حلة محشى!!
تلف الحاجة روحية ورق محشى الكرنب فتصنع منه أصابعَ صغيرة، تضعها بشكل جمالى يجعل الحلة أشبه بلوحة فنية. مشكلة الحاجة روحية أنها لا تريد أن تكف عن لف المحشى، الذى تبيعه للبيت الذى تخدم فيه، والذى تشاجرت أكثر من مرة مع أبنائها أصحاب العمارات، ومعارض السيارات، وورش الميكانيكا بسببه، فهى لن تقبل أبداً من أبنائها أن يصرفوا عليها، ولا أن تُحوَج لهم، ما دامت فيها الصحة. تعيش الحاجة روحية وحيدة، فى مساكن شعبية تحمل اسم جمال عبدالناصر، الذى بناها لعمال السكك الحديد. ورغم أن الحاج مصطفى، زوجها الراحل، لم يكن من عمال السكك الحديد، فقد كانت الشقة من نصيبهم، وها هى تعيش وحدها فيها الآن، وقد أطلقت شائعة وجدت من يستمع لها، ويخاف منها، وهى أن الحاج مصطفى يجلس معها يومياً من صلاة الظهر إلى العصر -موعد لفها المحشى- ويتجاذب معها أطراف الحديث عن الآخرة، وعن الجيران، الذين سيأتون له قريباً. وقد صدق الجيران هذه الشائعة لما يسمعونه من أصوات غريبة عند الحاجة روحية، التى تشغل تسجيلات قديمة للحاج مصطفى، كان قد بعث بها إليها أيام سفره للعراق، ولا يعرف أحد عنها شيئاً. وهكذا أصبحت الشقة أمام الناس شقة مسكونة، فابتعدوا عنها لتحمى روحية نفسها -وهى التى تعيش وحيدة- من الحرامية، ووجع الدماغ، والجيران الفضوليين. وساعد على ذلك أن أبناءها لم يعودوا يسألون عنها، فبقيت الأسطورة، وأصبح الجميع يخاف من الحاجة روحية وشقتها.
لكن يبدو أن عابر السبيل هذا لم يعرف كل الحكاية الطويلة العريضة، التى حكيناها فى كل السطور السابقة، والتى تناقلتها الأجيال، لأنه ظل يضرب الجرس على الحاجة روحية، التى ظنته فى البداية مندوب مبيعات، فتجاهلته، وظنته بعدها أحد الجيران، فرفعت صوت الحاج مصطفى فى التسجيل حتى تخيفه. ولما ظل الجرس يدق، نظرت من العين السحرية، فلم تجد أحداً. دفعها الفضول إلى فتح الباب، ففتحته، لتجد رجلاً يرتدى ثياباً بيضاء، تتماشى مع لحيته البيضاء، وشعره الأشيب، قال لها: «سلام عليكم يا حاجة روحية».
نظرت له بتمعن وردت: «عليكم السلام يا اخويا.. انت مين؟».
ابتسم الرجل وهو يقول: «أنا رسول».
جفلت روحية وهى تتراجع وتقول: «عليه الصلاة والسلام.. رسول مين فيهم؟»
ضحك الرجل بشدة، قبل أن يقول: «مش نبى يا حاجة ولا حاجة. رسول يعنى مرسال.. أنا مرسال».
نظرت له الحاجة روحية فى ريبة، وقالت: «مرسال من مين بالظبط؟ ما تآخذنيش ما اقدرش أدخلك».
نظر الرجل فى عينها، وهو يقول بصوت عميق: «أنا مرسال من الحاج مصطفى».
خبطت روحية صدرها فى ذعر: «يا خرابى.. ما تآخذنيش.. أنا هجيله بعدين.. قل له مش فاضية دلوقت هجيله على مهلى».
ضحك الرجل مرة أخرى: «يا حاجة روحية أنا مش ملك الموت، والأعمار بيد الله.. أنا مرسال من الحاج مصطفى وبيقول لك: وحشنى المحشى بتاعك».
هدأت روحية قليلاً: «محشى. محشى إيه يا حاج؟»
قال الرجل: «محشى الكرنب يا روحية.. الحاج مصطفى بيسلم عليكى وبيقول لك عاوز حلة».
كانت روحية مذهولة، مشدوهة، مرتبكة، وفزعة، لكنها وجدت نفسها تسأل: «وهو مفيش محشى كرنب عند ربنا؟».
قال الرجل: «ربنا عنده كل حاجة يا حاجة.. الحاج مصطفى هو اللى وحشه المحشى بتاعك.. ودى منزلة مش لأى حد».
بدت روحية غير مصدقة، لكن خوفها لم يمنعها من أن تسأل: «طب وبالنسبة للريح والغازات وكده لا مؤاخذة.. ما هو الكرنب برضه هينفخ له بطنه وعيب الريحه دى فى الجنة».
مال عليها الرجل وهو يقول: «ابقى زودى الكمون يا حاجة.. دى أمارة من الحاج مصطفى.. هاتى الحلة واقرى له الفاتحة».
أعطت له الحلة فابتسم لها وهو يقول: «اقفلى الباب وما تبصيش من العين يا حاجة.. وما تنسيش تقرى الفاتحة للحاج مصطفى».
أغلقت الباب وهى ترتعش غير مصدقة، وفكرت فى أن أحداً لن يصدقها، لو حكت له، ونظرت حولها فى فزع باحثة عن أى شىء مختلف فلم تجد. حاولت القرفصة من جديد؛ لتجلس جلستها المستحبة، لكن جرس الباب رن ثانية. كاد قلبها يتوقف من فرط الانفعال، وهى تبسمل، وتحوقل، وتتجه للباب. ولم تنظر من العين هذه المرة، لكنها فتحت الباب وهى ترتعش، فوجدت الرجل أمامها من جديد، وقد غابت الابتسامة عن وجهه. سألته: «خير يا حاج.. عاوز مخلل ولا حاجة؟»
قال لها فى غضب: «طب ده اسمه كلام يا حاجه روحية؟ الحاج مصطفى بيقول لك حطاله جاز ع المحشى، عاوزة تموتيه أكتر ما هو ميت». لطمت روحية على وجهها: «جاز.. جاز إيه يقطعنى.. بعد الشر عليه.. يا مصيبتى».
أعطاها الحلة، وهو يقول: «هاضحك عليكى يعنى.. شمى».
أمسكت الحلة، وراحت تشم بكل ما أوتيت من قوة. لم تكن ثمة رائحة جاز، وإنما رائحة أخرى غريبة. حاولت التعرف عليها، لكن رأسها ثقلت تماماً، فسقطت أرضاً، وهى تقول: «والله ما أنا يا حاج مصطفى.. والله ما أنا..».
وحين قامت روحية، لم تكن مصوغاتها فى مكانها، ولا الأجهزة الكهربائية، ولا كل فلوسها، التى كانت (محوشاها) تحت المرتبة. لم يكن هناك سوى حلة المحشى.. وصورة الحاج مصطفى..
(قصة من مجموعة: محاولة أخيرة لقتل بوجى)