بروفايل| أحمد راتب.. الفن "هندسة"

بروفايل| أحمد راتب.. الفن "هندسة"
ينبع الفن من داخله وكأن الدنيا كلها تُمثِّل معه وهو طائر معها، يفعل ما يحلو له دون أن يكون "كائنًا بوهيميًا" أو غجريًا كما يشير المصطلح، مهندس برع في الفن، حتى صار نجمًا تليفزيونيًا وسينمائيًا وإذاعيًا بالنهاية جنى نجوميته من ثمار سنين طويلة من العزيمة والإصرار والإيمان بما يفعله، ليصبح بينه وبين الشاشتين الكبيرة والصغيرة وأمام الجمهور على المسرح حالة عشق أبدية، يجيد الكوميديا والتراجيديا إجادة واحدة، لا تختلف أذن على نبرته المميزة إذا ما جاءهم من أثير الراديو، وتحفظ العين ملامح وجهه، تتوق إلى طلته على التليفزيون، فنجم مثل "أحمد راتب" دائمًا يُقدِّم ما يستحق المشاهدة.
وُلد في منطقة السيدة زينب بعد أن نزح والده من الصعيد، وككثيرين عهدوا على تعليم أبناءهم حتى يحصلون على الشهادات العليا ليحققوا ما لم يسفعهم الحظ لعمله، ومن أولئك النجم السينمائي الذي التحق بكلية الهندسة ليحقق حلم أبيه في أن يكون مهندسًا ولكنه رسب في عامه الدراسي الأول، ليفصح عما بداخله من رغبة في دراسة التمثيل، ليوافق والده على شرط ألّا يخبر شقيقه الأصغر حتى لايتأثر ويصيبه الضيق لكونه كان فخورًا بأن أخيه سيصير مهندسًا، وهو ما كان معهد الفنون المسرحية.
حمل لقب "مهندس" رغم تقديمه إقرارًا من الكلية لمعهد الفنون المسرحية، وبرغبته في الدراسة بالمعهد، إلا أن الموظفين نسيوا أوراقه وظل ملتحقًا بكلية الهندسة جامعة عين شمس يدرس فيها إلى جانب دراسته بمعهد الفنون المسرحية، وبعد 4 سنوات أصبح حاملًا لشهادتين في الوقت ذاته من الجهتين، واختار الالتحاق بالجيش بشهادة المعهد.
لم تفارقه السينما حتى فترة التجنيد، والتحق بالوحدة العسكرية داخل ستوديو جلال عام 1976، ليعود إليه نجمًا يصور فيه أحد مسلسلاته، وانطلق إلى عالم الشاشة الفضية بمشاركته في فيلم "العاشقة" من بطولة عمر خورشيد وإخراج عاطف سالم.
"الشاب الطويل الرفيع أبو عنين واسعة ومناخير طويلة"، وصفٌ وصفه له النجم جورج سيدهم، ليكلف فريق العمل بالبحث عن ذلك الشاب، الذي شاهده بحلقتين في التليفزيون، وكان اسمه مع أسماء عدة لا يُعرف هو أي اسم فيهم، لكن شكله كان علامة رسخت في ذهن نجم الكوميديا، الذي طلبه للعمل معه في مسرحية "من أجل حفنة نساء"، والتي شاهده فيها النجمان فؤاد المهندس وعادل إمام.
وقف بين الوجوه الجديدة واحدًا منهم يفكر فيما سيأتي وتأخذه رهبة لقاء الجمهور، الذي يصفق للنجوم الكبار بعد انتهاء عرض مسرحية "من أجل حفنة نساء"، حتى تشاور عليه الأيادي "هو أهو"، فيجد النجم عادل إمام على المسرح بعد أن شاهد العرض يبحث عن الوجه الجديد ويخبره، "أنت كويس كمل كدة مثّل بس، الكوميديا هتطلع منك لوحدها اوعى تتعمد تعمل حاجة غير ده"، ليجمعهما بعد ذلك أول لقاء بينهما بعد 3 أو 4 سنوات من تلك المرة، ويشاركه فيلم "قاتل مقاتلش حد" من إخراج محمد عبد العزيز، ولكنه لم يكن الأخير، بل صار اسم "أحمد راتب" علامة بارزة على الأفيش في أهم أفلام "الزعيم"، خاصة السياسية منها، كـ"طيور الظلام"، و"الإرهاب والكباب"، و"الإرهابي"، و"السفارة في العمارة"، وحتى على خشبة المسرح، عندما شاركه في بطولة "الزعيم".
متلازمة "همثل إمتى إما تبقى معروف، طب هبقى معروف إمتى يقولولي أما تمثل" كانت رفيقًا له طوال السنوات التي اجتهد فيها ليثبت نفسه فنيًا، عاقدًا العزم على السفر إلى إحدى الدول العربية ليدرّس مسرح إذا ما استطاع أن يعمل في مصر في مجال الفن، حتى جاءت انطلاقته المختلفة والتحول في تاريخه الفني بمشاركته في مسلسل "المال والبنون بشخصية "السُحت"، تلك الشخصية التي شهدت تحولات كبيرة في المسلسل التليفزيوني الضخم وأعلنت ميلاد "نجم لكل العصور وكل الأدوار"، ثم توالت أعمال "التراجيديا" في مسلسلات كبيرة مثل "بوابة الحلواني، وأم كلثوم، والمرافعة وصارت أدوراه بلا كوميديا.
اقتناع الجمهور بما سيقدمه قبل أن يشاهدوه نابع من مبدأ جرى عليه تاريخه الفني بأن يكون مؤمنًا ومُحبًا للدور، الذي سيقدمه حتى لو كان شريرًا يجب أن يحب شره ويجد مبررات له، حتى وإن حكم الجمهور بغير ذلك فهي قضية الجمهور، فهو دائمًا "معجون بمية الشخصية"، التي سيقدمها، لم يختلف أحدًا عن أن من يشاهده في مسلسل أم كلثوم هو الملحن الكبير محمد القصبجي ليس أحمد راتب "تغلغت الشخصية جوايا من مزيكا القصبجي"، الذي أحضر كل أعماله منذ بدايته عام 1923 حتى صار هو.
"بعيّط لما أوصل"، تعبيره عن لحظات بكاءه، ليمسك نفسه متلبسًا بفعل البكاء عندما يحقق ما يريد ولا يبكي في أثناء تحقيقه، وهو الشعور الذي عرفه عند زواج ابنته الثالثة والأخيرة، ليتقن أنه أدى رسالته تجاه بناته الثلاث فيبكي، ويُبكيه الآن جمهوره بعد أن قدّم للفن قدم أكثر من 283 عملًا متنوعًا منذ السبعينات حتى وافتيه المنية، اليوم، إثر أمة قلبية عن عمر ناهز 67 عامًا، فيموت "المواطن" أو "محسن" الذي كان يقوم بدوره الممثل أحمد راتب، الرمز الواضح في فيلم "طيور الظلام" للشعب المصري أو قسمه الأكبر، أي الصامت المتفرج على الحلبة، والبعيد عن الصراع الدائر بين الحكومة أو صديقه والمتطرفين، فكان صوتًا وعينًا للمصريين في كثير من أعماله واحدًا منهم فردًا أصيلًا في بيوتهم.