«ترامب» يعزز فرص نجاح الشعبوية فى أوروبا!

وسط انقسام عميق يشق المجتمع الأمريكى على نحو خطير، لا يبدو أنه يمكن أن يندمل قريباً رغم وعود الرئيس الجمهورى الجديد، تمت مراسم تتويج دونالد ترامب رئيساً للولايات المتحدة التى بدأت فور وصوله إلى العاصمة واشنطن تحت عتبات النصب التذكارى لأبراهام لنكولن، حيث وعد «ترامب» جمهوره بضرورة إحداث تغيير حقيقى يحمى حقوق المهمشين من الطبقة العاملة، وأكد على نحو قاطع فى خطاب تنصيبه الذى أعقب أداء اليمين الدستورية التزامه بالوعود التى قطعها على نفسه خلال حملته الانتخابية، معلناً أن «ترامب» الذى عرفه الجمهور الأمريكى خلال الحملة الانتخابية لن يتغير، وهو نفسه الذى يحكم الولايات المتحدة الآن.

وسوف يركز «ترامب» كل جهوده، كما وعد، على إعادة بناء أمريكا وتحقيق مصالحها، مؤكداً أن أى قرار يتعلق بالتجارة أو الضرائب أو الهجرة والشئون الخارجية سوف يكون لصالح العمال الأمريكيين، (لأن مهمتنا أن نحمى بلادنا من أطماع الآخرين الذين يستولون على إنتاجنا ويسرقون شركاتنا ويغلقون فرص العمل أمام العمال الأمريكيين، وعلى كل أمريكى ابتداء من الآن ألا يشترى إلا ما هو أمريكى ولا يوظف سوى الأمريكيين كى تبقى أمريكا دائماً أولاً وأخيراً).

وربما يكون صحيحاً ما قاله «ترامب» فى خطاب التتويج، أن أمريكا كانت منقسمة على نفسها قبل مجيئه، لكن المشكلة أن الخرق يزداد الآن اتساعاً، ومن المؤكد أن «ترامب» بخطابه يوم التنصيب لم يساعد على اندمال هذا الجرح الذى يزداد عمقاً.. وأظن أنه يتحمل جزءاً كبيراً من مسئولية اتساع هذا الخرق الذى عبرت عنه مئات التظاهرات المعارضة التى شهدتها واشنطن ومعظم المدن الأمريكية وامتدت إلى عواصم عديدة فى العالم، تعلن قلقها وخوفها من فترة حكم الرئيس الجديد الذى أكد بوضوح بالغ وفى خطاب متفرد ومباشر لا تنقصه وضوح الكلمات أو الأهداف، وليس له فى كل خطب الرؤساء السابقين مثيل، أنه سوف يحكم أمريكا بالطريقة التى أدار بها حملته الانتخابية وأن دفة الحكم سوف تتغير، ورغم أن «ترامب» هو الرئيس الأمريكى الوحيد الذى تم انتخابه دون سابق خبرة فى الحكومة أو القوات المسلحة فإنه يعتقد أن خبرته كرجل أعمال ناجح تغنيه عن أية تجارب سابقة، وأنه يستطيع من خلال لغته المباشرة والصريحة مع جمهوره أن يقود أمريكا إلى مرحلة جديدة تستعيد فيها قوتها وعظمتها.

وفى الوقت الذى كان ينتقد فيه المتحدث الرسمى باسم «ترامب» الصحافة الأمريكية لأنها قللت من حجم الحشد المؤيد لـ«ترامب» يوم تتويجه، كان أكثر من مليون امرأة أمريكية جئن من كل أصقاع الولايات المتحدة يخالطهن بعض الرجال ينتظمن فى أكبر تظاهرة عرفتها واشنطن، تجاوز حضورها كل التوقعات، وترافق معها أكثر من 600 تظاهرة أخرى شهدتها المدن الأمريكية التى وصلت درجة حرارة بعضها إلى 6 درجات تحت الصفر، لكن إصرار النساء الأمريكيات على إنجاح مظاهراتهن ضد أفكار ورؤى الرئيس الجديد دفع الجميع إلى التظاهر ضد «ترامب»، الأقل شعبية بين كافة الرؤساء الأمريكيين الذين حكموا الولايات المتحدة على امتداد العقود الأربعة الأخيرة، حيث بقيت نسبة المؤيدين له يوم الترشيح فى حدود 40% مقابل 54% يعارضونه، ويزيد من حجم المفارقة أن يخرج «أوباما» من البيت الأبيض وقد وصلت شعبيته إلى الذروة رغم انتقادات «ترامب» الصريحة والمبطنة والذى لم يتورع عن أن يكون أول قرار يوقعه بعد دخوله إلى البيت الأبيض غداة يوم التتويج هو قرار إلغاء العمل بمعظم بنود التأمين الصحى الذى يحمل اسم «أوباما»، فضلاً عن شهادات الصحف الأمريكية بحسن أداء عائلة «أوباما» خلال وجودها فى البيت الأبيض الذى تميز بحسن اللياقة واحترام الذات ومراعاة التقاليد والذوق العام دون أية فضائح تذكر.

وما يزيد من هواجس وقلق الكثيرين من فترة حكم الرئيس «ترامب»، يقينه الشديد بأن نجاحه فى الانتخابات الرئاسية ومجيئه إلى الحكم هو جزء من حركة شعبوية تاريخية سوف تعم العالم أجمع، تنهض بها الشعوب المهمشة كى تستعيد الحكم من يد مجموعات سياسية تحتكر السلطة، هى فى الحقيقة مجرد أقليات نجحت فى السيطرة على الأحزاب التقليدية وتمكنت من مفاتيح الحكم، وأن الخطاب الصحيح المطلوب الآن ينبغى أن يكون من خارج مؤسسة الحكم، يتمرد عليها ولا يكترث كثيراً أو قليلاً بمؤسسات السلطة، بما فى ذلك أجهزة التخابر والمعلومات التى لا تحب التغيير ويهمها الإبقاء على الأمر الواقع!.

وربما لهذا السبب شجع نجاح «ترامب» أحزاب اليمين الشعبوى الأوروبى على أن تتجمع وتلتقى فى صورة تحالف جديد يدعو إلى يقظة الناخبين الأوروبيين وضرورة أن تحذو أوروبا حذو الولايات المتحدة تحت حكم «ترامب» وحذو البريطانيين الذين غادروا الاتحاد الأوروبى ورفضوا هيمنته على حياتهم، وتنفض عن نفسها هيمنة القوى القديمة التى سوف تسقط تباعاً تحت ضغوط الموجات الجديدة من هذه الحركات الشعبوية التى تنتشر فى أوروبا، وهذا ما عبرت عنه المرشحة للانتخابات الرئاسة الفرنسية، مارين لوبان، التى تصاعدت شعبيتها أخيراً إلى حد مكنها من التفوق على كل مرشحى اليسار الفرنسى، بمن فى ذلك الرئيس أولاند، الذى هبطت نسبة مؤيديه إلى أقل من 50% من مؤيدى مارين لوبان التى تأمل فى أن تكرر تجربة «ترامب» وتكتسح الانتخابات الرئاسية الفرنسية فى سبتمبر المقبل.

والواضح أن تحالف أحزاب اليمين الأوروبى التى التقت فى مدينة كولينز الألمانية يعتبر انتقال السلطة فى أمريكا إلى الرئيس «ترامب» نجاحاً للحركات الشعوبية التى تشهدها الولايات المتحدة وأوروبا، تمرداً على الأمر الواقع وخروجاً على مؤسسات الدولة التقليدية، كما تعتبر خروج البريطانيين من الاتحاد الأوروبى وتصويتهم ضد بقاء بريطانيا فى الاتحاد رغماً عن أنف الحكومة البريطانية أول نجاحات هذه الحركة الشعوبية التى تتفرد أحزابها الآن بالحكم فى ست دول أوروبية وتشارك أحزاب أخرى السلطة فى ثلاث دول أخرى، بما يعزز اعتقاد هذه الأحزاب بأن هذه الموجة الشعبوية سوف تستمر لأنها تعبر عن أيديولوجية جديدة جذبت انتباه الجماهير فى الولايات المتحدة وأوروبا، ترفض العولمة والهجرة وسيطرة أنصار التجارة الحرة على الاقتصاد العالمى، وترى ضرورة إعادة السلطة وكافة مؤسساتها إلى الشعوب التى تم تهميش مصالحها وإرادتها.

والحق أنه منذ زمن غير قصير يجتاح أوروبا إحساس متزايد بأن الأحزاب التقليدية يميناً ويساراً لم تعد تدافع عن مصالح الشعوب بقدر دفاعها عن مصالحها، كما يسيطر على الرأى العام الأوروبى الجنوح المتزايد إلى التمرد على أنظمة الحكم التى لم تعد تخدم مصالح شعوب أوروبا، وما فعله «ترامب» فى الولايات المتحدة، من وجهة نظر هذه الحركات الشعبوية، يؤكد للعالم أجمع مشروعية الخروج على هذه الأنظمة الأنانية التى ضخمت ذاتها رغم أنها لم تعد تخدم سوى نفسها!.

ولا يخلو بلد أوروبى الآن من جموع غفيرة تعارض العولمة التى انقلبت إلى نوع من الحكم الشمولى يصادر على حريات الأفراد ويكبد الجماهير تكاليف هائلة، تمثلت فى هذه الحروب المجنونة التى دمرت العراق وسوريا وليبيا وخربت مقدرات شعوبها، وكان أبرز نتائجها ظهور تنظيم داعش وتنامى خطر جماعات الإرهاب الإسلامية التى نقلت ساحة المعركة إلى داخل أوروبا وتسبب فى إضعاف أمنها واستقرارها، كما أسفرت هذه الحروب عن موجات متتابعة من الهجرة، خاصة من سوريا والعراق، تدق أبواب أوروبا وتعكر صفو أمنها وتزاحم الأهلين على فرص العمل التى تزداد ندرة، خاصة مع انحياز معظم النظم السياسية إلى حرية التجارة وإسقاط كل القيود التى تضبط حركتها، الأمر الذى وضع معظم دول العالم فى منافسة مستحيلة مع الدول الصناعية المتقدمة بعد أن تم تجريدها من قدرتها على حماية اقتصادياتها الوطنية!.

ولهذه الأسباب تركز الأحزاب الشعبوية فى أوروبا جهودها على إيقاظ حركة التمرد داخل الجماهير ودفعها إلى التعبير عن مواقفها من خلال تظاهرات ضخمة تزيد من حرج أنظمة الحكم أو من خلال التصويت فى مستويات الانتخابات المختلفة لتحقيق التغيير السلمى عبر وسائل الديمقراطية وتتبنى فى هذا النهج سياسات مرنة لا تمنع تحالفها مع الأحزاب الأخرى ولا تقيد حقها فى التحريض على أنظمة الحكم الراهنة والطعن على شرعيتها.