ترامب.. كيف يصبح الخنزير صديقاً وفياً؟

للسلطة حسابات معقدة، يمكنها أن تحوّل الكراهية إلى علاقات دافئة، وأن تجعل من الخنزير صديقاً وفياً؛ ذلك أن بريق الحكم وصولجانه أكبر من أن يُقاومهما عشاق النفوذ والمجد.

وقد سُئل الحجاج يوماً عن تعريفه لـ«السياسة» فأوجز قائلاً: «أن تُقدم فى موضع الإقدام، وأن تُحجم فى موضع الإحجام»، كما كان «ميكافيللى» بليغاً فى عرض تلك الفكرة، حين قال: «لطالما كان الوفاء بالوعود من شيم النبلاء، أما الأمير فلا يجب أن يحفظ عهداً يكون الوفاء به ضد مصلحته، ولا يجب أن يستمر فى الوفاء بعهد انتهت أسباب الارتباط به».

سيأتى القادة والسياسيون البراجماتيون لاحقاً ليعزفوا على اللحن ذاته، وسنجدهم يغيرون تحالفاتهم، أو يشنون الحروب ضد الأصدقاء القدامى، أو يعقدون معاهدات الصلح مع الأعداء المقيمين على العداء، وسنتذكر عند تلك الوقائع ما قاله رئيس الوزراء البريطانى التاريخى تشرشل، حين لخص ذلك المعنى فى عبارته الشهيرة: «لا صداقة دائمة، ولا عداوة دائمة، وإنما مصالح دائمة».

يمكن ضرب مئات الأمثلة على التغيرات التى تطرأ على مواقف القادة بعد وصولهم إلى السلطة، فى سياق محاولاتهم لتقليل الأضرار، وجلب المنافع.

لدينا مثل قريب قد يتذكره بعضنا؛ ففى العام 2010، كان الدكتور محمد مرسى، القيادى فى تنظيم «الإخوان» آنذاك، يتحدث فى حشد جماهيرى بإحدى محافظات الدلتا، حين خاطب الحاضرين بصوت جهورى وشغف شديد، مطالباً إياهم بأن يُعلّموا أولادهم «كراهية اليهود».

فى هذا الخطاب بالذات وصف مرسى اليهود بأنهم «أحفاد القردة والخنازير»، لكنه عاد وتراجع عن الكلام، بعدما أصبح رئيساً، ونفى تماماً أن يكون قد «قصد ذلك»، مرجعاً الأمر إلى «سوء الفهم، واقتطاع عبارات من السياق».

ليس هذا فقط، بل إن مرسى أرسل رسالة إلى نظيره الإسرائيلى آنذاك شمعون بيريز، فوصفه فيها بـ«الصديق الوفى»، وتمنى لدولة إسرائيل «التقدم والرفاه».

من «أحفاد القردة والخنازير إلى الأصدقاء الأوفياء، ومن إرضاع الكراهية إلى التمنيات بالتقدم والرفاه» هذا ما يمكن أن تعتبره بوضوح «استحقاقات السلطة ومتطلباتها» التى يمكن أن تدفع السياسيين البراجماتيين إلى التخلى عن مبادئهم، أو أفكارهم، أو تعهداتهم، أو أهم ما كانوا يقاتلون من أجله.

من أهم مميزات الانتخابات الرئاسية الأمريكية أنها تستغرق وقتاً طويلاً؛ بداية من التنافس الداخلى على ترشيح الحزبين الديمقراطى والجمهورى، وصولاً إلى التنافس بين مرشحى الحزبين للحصول على منصب رئيس الولايات المتحدة.

فى تلك الفترة التى تمتد لشهور، يصبح المرشح كما لو كان كتاباً مفتوحاً، أو «هدفاً على لوحة تنشين»، وفرصة سانحة للجميع للتفتيش فى دفاتره، ومراجعة مواقفه، وتحليل شخصيته، والتعرف إلى أدق أسراره.

لقد بات «ترامب» خبراً وتحليلاً فى معظم وسائل الإعلام النافذة فى العالم، ليس فقط بعد فوزه المفاجئ فى الانتخابات الرئاسية، ولكن منذ بدأ التنافس على الفوز ببطاقة ترشيح الحزب الجمهورى؛ ولذلك، فإن الكثيرين باتوا أكثر معرفة بملامح شخصيته.

يمكننا أن نعرف، مما رشح عنه وعن المقربين منه، أنه شخص معتد، وعنيد، وصدامى، ووقح، وجرىء إلى درجة صادمة أحياناً، ورغم ثرائه الكبير، فإنه يقاتل على كل سنت تقريباً.

كان ترامب قد أنشأ جامعة تحمل اسمه حين كان نجماً فى سماء قطاع العقار الأمريكى، ولأن تلك الجامعة غير مسجلة ولا تمتلك اعترافاً قانونياً بشهادتها، فإن الطلاب الذين دفعوا عشرات آلاف الدولارات ليتعلموا فيها، رفعوا قضية ضد الملياردير الشهير، مطالبين بتعويضات كبيرة، بداعى أنهم دفعوا ولم يحصلوا على إجازة معترف بها.

بسبب العناد المعروف عنه، وولعه بالمعارك، وحرصه الشديد على ثروته، خاض ترامب معركة قانونية مع هؤلاء الطلاب، رافضاً أن يمنحهم أموالاً فى عملية تسوية خارج إطار المحاكمة، ومتعهداً بالمضىّ قدماً إلى آخر مدى فى النزاع القضائى معهم.

تلك وقائع تتسق تماماً مع تصوراتنا عن هذا الرجل، لكن الخبر الغريب الذى فاجأ كثيرين، أمس الأول السبت، كان يقول إن ترامب وافق على أن يدفع 25 مليون دولار كتعويض للطلاب، مقابل إسقاط الدعاوى الجماعية التى رفعوها ضده بتهمة الاحتيال عليهم.

ليس ترامب.. الملياردير العنيد، المقاتل، الشرس، الحريص، وجامع المال، المتصلب، والأهوج المنفلت، من فعل ذلك، ولكنه ترامب.. الطامح إلى التمركز فى وضعية رجل الدولة، على مقعد رئيس الولايات المتحدة. وبلغة أخرى، فهو ترامب بعد إجراء حسابات السلطة المعقدة؛ وهى حسابات يمكن أن تجعل فى خسارة 25 مليون دولار مكسباً من نوع ما، أو تفادياً لضرر لا يمكن تحمل تكاليفه.

لقد أتى هذا الرجل إلى المشهد الانتخابى متحرراً من أعباء الخبرة والتاريخ والالتزام السياسى، وبدأ فى الحديث على المنصات كأنه مهرج فى سيرك، وكلما زاد شططه وحجم الانفلات فيما يقول، علت ضحكات الحضور، وبات محبوباً، وزاد الطلب عليه.

لم يكتف ترامب بممارسات غير مسئولة من نوع اتهام أوباما بأنه لم يولد فى الولايات المتحدة، لكنه أيضاً اتهم هيلارى بأنها «محتالة» و«صانعة إرهاب»، وحرّض على استخدام العنف ضدها، وهدد بسجنها.

شن ترامب الهجمات الحادة ضد بعض المواطنين الأمريكيين؛ مثل عائلة الجندى المسلم، وواصل سياساته وأقواله الرامية إلى تحقير المسلمين، والنساء، ومهاجمة المهاجرين، كما تعهد أيضاً ببناء سور على الحدود مع المكسيك، وترحيل أكثر من عشرة ملايين مهاجر لا يحملون وثائق، ومنع المسلمين من دخول الولايات المتحدة، وفرض إتاوة حماية على دول مهمة مثل اليابان والسعودية وكوريا الجنوبية بداعى أن بلاده تدافع عن أمنها.

فعل ترامب ما هو أكثر من ذلك؛ فقد تعهّد بإلغاء الاتفاق النووى مع إيران، كما كذب كذباً مفضوحاً على الناخبين، حينما أوهمهم بأنه سيعيد التصنيع فى الولايات المتحدة كما كان سابقاً، وسيقلص الاعتماد على تشغيل المعامل خارج البلاد للاستفادة من العمالة ومستلزمات الإنتاج الرخيصة Outsourcing، بما يشمله هذا من إلغاء اتفاقية التجارة الحرة، وهى أمور غير منطقية، لأن هذا الأمر سيزيد من الأعباء على الاقتصاد، ويرفع سعر المنتجات، بما يُفقدها أى قدرة تنافسية.

الآن يبدو أن ترامب يعيد حساباته؛ ولذلك، فقد تلقى تهنئة هيلارى على فوزه، ثم شكرها، ومدحها، واصفاً إياها بـ«المُجدة»، كما التقى أوباما، فأثنى على دوره، وأظهر احتراماً، وربما رهبة، جعلت أداءه أكثر احتشاماً، حين دخل البيت الأبيض.

اليابان التى هاجمها ترامب قبل أن يصل إلى المقعد هى نفسها التى كان رئيس وزرائها أول مسئول أجنبى يلتقيه عقب إعلان فوزه، وبرنامج «أوباما كير» للرعاية الصحية، الذى شكك فيه، ووعد بإلغائه، بات فقط «فى حاجة إلى تعديلات»، وهى ذاتها الأمور التى ربما ستجرى على تعهدات فرض قيود على المسلمين، والمهاجرين، وإلغاء الاتفاق النووى، وبناء السور الفاصل مع المكسيك.

للسلطة حسابات أخرى.. وترامب يدرك ذلك، وهو يُجرى تلك الحسابات حالياً.