فى البحث عن السعادة

الفيلم اسمه «العدوّ على الأبواب»، أو «Enemy at the Gates»، وقد أُنتج فى العام 2001، ليحكى قصة على هامش معركة ستالينجراد الشهيرة، التى انكسر فيها الغزو الألمانى للاتحاد السوفييتى فى الحرب العالمية الثانية.

كان المسئول العسكرى السوفييتى «دينلوف» يريد أن يخلق أسطورة ترفع الروح المعنوية للجنود السوفييت، فانتقى قناصاً مغموراً يُدعى «زايتسيف»، وجعل منه بطلاً قومياً. وبالفعل فقد تطورت قدرات القنص لدى «زايتسيف»، وأصبح رقماً مهماً فى المعركة، وفى رفع الروح المعنوية لجنود الجيش الأحمر.

كان «دينلوف» صديقاً وفياً لـ«زايتسيف»، وكان مُلهمه، وبابه إلى المجد وتحقيق النصر، بعدما أخرجه من الظلمات إلى النور، وقضى على تردده واهتزاز ثقته فى نفسه.

ما يهمنا فى هذا الفيلم هو مشهد واحد مؤثر للغاية لم يلتفت إليه كثيرون. لقد أحب «دينلوف» فتاة يهودية جميلة، لكن تلك الفتاة أحبت «زايتسيف»، وفى هذا المشهد بالذات كان «دينلوف» يعاتب «زايتسيف»، محاولاً أن يشرح له أن «مجتمع المساواة» الذى أراد الحزب الشيوعى السوفييتى خلقه ليس سوى خيال، وأن المساواة لم تجلب السعادة، لأنها يمكن أن تساوى بين المواطنين فى التعليم، والصحة، والسكن، والعمل، والراتب، والمواصلات العامة، لكنها لا تستطيع أن تمنحهم المساواة فى الحب، ومن ثم فى السعادة.

سيأتى بعد ذلك ملك بوتان السابق «جيجمه سينجى»، وسيكرس نفسه لمحاولة إسعاد شعبه الصغير البالغ عدده نحو 700 ألف نسمة، والذى يعيش فى جبال الهملايا بين الهند والصين، عبر آليات تحقيق المساواة، وصولاً إلى إدراك «السعادة الوطنية الإجمالية».

لا يبدو أن الملك نجح فى ذلك، وقد تخلى عن الحكم فى 2006 لنجله، وبعدها جاء رئيس الحكومة ليؤكد أن ثمة مبالغة فى الاعتماد على مؤشر «ناتج السعادة الوطنية الإجمالية»، الذى اقترحه الملك السابق، خصوصاً بعد تفاقم معدلات البطالة ونزوح المواطنين من الريف إلى المدينة.

فى الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضى، ظهرت موجة من الأفلام السينمائية المصرية التى تراوح حول موضوع واحد تقريباً؛ هو موضوع علاقة الثراء بالسعادة.

لعلك تذكر أسماء الأفلام من نوع «لو كنت غنى»، و«المليونير»، و«سفير جهنم»، و«الفانوس السحرى»، وغيرها. هى أفلام ظريفة ومسلية حقاً، لكن لسنوات طويلة لم أكن أستطيع أن أمنع نفسى من انتقادها ولوم القائمين على إنتاجها، بل واتهامهم بلعب «أدوار تخديرية» لجمهور هذا الزمان، الذى كان مسحوقاً بالفقر، فى ظل مجتمع طبقى إقطاعى، استأثرت الطبقة الارستقراطية فيه بمجمل الثروة الوطنية، وتركت الطبقات الأدنى تعانى الجوع والعرى والحفاء.

تنتهى تلك الأفلام عادة بنهاية واحدة تقريباً، يقتنع فيها الثرى بأن ثراءه لم يحقق له السعادة، بل قاده وعائلته إلى التعاسة والهلاك فى بعض الأحيان، ويتأكد معها الفقير بأن الفقر «مصدر للسعادة» وأن وضعه المالى جعله فى مكانة أفضل من ذلك الذى ينعم بالثراء.

لقد قامت ثورة يوليو لاحقاً، وجاء الزعيم الراحل جمال عبدالناصر لينقلب على مجتمع «النصف فى المائة»، الذى يمتلك الثروة والأرض الزراعية، ويحاول أن يصحح الأوضاع من وجهة نظره، فيحدد الملكية الخاصة، قبل أن يؤممها، ثم يوزع ما تم مصادرته وتأميمه على المعدمين.

أراد عبدالناصر أن يحقق السعادة من خلال المساواة، لذلك فقد بنى بيوتاً متشابهة، وكرس مجانية التعليم، ومنع استيراد البضائع الاستهلاكية الفاخرة.. وأخيراً، فقد حاول توظيف الجميع لدى الحكومة/ الدولة، برواتب متقاربة.

لم تُجرَ استطلاعات رأى موثوقة فى ذلك الزمان لتختبر مدى قدرة «سياسات تعزيز المساواة» على جلب السعادة للمواطنين، لكننا بتنا نعرف الآن، على الأقل، أن موجة من السياسات الانفتاحية التى عززت الرغبات السريعة فى الثراء والتنافس الاجتماعى والمباهاة بحجم الاستهلاك، ضربت التوجه نحو «المساواة» و«تقليل الفوارق» بعد رحيل عبدالناصر بسنوات قليلة.

أطلق الرئيس الراحل السادات سياسة «الانفتاح الاقتصادى»، التى ستُعرف لاحقاً بـ«الانفتاح الاستهلاكى»، والتى ستحقق نمواً دفترياً ومظاهر تحديث زائفة، استناداً إلى فيض من المساعدات الأجنبية، وتراجع الإنفاق العسكرى، وتدفق تحويلات ضخمة من العاملين بالخارج، لكنها لم تجلب الاستقرار ولا الثراء، ولا السعادة بالطبع.

ستظهر أفلام لاحقاً فى سبعينات القرن الماضى وثمانيناته توثق تلك المرحلة، وتشرح كيف انطوى النمو والسعى إلى الثراء والنزعات الاستهلاكية على عوار وخلل قيمى واجتماعى هائل. لعلك تذكر أفلاماً مثل «انتبهوا أيها السادة»، و«أهل القمة»، وغيرها، وهى أفلام أرادت أن تقول إن آليات الثراء السريع أنتجت مجتمعاً مشوهاً، وقلبت الأوضاع الطبقية، وجعلت المال عنواناً للصعود الاجتماعى.. وأخيراً فقد أضاعت القيم، ولم تجلب السعادة.

لقد اهتم باحثون عديدون بمفهوم السعادة، وسعى بعضهم لمحاولة قياسه مقارنة بالنمو والثراء، من بين هؤلاء الاقتصادى الشهير روبرت إيستيرلين، الذى نشر ورقة بعنوان «هل يحسن النمو الاقتصادى مصير البشر؟ بعض الأدلة التجريبية»، فى العام 1974، وبعد أن قارن بين نصيب الفرد من الدخل ومستويات السعادة المعلنة فى عدد من البلدان، توصل إلى استنتاج مذهل وهو: ربما لا.

لقد وجد إيسترلين أنه عند مستوى أعلى بقليل من الدخل المنخفض (يكفى لإشباع الاحتياجات الأساسية)، فإنه لا توجد علاقة بين السعادة والناتج الوطنى الإجمالى لكل شخص، أى بعبارة أخرى فإن الناتج الوطنى الإجمالى هو مقياس خاطئ للرضا عن الحياة.

ومما يدعم هذا الطرح أن نسب الانتحار تتزايد فى بلدان تعرف أكثر معدلات التنمية الاقتصادية وأكبر معدلات الدخل الفردى، كما تشيع أنماط الاضطراب النفسى بين الطبقات الأكثر ثراء فى بعض المجتمعات.

ليست تلك محاولة لتحليل مفهوم السعادة فى السينما بالطبع، لكنها محاولة للتذكير بأن السعادة ليست مرتبطة بمستوى اقتصادى معين، ولا معدل نمو، ولا تزدهر كذلك فى مجتمع يتساوى فيه الجميع، وتنعدم المنافسة، ومعها الرغبة فى التميز.

هنا أيضاً ستعود السينما العالمية لتذكيرنا بأن المجتمعات التى حكمتها النظم الشيوعية السابقة فى الاتحاد السوفييتى وشرق أوروبا لم تكن تشعر بالسعادة، وبعيداً عن السينما، سيخبرنا تدفق الألمان الشرقيين عبر سور برلين عقب انهياره بذلك أيضاً.

لقد سعى علماء وباحثون إلى تطوير مؤشرات لقياس السعادة، معتمدين على تركيبة من بعض العناصر، مثل: الكفاية، والصحة، والترفيه، والقدرة التنافسية، والشعور بالأمن، والحرية، وسهولة الحياة وجودتها.

بالنظر إلى تلك المؤشرات، سيبدو أننا كمصريين أصبحنا «أبطال العالم فى التعاسة»، لأن أوضاعنا تتدهور فيها جميعاً على مدار اليوم تقريباً.

ومع هذا، فـ«ما زال على الأرض ما يستحق الحياة»، كما يقول محمود درويش، ومن ذلك: دعاء أمك، والابتسامة تضىء وجه ابنتك، والنظرة فى عينى حبيب، والجلوس على المقهى مساء مع الأصحاب، وتهنئة صادقة تصلك مطلع العام من رفاق بعيدين.

حافظ على ما تبقى من تلك الأشياء إن استطعت، لأنها قد تصبح كل ما يمكنك الحصول عليه فى رحلة بحثك عن السعادة. وكل عام وأنت بخير.