محاصرة العمل الأهلى من جديد
يناقش مجلس الشورى حاليا مشروع قانون جديد للجمعيات الأهليه، ويبدو أن هذا القانون سيكون امتداداً للسياسات الحكومية فى العهود السابقة لمحاصرة العمل الأهلى والسيطرة على تمويله، حتى لا يكون استقلاله مصدر تهديد لهيمنتها على المجتمع. ومن المثير للدهشة أن يأتى هذا التوجه لمحاصرة العمل الأهلى من جماعة الإخوان المسلمين التى عانت طويلا فى الماضى من هذه الظاهرة، بل الأكثر من ذلك أن القانون الجديد سوف يتضمن نصوصاً تسمح بتسجيل الجماعة فى إطار ما يسمى بـ«الهيئة الجامعة»، وكأننا أمام ترزية القوانين مرة أخرى يقومون بتفصيل القانون لحالات معينة. وما يجرى فى مصر الآن هو امتداد لظاهرة هيمنة الحكومة على العمل الأهلى، وهى ظاهرة لا تقتصر على مصر فقط بل كانت شاملة للعديد من الأقطار العربية التى حكمتها نظم سلطوية، واتسم هذا الصراع بسمات عديدة، من أهمها:
1- أعطت القوانين صلاحيات كاملة للحكومة من خلال الوزارات المختصة فى الإشراف على الجمعيات والمنظمات الأخرى. وقد تحولت هذه الصلاحيات فى التطبيق الفعلى إلى نوع من الإشراف والرقابة البيروقراطية التى انتقصت من استقلالية هذه المنظمات، كما تحولت فى بعض الأحيان إلى رقابة أمنية أثرت سلباً عليها.
2- فى بعض الأقطار العربية تتعدد مستويات الإشراف والرقابة من قبل الحكومة على المنظمات، ما يخلق مشكلات عديدة تعوق تنفيذ المشروعات التى تتبناها هذه المنظمات.
3- السلطات التى منحها القانون للحكومة فى بعض الأقطار العربية (مصر، سوريا، الإمارات، الجزائر) لحل المنظمات الأهلية أو دمجها فى أخرى، تصبح أيضاً مصدراً للتوتر وعدم الثقة بين الطرفين، أو قد تتحول إلى سلطة للتهديد فى يد الدولة فى بعض الأحيان.
4- أصبحت عملية توزيع المخصصات المالية على الجمعيات الأهلية مصدراً آخر للتوتر بينها وبين الحكومة، وقد ارتبط ذلك بالمعونات الأجنبية التى يجب أن تحظى بموافقة الحكومة، وفى حالات أخرى يتم توزيعها من خلال الحكومة، ما يخلق حساسية بينها وبين القطاع الأهلى.
5- تختلف درجات التعاون أو التوتر بين الحكومات والجمعيات الأهلية باختلاف الأقطار العربية وباختلاف مجالات النشاط، فالتعاون يزداد بين الحكومة والمنظمات التى تسهم فى مساندة الدولة بتعويض عجزها عن القيام بدورها فى سد احتياجات الفئات الضعيفة، بينما ترتفع حدة التوتر بين الحكومة والمنظمات التى يتضمن نشاطها تهديداً أو تحدياً لها كمنظمات حقوق الإنسان. كذلك فإن التوتر بين الطرفين قد يجد مصدره فى الأشخاص القائمين على بعض هذه المنظمات، حيث تبرز قياداتها كعناصر معارضة للحكم. ومن ثم فإننا نلحظ اتجاه بعض المنظمات نحو اختيار شخصيات على علاقة طيبة مع الحكومة، ليكونوا واجهة طيبة لهذه المنظمات، ولضمان رضا الحكومة عما تقوم بـه من نشاط.
استخدمت النظم السلطوية آلية التشريع للهيمنة على مؤسسات المجتمع المدنى وإخضاعها للسيطرة الحكومية، ما يحد من نموها وقيامها بالدور المطلوب منها وإسهامها فى دعم التطور الديمقراطى للمجتمع. وأجريت تعديلات على القوانين القائمة عندما تبين أنها لا تكفى لإحكام السيطرة على مؤسسات المجتمع المدنى من جمعيات أهلية ونقابات مهنية وعمالية واتحادات طلابية ومنظمات حقوقية ودفاعية، وكان لهذا الإطار التشريعى الذى يفرض قيوداً عديدة على إنشاء ونشاط هذه المنظمات أكبر الأثر فى الحد من قدراتها وإمكانيات نموها. وفيما يلى نعرض لنماذج من هذه القيود وما ترتب عليها من آثار سلبية:
1- بالنسبة للتسجيل والإشهار:
تشترط كل الدول العربية، ما عدا لبنان والمغرب، موافقة السلطات الحكومية قبل بدء النشاط، وتوضع شروط مبهمة وغامضة لقيامها مثل عدم مخالفة النظام العام وإثارة الفتنة. ويعتبر قرار الرفض نهائياً لا يجوز التظلم منه أمام جهة قضائية فى بعض الأقطار العربية. ونرى نفس القواعد بالنسبة للنقابات العمالية والمهنية
2- العلاقة بين السلطة الحكومية والمنظمات الأهلية:
تتضمن قوانين العمل الأهلى نصوصا تفرض الهيمنة والسيطرة الإدارية على الجمعيات، حيث تنص على حق السلطة الإدارية على إدماج الجمعيات وتعديل أغراضها واستبعاد بعض المرشحين لمجالس الإدارة وحق الاعتراض على القرارات، وتحديد الهياكل التنظيمية بشكل تفصيلى من خلال لائحة نموذجية تضعها الجهة الإدارية وتلتزم بها مجالس إدارة الجمعيات، وللسلطات الحكومية حق الاطلاع على السجلات وإلغاء أنشطة معينة.
3- الموارد المالية:
تلتزم الجمعيات بمسك الدفاتر التى تحددها الجهة الإدارية وعدم الحصول على تبرعات إلا بعد موافقة الجهة الإدارية وضرورة تحديد مصادر التمويل، ويستخدم التمويل الأجنبى ذريعة لمحاربة الجمعيات ومنعها من الحصول عليه إلا بعد موافقة الحكومة.
5- فرض عقوبات مغلظة على أعضاء مجالس الإدارة المخالفين تصل إلى عقوبة السجن، ما يؤدى إلى إحجام المواطنين عن المشاركة فى العمل التطوعى خوفاً من التعرض لهذه العقوبات.