المذاهب الأربعة أوجبت على «الذمى» أداء الجزية.. و«المالكية» اشترطت «صفعه».. و«الحنفية» حظرت توليه أعمالاً سيادية

كتب: سعيد حجازى وعبدالوهاب عيسى

المذاهب الأربعة أوجبت على «الذمى» أداء الجزية.. و«المالكية» اشترطت «صفعه».. و«الحنفية» حظرت توليه أعمالاً سيادية

المذاهب الأربعة أوجبت على «الذمى» أداء الجزية.. و«المالكية» اشترطت «صفعه».. و«الحنفية» حظرت توليه أعمالاً سيادية

«الإسلام لم يُعطِ أحكاماً محددة فى الأمور المتغيرة حتى لا يتوقف الزمن عندها»، هذا ما يؤكده غالبية علماء الدين الإسلامى، ويرددونه دائماً، دون واقع ملموس؛ فقد عانى المصريون من دعوات البعض للالتزام بالمسائل الاجتهادية التى توارثها المسلمون من أئمة العصور الأولى، رغم اختلاف الأزمنة والأزمات، ومنها مسائل تتعلق بأوضاع المسيحيين واليهود، أو «أهل الذمة» كما يصفهم التراث، وما زالت النظرة إليهم مشوبة بالعداء والكراهية والحروب التى كانت غالبة فى العصور الماضية وقت كتابة هذا التراث.

وفرضت الشريعة الإسلامية على أهل الذمة دفع الجزية نتيجة عدم اعتناقهم الإسلام، إلا أن تطبيقها كان بأسلوب غريب، حسب الأئمة الأربعة، فـ«الشافعية» لهم رؤية فى الجزية نقلها «الماوردى»، قائلاً «إن دفع غير المسلمين الجزية كان مقابل الكف عنهم وحمايتهم، وما حظوا به من حقوق كثيرة. فالمسلمون قبل غزو أى بلد كانوا يطلبون من أهله اعتناق الإسلام، ومن يمتنع تُفرض عليه الجزية تطبيقاً لقول الله تعالى {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، فالآية السابقة سبب وضع الجزية، وعقد الذمة بحسب الموسوعة الفقهية، هو إقرار الكافر على كفره بشرط دفع الجزية، والتزام أحكام الإسلام الدنيوية، والغرض منه أن يترك الذمى القتال مع احتمال دخوله الإسلام عن طريق مخالطته بالمسلمين، ووقوفه على محاسن الدين، فكان عقد الذمة للدعوة إلى الإسلام، لا للرغبة أو الطمع فيما يؤخذ من جزية».

{long_qoute_1}

ووضع الفقه الإسلامى بمذاهبه الأربعة الرئيسية شروطاً لنقض «عهد الذمة» وتحول المسيحيين من ذميين آمنين إلى أعداء صرحاء، فأجمعت المذاهب على أن تسلح غير المسلم ضد المسلمين أو انتمائه لمن يحاربون الإسلام يُنهى عقد الذمة، وكان هذا الشرط هو الوحيد لسقوطه عند «أبى حنيفة»، فيما زاد عليه «الشافعى» رفض الذمى الخضوع لقوانين وأحكام الأمة الإسلامية ودفع الضرائب، وزاد عليهما الإمام مالك أن يفتن الذمىُ مسلماً عن دينه، أو يؤوى جواسيس وعيوناً للأعداء، أو يقتل مسلماً متعمداً، أو يسب النبى أو القرآن أو الدين الإسلامى، وزاد «الحنابلة» أن يزنى بامرأة مسلمة.

ووضع الفقهاء فى وقت لاحق شروطاً لإقامة المسيحيين فى البلدان الإسلامية، توضح بشكل كبير حالة التعالى الدينى التى تملكت فقهاء المرحلة الوسطى من التاريخ الإسلامى، ومن هذه الشروط ضرورة تمييز المسيحيين عن المسلمين، منها ارتداؤهم زياً موحداً فى اللون والشكل ليُعرفوا فى الطرقات والأسواق، وعدم السماح لهم برفع بيوتهم أعلى من بيوت المسلمين، وحرَّموا عليهم دق نواقيس الصلاة، وقراءة الإنجيل بصوت عالٍ، ومنع شرب الخمر فى الطرقات أو حمل الصليب، وفُرض عليهم دفن موتاهم دون عويل، ووصلت محاولات التمييز بين المسلمين وغيرهم إلى عدم السماح لهم بركوب الخيل لما فيها من رمز للعزة وتحديد الحمير فقط كركوبة لهم.

وقال الإمام «البهوتى»، أحد فقهاء المذهب الحنبلى، فى «الروض المربع»، من كتب «الحنابلة»: «ويُلزمهم، أى الحاكم، التميز عن المسلمين بالقبور بأن لا يدفنوا فى مقابرنا، والحُلى بحذف مقدم رؤوسهم لا كعادة الأشراف ونحو شد زنار -تمييز الزى- ولهم ركوب غير الخيل كالحمير بغير سرج فيركبون بإكاف (وهو البردعة) ولا يجوز تصديرهم فى المجالس، ولا القيام لهم، ولا بدؤهم بالسلام أو بكيف أصبحت أو أمسيت أو حالك ولا تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم وشهادة أعيادهم، ويمنعون من إحداث كنائس وبِيَع ومجتمع للصلاة فى دارنا ومن بناء ما انهدم منها، ويمنعون أيضاً من تعلية بنيان على مسلم، وإن علا وجب نقضه، ويُمنعون من إظهار خمر وخنزير، فإن فعلوا أتلفناهما، ومن إظهار ناقوس وجهر بكتابهم ورفع صوت على ميت، ومن قراءة قرآن ومن إظهار أكل وشرب بنهار رمضان، وإن صولحوا فى بلادهم على جزية أو خراج لم يُمنعوا شيئاً من ذلك».

{long_qoute_2}

ويُكرَه فى الفقه الإسلامى، ووفقاً لنظرة الريبة والحذر التى تملكت الفقهاء تجاه المسيحيين وكونهم موالين للدولة المعادية وهى الرومان، أن يستعين مسلم بذمى فى شىء من أمور المسلمين، مثل كتابة وعمالة، وجباية خراج، وقسمة فىء وغنيمة، وحفظ ذلك فى بيت المال وغيره ونقله إلا لضرورة.

وبحسب «البهوتى»، فى كتابه «كشف القناع عن متن الإقناع» فإن الذمى «لا يكون بواباً ولا جلاداً، ولا جهبذاً وهو النقاد الخبير ونحو ذلك لخيانتهم، فلا يؤمنون، ويحرُم توليتهم الولايات من ديوان المسلمين وغيره لما فيه من إضرار المسلمين للعداوة الدينية، نحو الاستعانة بهم فى القتال فى باب ما يلزم الإمام والجيش، ويُكره أن يستشاروا أو يؤخذ برأيهم لأنهم غير مأمونين، ويُكره للمسلم أن يستطب ذمياً لغير ضرورة وأن يأخذ منه دواء لم يقف على مفرداته المباحة وكذا ما وصفه من الأدوية أو عمله؛ لأنه لا يؤمن أن يخلطه بشىء من المسمومات أو النجاسات، ويكره أن تطب ذمية مسلمة ولو بينت لها المفردات للاختلاف فى إباحة النظر لكن ينبغى جوازه للضرورة كالرجل، والأولى أن لا نقبلها أى تكون قابلة لها فى ولادتها مع وجود مسلمة لما سبق».

ويمتد منع تولية أهل الذمة لأى أعمال إدارية أو سيادية إلى «الحنفية»، ففى «أحكام القرآن» لـ«الجصاص» فى باب «الاستعانة بأهل الذمة»، أن الله تعالى قال {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم}، وأن فى الآية دلالة على أنه لا تجوز الاستعانة بأهل الذمة فى أمور المسلمين من العمالات والكتبة، ومن ذلك أمور التصرف والولاية، وقد كره أصحابنا توكيل الذمى فى الشراء والبيع ودفع المال إليه مضاربة، وأن هذه الآية دالة على صحة هذا القول.

وعند «الشافعية»، قال «الشربينى»، أحد فقهاء المذهب، فى كتابه «مُغنى المحتاج»: «ولا يستعان بكافر، ذمى أو غيره، لأنه يحرم تسليطه على المسلم، ولا للإمام أن يتخذ جلاداً كافراً لإقامة الحدود على المسلمين».

وفى شرح «البهجة الوردية»، قال «ابن الصلاح»، أحد فقهاء الشافعية: «وينبغى منعهم من خدمة الملوك والأمراء كما يمنعون من ركوب الخيل». ونقل «ابن عابدين» فى حاشيته عن حافظ الدين النسفى: «إذا طعن الذمى فى دين الإسلام طعناً ظاهراً جاز قتله، لأن العهد معقود معه على ألا يطعن فإذا طعن، نكث عهده وخرج من الذمة».

ويحرم على المسيحى، وفقاً للرؤية الفقهية الإسلامية القديمة، تولى القضاء؛ فلا يصح تقليد غير المسلم القضاء على المسلمين. وعللوا ذلك بأن القضاء من باب الولاية وغير المسلم ليس له أهلية لأدنى الولايات وهى الشهادة على المسلمين. فبالأوْلى ألا يكون له أهلية لأعلاها وهى القضاء، وبهذا صرح الفقهاء من مختلف المذاهب كالحنفية والشافعية والشيعة الإمامية والزيدية والظاهرية.

واختلف الفقهاء فى جواز تولية غير المسلم القضاء على غير المسلمين، فقال «الشافعية» بعدم جواز تقليد غير المسلم القضاء على غير المسلمين، وفقاً لكتاب «مغنى المحتاج». وهو مذهب المالكية والحنابلة كذلك، لأنهم قالوا بعدم جواز شهادة غير المسلم على المسلم.

وقال الأحناف «يجوز تقليد الكافر القضاء، وإن لم يصح قضاؤه على المسلم حال كفره». وقالوا أيضاً «يجوز أن يُولَّى الذِّمى القضاء على أهل الذمة، وكونه قاضياً خاصاً بهم لا يقدح فى ولايته، ولا يضر كما لا يضر تخصيص القاضى المسلم بجماعة معينة من المسلمين»، وفقاً لكتاب «شرح العناية».

ولم يحدد الفقه الإسلامى مقداراً للجزية الواجب على المسيحيين دفعها للولاة المسلمين، فيما اهتم بطريقة الدفع على أن تشهد «امتهاناً كبيراً»، ففى المذهب الحنفى «ينبغى أن تؤخذ الجزية على وصف الذل والصغار، وفقاً لقوله تعالى {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون}، فيكون الآخذ قاعداً والذمى قائماً بين يديه ويؤخذ بتلابيبه ويهزه هزاً، ويقول له (أعطِ الجزية يا عدو الله)، ولا تجرى فيها النيابة لأنها عقوبة».

وفى «المالكية»، يقول القرافى، أحد فقهاء المذهب، فى «الذخيرة» إن شرط إعطاء الجزية إذلال الذمى عند الأخذ منه، وقال الإمام «الدسوقى» من فقهاء المالكية، فى حاشيته على «الشرح الكبير»: «ويصفع على قفاه عند أخذها».


مواضيع متعلقة