نقاد وفنانون: الأغنية الحالية ترجمة لتشوهات «الشخصية المصرية»

كتب: إلهام زيدان

نقاد وفنانون: الأغنية الحالية ترجمة لتشوهات «الشخصية المصرية»

نقاد وفنانون: الأغنية الحالية ترجمة لتشوهات «الشخصية المصرية»

أكد نقاد وشعراء وملحنون أن التدهور الحالى فى الأغنية، ليس سوى انعكاس لحركة المجتمع وتشوهات الشخصية المصرية، وقالوا إن الفنان يخضع لطلبات سوق الفن، لذا صارت الكلمة «سلعة مستهلكة» و«سلق بيض»، فيما طالب بعضهم بما وصفه ببكائيات الزمن القديم، معتبرين أن شكل ومستوى الأغنية يخضع لتغير الذوق وكل زمن به الجيد والردىء.

يقول الموسيقار الكبير حلمى بكر: «الكلمة فى الأغنية كانت تقدر بالذهب ربما كان ثمنها أغلى من الذهب، فكانت هناك حرب شرسة بين الشعراء على تقديم الكلمة الأفضل، وكانوا يتنافسون على تجديد المفردات، وكانت شهرتهم مثل شهرة المطربين، بل منهم من كانت شهرته تفوق شهرة المطربين أمثال مرسى جميل عزيز، وحسين السيد، وعبدالرحمن الأبنودى، ومأمون الشناوى، أما كلمات أغانى اليوم فباتت سلعة نستهلكها وننساها فوراً دون أن تترك أى بصمة أو قيمة فى حياتنا».

وتابع: يبررون الوضع الحالى ويقولون إن الأغنية تعبر عن إيقاع العصر، وأقول إنها مخلفات حرب، فهذا المستوى من الفن نتاج نكسة 1967 وكان يجب أن ينتهى عام 1973، بعد الانتصار الكبير، إلا أنها استمرت ما يعنى أن هناك آفة أو مرضاً مستعصياً فى الحقل الموسيقى، يستوجب استدعاء الصحة العالمية، لكى تعتبر هذه المنطقة موبوءة موسيقياً، فما يحدث الآن فى عالم الأغنية هو «سلق بيض»، والدليل كثرة الكلمات المتشابهة للشاعر نفسه.

وعن سبب تميز شعراء فترة الخمسينات والستينات، قال «بكر»: «هؤلاء الشعراء تربوا على فن حقيقى ومعظمهم كان قارئاً جيداً للقرآن الكريم، وهو ما أكسبهم قوة الكلمة، كما أن عدداً منهم قرأ كثيراً فى التراث الغنائى، وهو عكس ما يحدث الآن، حين تجد أن من يكتب كلمات الأغنيات من حملة الدبلومات».

وانتقد الشاعر فوزى إبراهيم، الكلمات الركيكة التى يتم استخدامها فى أغانى المهرجانات والأغانى الشعبية، وقال إنه يتم تسجيلها فى أوكار ومناطق ليس لها علاقة بالموسيقى، وقارن بينها وبين الأغانى الشعبية فى فترة الخمسينات والستينات، قائلاً: وقتها كلمات الأغانى الشعبية كانت تضاهى فى قوتها الأغانى الرومانسية، وحتى الأغانى الترفيهية التى كانت تقدم فى الأفلام كان لها مردود قوى عند المستمع، فلو عدنا إلى أغانى إسماعيل يس وفؤاد المهندس، سنجد أن من كتبها كانوا كبار كتاب المرحلة فى الشعر وليس مثلما يحدث الآن.

الشاعر يسرى حسان، قال إن الأغانى لا تنفصل عن حركة المجتمع، والمجتمع المصرى الآن يعيش أوقاتاً غريبة، وحدثت تحولات فى الشخصية المصرية وهذا ما نلمسه فى تعاملاتنا فى الشارع، فهناك ميل إلى العدوانية والتحرش والبحث عن انتصارات صغيرة لتعويض هزائم متكررة يعانى منها المواطن.

وأضاف: «الشخصية المصرية على مدار السنوات الأربعين والخمسين الماضية، خاصة فى العشر سنوات الأخيرة، حدثت بها تشوهات كثيرة انعكست على كل الفنون ومنها الأغانى، والدليل أن الأفلام التى تنتصر للبلطجة أو العدوانية هى الأكثر رواجاً».

ورأى «حسان» أنه لا تزال هناك قلة من المطربين المثقفين الذين ينتقون كلمات أغانيهم بعناية، لكن لم تعد لهم سوق كبير، فى ظل انتشار ظاهرة الأغانى المبتذلة التى تستخدم عبارات لم تألف الأذن سماعها، والتى تصل إلى حد خدش الحياء، وعلق قائلاً: «الشعب يشبه فنه وأغانيه، فالفجاجة أصبحت عنوان المجتمع».

ونفى «حسان» أن تكون لدينا أزمة مبدعين من شعراء أو ملحنين، قائلاً: «حركة المجتمع ترفض ما هو راقٍ ورصين وتبحث عن التفاهة والعنف والبلطجة، والحل الوحيد للارتقاء بالأغنية يكون بإعداد جمهور متعلم على مستوى عالٍ من الثقافة على استعداد لتلقى الفن الجيد».

من جهته، قال الشاعر والناقد شعبان يوسف، إن الأغنية المصرية بشكل عام تعانى من حالة من الهبوط، لكنه ليس أبدياً، واصفاً الحالة بأنها انعكاس ميكانيكى للحالة المتردية للمجتمع، متسائلاً: أين نحن من الأسماء الكبيرة مثل سيد حجاب وعبدالرحمن الأبنودى وحسين السيد، وأكد أن نجوم الصف الأول من المطربين تنقصهم روح المغامرة والتجديد فى عناصر الأغنية، وذلك بسبب خضوعهم لمطالبات جماهيرية قد تكون منحدرة.

وأضاف: «لكن هناك فنانين صاعدين خارج السياقات الرسمية والمواصفات المتعارف عليها بدأوا فى شق طريقهم وتقديم فن جيد، لكنهم فى حاجة إلى دعم مادى ومعنوى وأدبى من وزارة الثقافة والمسارح والمراكز الثقافية والفنية المستقلة وقنوات الإعلام، لأن سوق الفن مليئة بالمنافسات غير الشريفة.

واختلف الناقد الفنى طارق الشناوى، مع الآراء السابقة، قائلاً: «الأغنية بنت زمانها، والأغانى الحالية منها الجيد والردىء، وهى تصالح الزمن فلكل زمن مفرداته ومقاييسه، فهل يمكن أن نقبل هذه الأيام، أحمد رامى وهو يقول «عزة جمالك فين من ذليل يهواك».

وتابع: تعبير فن الزمن الجميل تعبير مخادع، وكل الأزمنة فيها الجمال وفيها القبح، فلا يوجد زمن جميل خالص أو قبيح خالص، فمثلاً أم كلثوم غنت فى العشرينات طقطوقة تقول فيها «الخلاعة والدلاعة مذهبى»، وبيرم التونسى سخر من الأغانى فى الثلاثينات قائلاً «يا أهل المغنى دماغنا وجعنا، دقيقة سكوت لله»، والجمال يختلف تذوقه وقيمه من زمان لآخر، فلا ننزعج من «أديك فى الجركن تركن».

وأضاف: الغناء ابن اللحظة، فمثلاً نانسى عجرم بنت هذا الزمن، ما كانت لتنجح فى زمن أم كلثوم، وأم كلثوم لو ظهرت فى هذا الزمن كانت ستفشل، وآمال ماهر مثلاً بدأت مقلدة لأم كلثوم، ولم تنجح بهذا الشكل رغم أنها كانت مدعومة من الدولة، وعندما تحررت من الصبغة الكلثومية، أصبح لها جمهورها الخاص.

وقال «الشناوى»: ليتنا نكف عن البكاء على الماضى، لأن الماضى لم يكن جميلاً كما نتصور، أو كما يصدره لنا السابقون، لأننا نحكم على الماضى من خلال الحاضر، فمثلاً السينما المصرية قدمت 4 آلاف فيلم روائى طويل، ونحكم على هذه الأفلام من خلال 400 فيلم فقط جملة ما تم انتقاؤه وحفظه من هذه الأفلام، وكذلك الأمر بالنسبة للأغانى تبقّى منها الجميل ومات الأكثر، لذلك نتخيل أن الكل كان جميلاً.

وقال إننا نعيش فى ظل تعدد قنوات التواصل وأى واحد يمكن أن يغنى، لكن فى الزمن الماضى كانت الإذاعة فقط هى التى تعتمد الفنان، فقد تم رفض عبدالحليم حافظ كمطرب أكثر من مرة، وبليغ حمدى كملحن أيضاً تم رفضه أكثر من مرة، وسيعيش الجيد من أغانى هذا الزمان للأجيال المقبلة.

«بكر»: الكلمة صارت سلعة استهلاكية و«سلق بيض» و«يوسف»: الأغنية انعكاس ميكانيكى لتردى المجتمع

«إبراهيم»: أغانى المهرجانات تسجل فى أوكار

و«الشناوى»: لكل زمن لغته.. وأم كلثوم لو جاءت الآن ستفشل

 


مواضيع متعلقة