«داعش» يدخل مجال تصنيع السلاح

خالد عكاشة

خالد عكاشة

كاتب صحفي

الضربات التى يتلقاها «تنظيم داعش» على الساحة العراقية، خاصة فيما يمكن تسميته بـ«الانحسار الكبير»، بعد أن كانت شهرة التنظيم قد بلغت آفاقاً مدوية فى عامى 2014 و2015م لدرجة اعتماده عالمياً وإعلامياً باسمه الذى لم يتخل عنه، تنظيم «الدولة الإسلامية» بما للتسمية من بريق وألق السطوة والصعود الصاروخى، الذى وضعه على صدارة «العمل الجهادى» وفق تعبيره ورأس «الخطر العالمى» بتسميتنا نحن، دولة التنظيم فى ذروة تمددها شملت ثلاث محافظات بسوريا وأتبعها بثلاث مهمة للغاية فى العراق، لكن مع قدوم النصف الثانى من العام 2016م بدأ يفقدها تباعاً حتى وصل القتال اليوم إلى أبواب بيته فى الموصل بالعراق. فهل دخل التنظيم فعلاً طور الانحسار، لا سيما ومسببات نشأته ما زالت حاضرة بالسياسة وبالمذهب وبموازين قوى، اختارت تلك الجغرافيا التى داعش فى القلب منها لتدير معارك تكسير العظام وتقاسم النفوذ.

لذلك قد يكون الحديث عن تقدم ما يحرزه التنظيم اليوم محفوفاً بالشك، وربما مثيله من الشك فضلاً عن التوجس فى حال تصور لملمة التنظيم أمتعته، ليتبخر من الأرض التى نبت فيها وحكمها يوماً ونما بهدوء فى نسيجها العضوى. ووفق هذا الغموض الذى كثير منه اصطناعى حول مستقبل التنظيم ومقاتليه فى معادلة ترتيب جغرافيا منطقة ما زالت على حافة مخاطر مفتوحة، صدر الأسبوع الماضى تقرير عن وكالة «رويترز» تستعرض فيه تقارير تتحدث عن وصول داعش لقدرات تصنيعية لأسلحة بمواصفات عسكرية قياسية، هكذا عنونت «رويترز» تقريرها استناداً لمؤسسة بحثية مستقلة (معهد بحوث تسلح الصراعات CAR)، حيث أشار مجموعة مراقبى الأسلحة بالمعهد إلى أن مسلحى داعش ينتجون أسلحة على نطاق واسع ومتطور، يضاهى منتجات قوات عسكرية وطنية، وتلك الأسلحة تحمل شعار «الخلافة»، ووفق معهد البحوث فإن الجماعة الجهادية امتلكت «سلسلة توريد قوية» للمواد الخام من تركيا، امتازت بالدقة العالية والتقنية المتطورة، بحيث لا يمكن وصفها أبداً بأنها أسلحة بدائية.

هذا التقرير تم إعداده بعد زيارة المراقبين الشهر الماضى لستة مرافق تعمل شرق الموصل، ليدونوا فى مشاهداتهم أنه على الرغم من توظيف مرافق التصنيع لمجموعة من المواد غير القياسية والقليلة الجودة، إلا أنها تقدم نموذجاً لنظام إنتاجى صناعى معقد قادر على تقديم منتجات ذات جودة ملحوظة، الجيش العراقى شن عملية واسعة ضد التنظيم لاستعادة السيطرة على المدينة الرئيسية الشمالية «الموصل»، لكن الحملة بدت مرهقة مما دفع الجيش العراقى للتوسع فى مجال استعانته بالقوات الأمريكية، فضلاً عن ميليشيات الحشد الشعبى، وكلاهما قبل بدء العملية كانت هناك محاذير متعددة من مشاركتهما فى مناطق يحظى فيها التنظيم بحواضن شعبية كبيرة، لكن تقدم الجيش العراقى رغم أنه سيطر على ما يقرب من ثلث المدينة، إلا أنه كان بطيئاً جداً وخلف عواقب لم تكن فى حسبانه حين اضطر لخوض معارك بين الأحياء والمناطق الحضرية فى المكان، مما دفعه الآن لوقفة قد تمتد لفترة تقييم والتقاط أنفاس.

وما زلنا مع نص ما ورد بتقرير «رويترز»، الذى أوضح أن المعهد الذى يحدد ويقيس الأسلحة والذخائر خلال الصراعات، دون أن المرافق التى زارها كانت جزءاً من نظام أنتج أسلحة تطابق المبادئ التوجيهية الصادرة عن السلطة المركزية للتنظيم، وتضمنت تقارير المراقبين أيضاً تفصيلاً عن المنتجات المنظمة للمصانع ومعدلات الإنتاج والجودة، التى ساعدت على ضمان توحيد الأسلحة فى أراضى داعش المترامية ما بين سوريا والعراق، وقد تم بواسطة الاختصاصيين معايرة «قذائف مورتر» وجدت بصيغة موحدة فى كافة مناطق داعش، وسجل أنها عادة تصل إلى (10 ملم) لكى تتناسب مع أنابيب الهاون التى تنتج فى المرافق الموجودة فى الأماكن الأخرى، حيث تم توثيق أن تنظيم داعش تمكن من إنتاج عشرات الآلاف من صواريخ وقذائف الهاون، قبل بدء عملية الهجوم على مدينة الموصل من قبل الجيش العراقى وحلفائه، ووفق نص تقرير المعهد فإن سلسلة الإنتاج هذه تطلبت الاتساق فى توريد المواد الخام، وهو ما تم فعلاً عبر شبكة الاستحواذ الكبرى فى تركيا، التى كانت تمر فى سلسلة توريدها عبر مجموعة محطات بسوريا ثم إلى الموصل.

وصف تقرير المعهد أن قدرات داعش فى صناعة الأسلحة فضلاً عن المزايا التقنية التى تتمتع بها، كان التنظيم يسعى من خلال هذا النشاط لأن يعكس امتلاكه لمهام قوة عسكرية وطنية، فى محاولة منه لإضفاء الشرعية على قدرة مشروع التنظيم وإظهار التماسك فى أعين المقاتلين، وهو ما أشير إليه عن التدريبات المتطورة التى يوفرها التنظيم لمقاتليه فى مجال صناعة وزرع العبوات الناسفة، وهى من المجالات التى يوليها التنظيم اهتماماً كبيراً ويطور من يجتازها بنجاح للدخول فى تقنية زراعة الألغام وتركيب الشراك الناسفة الخداعية، وهى مما استخدمها بكفاءه على أكثر من ساحة بأعداد مقاتلين استطاعوا تحقيق نجاحات فى عمليات السيطرة والإغارة، ولفت نظر المراقبين استخدام تلك المهارات على نطاق واسع فى تنفيذ انسحاب مدروس من بعض قطاعات معركة الموصل، والنشاط التدريبى الأخير الذى تم رصد أسلحته والعاملين على تشغيله تمثل فى تأهيل المقاتلين على التعامل وتشغيل أنظمة الأسلحة المعقدة فى مجال الصواريخ، خاصة الموجهة والمضادة للدبابات والدروع والقادرة فى بعض استخداماتها على تنفيذ عمليات إغارة.

مجموعة باحثين ومراقبين متخصصين وتقارير يوجد الكثير من الدلائل والمصادر الأخرى التى تؤكد كثيراً مما جاء بها، جميعها تصف حالة تنظيم يقوم ربما بتراجعات تكتيكية على الأرض، ويناور أمام قوة تفوقه فى القدرات، لكنها على الإطلاق لا تبدو عاكساً لتنظيم يستعد للرحيل قريباً.