل تحاليل طبية دون غيره من أقسام الكلية الأخرى»، مشيراً إلى أن «مهمة هؤلاء الخريجين فى معمل التحاليل تقتصر على إجراء التحليل وليس التشخيص الذى يعد حقاً أصيلاً للطبيب البشرى دون غيره، والموضوع بالظبط زى طبيب العلاج الطبيعى، بيكون ملتزم بالتمارين اللى بيحددها الطبيب البشرى للمريض ومايقدرش يخرج عنها، وأى تعديل فيها لازم يكون الأول باستشارة الطبيب البشرى»، ونوه «الشيمى» إلى أن «كل متخصص فى مجال ما من المنطقى أن يدافع عن مهنته ويبعد عنها الدخلاء، فهو حق أصيل له، ولكن هذا لا يعطى أحداً الحق فى أن يحتكر أمراً لنفسه ما دام هذا الأمر متاحاً لغيره، وهو ما يريد أن يفعله الأطباء البشريون وهو منع غيرهم من الزراعيين والبيطريين وخريجى كليات العلوم من ممارسة حقهم فى فتح معامل للتحاليل الطبية».


مواضيع متعلقة