ما أشبه اليوم بالأمس القريب

د. لميس جابر

د. لميس جابر

كاتب صحفي

تسلم محمد على حكم مصر عام 1805 وكانت وقتها ولاية تابعة للسلطان العثمانى غير مستقلة بذاتها.. وكانت أيضاً شبه دولة.. مهلهلة بعدد كبير من فرق العسكر المرتزقة التى كانت دوماً تهاجم الدكاكين والمنازل وتنهبها وتسرقها بالإكراه. وأيضاً مثقلة بالضرائب بعد خروج الفرنسيين وخزانة الدولة خاوية والشعب يئن من الضرائب التى صعدها الولاة العثمانيون قبل مجىء محمد على، الذين كانوا ينهبون قدر استطاعتهم خلال فترة حكمهم لمصر لمدة عام واحد.. وكان المماليك يمتلكون أراضى مصر كقطاعات كبيرة يأخذون ضرائبها من الفلاحين ويغيرون على القرى يسرقون الأقوات بل والبنات والصبيان، وبعد عامين من حكم محمد على جاءت حملة رشيد الإنجليزية واستهلكت من خزينة الدولة أكثر وأكثر.. كان الجبرتى يكتب عن زيادة الأسعار المتواصلة ويسب ويلعن فى زيادة الضرائب والظروف والأحوال، وأثناء كل هذه المشاكل بدأ محمد على فى عام 1806 فى إقامة سد على ترعة كانت تعرف بالترعة الفرعونية، وكانت تصل بين فرعى الدلتا دمياط ورشيد، وكان فرع دمياط أعلى فى منسوب الأرض عن فرع رشيد، فكانت المياه تقل بشدة فى فرع دمياط حتى تغزو مياه البحر المالحة مياه النيل فتضر بزراعة الأرز ضرراً شديداً وتضر الزراعة عموماً فى منطقة المنصورة والبلاد التى تقع شمالها.. وفى عام 1809 انتهى الجسر وكان فى عام 1808 قد بدأ فى تشييد جسر أبوقير.. فقد كانت منطقة أبوقير الحالية كلها بحيرة مالحة يفصلها عن البحر جسر ضعيف تم هدمه عدة مرات كان آخرها بعد خروج الإنجليز مهزومين فى حملة رشيد 1807 وكانت بالهدم تتصل بالبحر فتغمر مياهه مساحة شاسعة تحولها إلى خراب.. وانتهى بناء هذا الجسر عام 1816 أى بعد ثمانى سنوات متواصلة وكان ضخماً يشبه الكبارى الحديثة الآن، ووصفه أحد المعاصرين وقال إنه مشى فوقه لمدة ساعتين كاملتين وكان راكباً فوق حمار.. وبعد نهاية جسر أبوقير قرر حفر ترعة المحمودية من أجل إحياء الزراعة فى منطقة مديرية البحيرة كلها وحتى مدينة الإسكندرية، وجعل من ترعة المحمودية طريقاً للمواصلات النيلية بين القاهرة والإسكندرية وكانت من قبل عن طريق بولاق ثم فرع رشيد ثم الخروج من بوغاز رشيد والتوجه غرباً إلى الإسكندرية عن طريق البحر، وكان فى ذلك الوقت اجتياز بوغاز رشيد شديد الصعوبة، وكثيراً ما كانت المراكب تتعطل (واقتضى حفر هذه الترعة مجهودات شاقة ومتاعب جسيمة وضحايا كثيرة احتملها المصريون وصابروا وصبروا) (الرافعى) وعندما افتتح محمد على الترعة عام 1820 كانت أراضى بحيرة أبوقير قد جفت ولكنها كانت أراضى مملحة جرداء عسرة الزراعة. فقرر فتح مياه ترعة المحمودية على الأراضى كلها لمدة كافية لتطهيرها من ملوحة البحر، وتحولت الأراضى المقفرة إلى مناطق زراعية، واتصلت بالإسكندرية نفسها التى انتشرت فيها الحدائق الشاسعة واتسع التعمير فى المدينة وأقيمت قصور الأغنياء على ضفاف الترعة، وكان أشهرها قصر «محرم بك» قائد الأسطول المصرى وزوج ابنة محمد على الذى فتح حدائق قصره الشاسعة للناس ليتنزهوا فيها.. وما زال الحى باسمه فى الإسكندرية إلى يومنا هذا.. وصارت السفن تحمل حاصلات البلاد ووارداتها فى مياه المحمودية مما ساعد على ازدهار التجارة من دمنهور إلى الإسكندرية وانعكس على باقى أنحاء البلاد، وأثناء المشروعين العملاقين كانت البعثات قد بدأت منذ عام 1816 لدراسة الطباعة وصناعة الحبر والورق لتبدأ إقامة المطابع فى مصر، وفى نفس هذا التوقيت كانت الحروب الوهابية ما زالت تدور فى أراضى الحجاز وتم أيضاً حصر شامل للأراضى الزراعية فى مصر كلها من الشمال إلى الجنوب، وتم أيضاً مصادرة أراض كثيرة موقوفة بلا مستندات وصادر أيضاً (مسموح المشايخ) وكانت أراضى تمنح للعلماء والمشايخ معفاة من الضرائب وربما كان هذا سبب الخلاف بين محمد على وعمر مكرم، وأيضاً سبب غضب الجبرتى وهجومه على محمد على دائماً واتهامه بالظلم، وعندما اشتكى له العلماء واجههم بأنها أراض معفاة من الضرائب، وهم يأخذون ضرائبها من الفلاحين من وراء ظهره.. وسيطر محمد على على معظم أراضى مصر الزراعية ليبدأ بها نهضة زراعية لم تحدث قبله، وتوالت المشاريع الكبرى فى حفر الترع وإنشاء السدود على طول أراضى مصر، وبدأت المصانع وأقيمت كلية الطب عام 1826 وقبلها الهندسة، وأثناء ذلك كله بدأ التجنيد الإجبارى لتأسيس جيش وطنى مصرى بعد ألفى عام من الاحتلال، وبالتوازى كانت البعثات الكبرى قد بدأت عام 1826 أيضاً فى شتى نواحى العلم المدنى والعسكرى والترجمة.. تسلم محمد على مصر بلا مطبعة وتركها وفى مصر ثمانى مطابع، إحداها المطبعة الأميرية الباقية إلى يومنا هذا، ظل محمد على يحارب فى الحجاز واليونان ويواجه مؤامرات من السلطان والمماليك ويشيد فى نفس الوقت مشاريع عملاقة، وظل الجبرتى أيضاً حتى مماته يشكو من ارتفاع الأسعار وزيادة الضرائب وظلم محمد على.. وربما اضطر مرة واحدة للإشادة به بعد بناء سد أبوقير وقال (لو كان محمد على يتحلى بالعدل لكان فريد عصره وأوانه) فى إشارة إلى عظمة المشروع.. ولكن الحقيقة التاريخية تقول إن نهضة الأمم تكون بتنمية الثروة والمحافظة على كيانها المالى، وهما من دعائم الاستقلال مع الجيش القوى.. ولن يكون قرار الدول مستقلاً إلا إذا استند على استقلال مالى واقتصادى، وكانت هذه العوامل هى بداية نهضة مصر الحديثة أيام محمد على، الذى قال يوماً لأحد الفرنسيين: «أعرف أن المصريين يشتكون ولكن ما أقوم به الآن سوف يحصدون نتائجه بعد ذهابى» وبالفعل تركها ناهضة عامرة حديثة ومستقلة رغم التحديات.. وما أشبه اليوم بالبارحة.