بعد عام على اتفاق الصخيرات.. ليبيا خارج السيطرة!

وفاء صندى

وفاء صندى

كاتب صحفي

مرت سنة على اتفاق الصخيرات، ولا تزال الأزمة الليبية لم تراوح مكانها، بل ازدادت تفاقماً مع استقالة ممثل الجنوب، موسى الكونى، من منصبه، ليكون المجلس الرئاسى الليبى فى موقف صعب، بعدما بات جلياً عدم التنسيق فيما بين أعضائه وتعثر جهوده فى توفير الخدمات الأساسية للمواطنين، وتكون ليبيا قاب قوسين أو أدنى من الدخول فى حرب أهلية طاحنة، إذا ما تم التراجع عن اتفاق الصخيرات ومخرجاته، باعتباره الإطار السياسى الوحيد لتسوية الأزمة.

ولإنقاذ هذا الاتفاق المتعثر منذ انطلاقته، عقد رئيس مجلس النواب الليبى، عقيلة صالح، لقاء مع المبعوث الأمريكى للشأن الليبى «جوناثان وينر»، فى ديسمبر الماضى بالرباط، أكد فيه «صالح» أن السبيل الوحيد لموافقة البرلمان على الاتفاق تتطلب إدخال التعديلات اللازمة عليه، وفى مقدمتها المادة الثامنة، ومنصب القائد الأعلى، فضلاً عن إعادة النظر فى تركيبة المجلس الرئاسى الحالى فى ظل هيمنة الإسلاميين عليه.

ولأن خليفة حفتر الورقة العصية فى الأزمة الليبية، فقد التقى وينر بوفد تابع لحفتر، مكون من مستشاره فاضل الديب ونجليه، لإبلاغه برغبة «حفتر» فى الزحف على طرابلس والسيطرة عليها بالقوة العسكرية، وهو الأمر الذى رفضه «وينر» نهائياً، مشيراً إلى أن هذه خطوة خطيرة تمثل خرقاً للاتفاق السياسى الذى تم التوصل إليه بصعوبة، وأن «حفتر» عليه إدراك عواقب تحركه العسكرى، المتمثل أساساً فى سعى واشنطن إلى إعادة تجميد كافة الأصول والأرصدة الليبية فى الخارج، وتوحيدها لموقف المجتمع الدولى الرافض لهذا الانقلاب.

وفعلاً قامت أمريكا بتحركاتها، وقامت بالتنسيق مع فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وإسبانيا وألمانيا، قاد هذا التحرك إلى إصدار بيان عاجل يدعم المجلس الرئاسى ويرفض أى نوايا للانقلاب العسكرى على اتفاق الصخيرات.

وجاء فى بيان 23 ديسمبر الماضى، التأكيد على دعم حكومة الوفاق فى مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية ودعم حكومات الدول، سالفة الذكر، للاتفاق السياسى، لكونه خارطة طريق انتقالية للوصول إلى حكومة منتخبة بشكل ديمقراطى. ودعوة كافة الدول إلى دعم حكومة الوفاق الوطنى باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة فى ليبيا ورفض أى اتصال مع المؤسسات الموازية غير المنصوص عليها فى الاتفاق السياسى.

وجاء فى الإعلان أيضاً، إدانة التهديدات باستخدام القوة المسلحة فى ليبيا بما فيها طرابلس ودعوة كافة الأطراف لحل خلافاتهم من خلال الحوار والمصالحة الوطنية، وتشجيع المجلس الرئاسى لحكومة الوفاق على تقوية تماسكه الداخلى من أجل مواجهة التحديات فى ليبيا، وعلى رأسها التحدى الأمنى وحاجة المواطنين للإحساس بالأمان فى حماية قوات موحدة تخضع للرقابة المدنية، بما فيها الحرس الرئاسى المنوط به حماية المؤسسات الليبية. وأخيراً مناشدة كافة الأطراف للانخراط بجدية فى الحوار السياسى ودعم مساعى المجلس الرئاسى فى تنفيذ عملية انتقالية سليمة لتحقيق المصالحة الوطنية وإقامة حكومة منتخبة وموحدة تمثل كافة الليبين.

من جهته، قام حفتر بزيارة، مؤخراً، إلى الجزائر، حيث تم اللقاء بكل من وزير الخارجية ورئيس الوزراء الجزائرى، مما زاد الشكوك بخصوص مستقبل اتفاق الصخيرات. فهذه الزيارة، واللقاء الأول من نوعه مع رئيس الوزراء الجزائرى، يعد نقطة تحول أخرى فى الأزمة الليبية، ربما تترجم اقتناع الجزائر، بأهمية حفتر كطرف فاعل فى حل الأزمة الليبية. وهو الشىء الذى استغربته الدول الأوروبية التى عبرت عن عدم فهمها لسياسة الجزائر الغامضة تجاه ليبيا، أو ما أسمته «تحركات منفردة لا تتشاور الجزائر بشأنها مع الدول المعنية بالأزمة، مما يضع علامات استفهام حول موقفها المعلن بشأن عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول»، فضلاً عن تحسبها (الدول الأوروبية) لوجود خطة بديلة لدى الجزائر تسعى لطرحها فى حال فشل تطبيق اتفاق الصخيرات.

كل يوم يزداد الوضع الليبى تعقيداً، وكل الأطراف فى ليبيا متشبثة بمواقفها، وليبيا على المحك، فى ظل الاقتراب من فشل تطبيق اتفاق الصخيرات، مقابل عدم اكتراث خليفة حفتر بالاجتماع مع فايز السراج رئيس المجلس الرئاسى، فى ظل شعور «حفتر» المتنامى بالقوة بعد تمدده فى منطقة الهلال النفطى والانتصارات التى حققها فى بنغازى، مما يوحى بأنه لن يتفاعل مع أى طرح سياسى بمرونة، مما يعمق الأزمة أكثر ويفتح ليبيا على سيناريوهات أكثر سوءاً.

وضمير الوطن يحتم، فى هذه الظرفية الصعبة، ضرورة الإسراع فى جمع كافة أطراف المعادلة الليبية (مجلس النواب، الجيش الليبى، مجلس الدولة، المجلس الرئاسى، قيادات بعض القبائل) على مائدة الحوار، وعدم إضاعة الوقت فى الحسابات الضيقة والمشاورات الجانبية التى ستضيع على ليبيا فرصة تجاوز هذه المرحلة الصعبة وإعادة البناء، لأن تطورات الأوضاع الميدانية قد تخرج عن السيطرة، مما يعنى إحراق ليبيا.