ليبيا بين روسيا والتدخلات الغربية

جمال طه

جمال طه

كاتب صحفي

حفتر زار روسيا مرتين، يونيو ونوفمبر 2016، التقى خلالهما بوزير الدفاع وقادة الأمن الوطنى، بعد الزيارة الأخيرة بأسبوع وصل عقيلة صالح رئيس البرلمان موسكو، بدعوة رسمية لتقنين ما اتفق عليه حفتر، بشأن الدعم والتدريب والتطوير للجيش الوطنى، بعدها وافق البرلمان الليبى على وثيقة اتفاق تسمح بتنفيذ برنامج التعاون.. تواصلت زيارات الضباط والخبراء العسكريين الروس لليبيا، آخرهم رئيس الأركان العامة جيراسيموف، الذى التقى حفتر وصالح.. حاملة الطائرات الروسية «أدميرال كوزنيتسوف» والطراد «بطرس الأكبر» والسفن المرافقة لهما، غادرت السواحل السورية ضمن تخفيف للقوات، اتجهوا للمياه الإقليمية المقابلة لطبرق، صعد حفتر على متن الحاملة 11 يناير، التقى بوزير الدفاع الروسى سيرجى شويجو بالفيديو كونفرانس، واتفقا على بدء مناورة بحرية جوية مشتركة قبالة منطقة الهلال النفطى وسرت تستغرق أربعة أيام، تقوم خلالها الطائرات المشاركة بقصف أهداف فعلية للجماعات الإرهابية فى عدة مناطق، أبرزها الجفرة ودرنة، يعقبها بدء مرحلة الإعداد والتدريب لقوات الجيش، وإعادة تنظيمه.. تطور استراتيجى يعكس حرص روسيا على استعادة دورها القديم فى ليبيا، واسترداد مصالحها الاقتصادية التى أجهضها التدخل الغربى وسقوط القذافى، والتأكيد على ثقلها الدولى والإقليمى، خاصة بعد انتصاراتها الحاسمة بسوريا.

ليبيا فى مأزق لم يسمح لها سوى بالتجاوب مع المسعى الروسى؛ فبعد سيطرة حفتر على الهلال النفطى، استجابت فرنسا لضغط حلفائها الأوروبيين، وسحبت تشكيلاتها العسكرية التى كانت تقدم الدعم للجيش الوطنى.. قوات حرس المنشآت النفطية المنهزمة بزعامة إبراهيم الجضران، تراجعت لمنطقة الجفرة، حيث التقت بتحالف ثوار شورى بنغازى وأنصار الشريعة، الذى التحقت به العديد من قيادات وعناصر داعش المنسحبة من سرت، بعد هزيمتها أمام ميليشيات مصراتة، المدعومة بالغارات الأمريكية، والملفت انضمام عناصر من حماس تتولى أمور التنظيم والمعلومات.. فلننتبه، التجمع الإرهابى بالجفرة يستعد لاسترداد الهلال النفطى، لكن عينه على مصر، وكمين النقب مجرد بداية!!.. وذلك فى الوقت الذى تعمل فيه القوة الثالثة التابعة لميليشيات مصراتة على استفزاز الجيش الوطنى فى محاولة لاستدراجه لمعركة فى الجنوب، تشتيتاً له، وتوفيراً لفرص النجاح لهجوم الشمال.

قطر تقدم الدعم لذلك التحرك، وعززته بدعم انقلاب خليفة الغويل رئيس حكومة الإنقاذ السابقة فى طرابلس، المحسوب على الجماعة الإسلامية المقاتلة، بصورة مكنته من السيطرة على وزارات الدفاع والعدل والاقتصاد فى العاصمة، استناداً إلى ميليشيات عبدالكريم بلحاج، رجل الدوحة فى طرابلس والمسيطر على قاعدة «معيتقية»، وإسماعيل الصلابى المرتبط بالقاعدة، وخالد الشريف.. الغويل دعا من خلال قناة «التناصح» التابعة للإخوان لحشد كافة التشكيلات العسكرية لإحكام السيطرة على طرابلس، وسارع بافتتاح فرع لمجلس النواب فى العاصمة!! بمقر الهيئة العامة للسياحة، معتمداً على تأييد مجموعة من أعضاء مجلس النواب المنشقين، والمقاطعين، الموالين للإخوان، فى محاولة لتوفير واجهة شرعية لسلطته، والغريب أن كوبلر شجع هذا الإجراء، باجتماعه مع أعضاء مجلس النواب فى طرابلس، وتشجيعهم على الدعوة لعقد جلسة مكتملة النصاب للمجلس فى طرابلس!! رغم أن تحركات الغويل استهدفت حكومة الوفاق، التى يعمل كوبلر لصالحها.

أمريكا دفعت قرابة 1000 من القوات الخاصة إلى العاصمة الليبية، تمركزوا فى إحدى ضواحيها.. إيطاليا دفعت بوارجها البحرية بكامل تسليحها للرسو قبالة طرابلس، وقامت بإبرار وحدات عسكرية للعاصمة لتؤمِّن حفل إعادة افتتاح سفارتها المغلقة منذ 2015، الذى شارك فيه وزير داخليتها، ومدير المخابرات، خاصة أن حكومة الوفاق التى قدم السفير أوراق اعتماده لوزير خارجيتها، لم يعد لها أى وجود بالعاصمة، وأضحت محاصرة بالقاعدة البحرية، غير قادرة على ضمان أمن البعثات الدبلوماسية.. وزيرة الدفاع الإيطالية روبرتا بينوتى دعت البحرية الأوروبية لتفعيل المرحلة الثانية من عملية «صوفيا» والانتقال للعمل داخل المياه الإقليمية الليبية، لمنع مراكب المهاجرين من التوجه لأوروبا، وكشفت عن تدريب 59 عنصراً من قوات خفر السواحل الليبى، على متن سفن بالبحر المتوسط، تستكمل فى فبراير بمجموعة أكبر بهدف تجهيز أطقم مؤهلة للعمل على ثمانى سفن مراقبة، وأبدت عزمها تقديم طائرات دون طيار وأجهزة رادار وسفن إلى السلطات الليبية لمساعدتها فى مراقبة الحدود الجنوبية لليبيا، تحت إشراف مراقبين إيطاليين.

حكومة الوفاق الوطنى المنبثقة من اتفاق الصخيرات، انتهت ولايتها فى 17 نوفمبر 2016، بعد عام من تشكيلها وفق الاتفاق، والمجلس الرئاسى يعانى تناقضات بين الأعضاء، تحولت إلى صدام بعد إلغاء السراج قرارات التعيين السيادية التى أصدرها فتحى المجبرى نائب رئيس المجلس فى غيابه، وشملت رئيس جهاز المخابرات، ووزير العدل، وآمر قوة مكافحة الإرهاب، ما نتج عنه اقتحام المجبرى فى 8 يناير الحالى، اجتماعاً مغلقاً جمع المبعوث الأممى مارتن كوبلر بالسرّاج رئيس المجلس، داخل مكتب الأخير بقاعدة أبوستّة البحرية بالعاصمة طرابلس، نشبت على أثره مشاجرة بينهما!!

دول الجوار هى الأكثر انزعاجاً من تدهور الأوضاع فى ليبيا، ما دفعها لمحاولة التدخل لوضع حد للأزمة المتصاعدة، تونس التى اقتصرت تعاملاتها على حكومة الوفاق، استقبلت عقيلة صالح ووزير خارجيته، وطرح الرئيس السبسى مبادرة لعقد قمة ثلاثية تجمعه والرئيسين المصرى والجزائرى، لبحث تسوية الأزمة الليبية.. الجزائر رغم علاقاتها بالإسلاميين وقادة الميليشيات المسلحة إلا أنها باتت أكثر انفتاحاً على الجيش الوطنى، استقبلت حفتر، ووفد مجلس النواب الليبى، ونسقت مع القيادى الإخوانى على الصلابى، بشأن مبادرة للحوار -برعاية جزائرية- تجمع بين السراج ومعارضى الاتفاق السياسى.. مصر التى تدعم الجيش الوطنى استقبلت السراج رئيس «المجلس الرئاسى للوفاق»، ووفد المجلس الأعلى للدولة فى طرابلس، الممثل للتيار الإسلامى، واستضافت ثلاثة اجتماعات أيام 13 و27 و31 ديسمبر، لوفود ليبية ضمت أعضاء بمجلس نواب طبرق، واتفق المجتمعون على تعديل المواد والملاحق الخلافية فى «اتفاق الصخيرات»، بشكل يراعى التوازن الوطنى، واستقلالية المؤسسة العسكرية، وإعادة هيكلة المجلس الرئاسى ليقتصر على ثلاثة أعضاء بدلاً من تسعة، وفصله عن الحكومة، تحقيقاً للتوافق الوطنى.. الجامعة العربية تجرى مشاورات لعقد قمة مصغرة تجمع الرؤساء السبسى، والسيسى، وبوتفليقة، والقمة الأفريقية المقرر انعقادها 25 يناير الحالى تُرتب لاجتماع لجنة عليا على مستوى القادة لمناقشة الأزمة.

الموقف فى ليبيا يزداد تدهوراً، والتدخلات الدولية تهدد بالمواجهة واقتسام النفوذ، وفق حسابات بعيدة عن مصالح الشعب الليبى والمنطقة العربية.. هل تنجح دول الجوار فى التنسيق دفاعاً عن أمنها، والأمن القومى للإقليم، أم أن اعتبارات التنافس ستقضى على آخر الآمال فى الإبقاء على ليبيا الموحدة؟!