قواعد الحياة فى مصر

أمينة خيرى

أمينة خيرى

كاتب صحفي

كل يوم تتعالى صرخات كلاكسات فى شارعنا من وقت الظهيرة إلى ما بعد العصر بقليل. كل يوم يترك موظفو الشركات فى شارعنا -برعاية السياس المسيطرين على الوضع تماماً- سياراتهم صفاً ثانياً، وما أن يدخل باص مدرسة وتجبر قواعد الفهلوة سائق ميكروباص أن يجتازه حتى ينغلق الشارع تماماً. وكل يوم يؤدى هذا الإغلاق إلى كم هائل من التراشقات اللفظية بعضها يتحول إلى معارك بالأيدى والأرجل، وما يتيسر من شتائم وسباب. وكل يوم يقف أصحاب السيارات الواقفة فى الصف الثانى فى الشرفات ليتابعوا سير المعارك للتسلية من جهة، والتأكد أن أحداً لا يخدش سياراتهم من جهة أخرى. وكل يوم يهرع السياس إلى القيام بدور رجال المرور فيلوحون لهؤلاء بالمرور ويأمرون أولئك بالتوقف، وكأن الأصل فى الحكاية هو أن يتلوى قادة السيارات كالحية الرقطاء بين السيارات للمرور بحنكة شديدة تفادياً للاحتكاك. وكل يوم تنتهى العقدة المرورية بعد أن تكون قد أصابت مئات المواطنين ممن دفعهم حظهم العثر إلى المرور فى شارعنا الفرعى ليخرجوا منه إلى شارع الثورة الرئيسى حيث يستهلون معركة أشد وطأة وأحمى وطيساً. وكل يوم يخلو شارعنا الفرعى وكذلك شارع الثورة الرئيسى من أى آثار لممثلين عن إدارة المرور، وذلك باستثناء وجود هنا أو هناك فى بعض الأيام المتفرقة حيث لا أثر أو تأثير سلباً أو إيجاباً على حركة المرور، أو بالأحرى توقف المرور وتبلده وتحجره. وكل يوم يتكهن سكان مصر الجديدة بالحال التى سيجدون عليها إشاراتهم الوليدة المزودة بالكاميرات. وكل يوم يعرف من يرتاد الشوارع والميادين الواقعة حول منطقة روكسى، لا سيما قادة السيارات، أنهم إما سيجدون أنفسهم فى معترك رهيب حيث القيادة رافعين شعار «البقاء للأعنف» و«المرور بأولوية العضلات»، حيث تكون الإشارات الجديدة التى تكلفت ملايين قد تم تعطيلها، حيث ضوء أصغر يضىء ويطفئ دون أحمر أو أخضر، أو أنهم سيجدون الإشارات تعمل حيث التزام إلى حد كبير بلونى الأحمر والأخضر، وذلك بالطبع ليس بدافع الالتزام ولكن بدافع الخوف من العقاب المادى. وكل يوم لا يعرف الناس سبب تعطل الإشارات أو عملها. وكل يوم لا يعرف أحد من يعطل الإشارات ومن يشغلها. وكل يوم وفى شارع نهرو الموازى لشارع الحجاز الواقع والمطل على حديقة المريلاند (صاحبة المجد الضائع) يهرع السكان والعاملون إلى الشرفات والنوافذ كلما سمعوا صوت فرملة عنيفة. وكل يوم ينتقد الجميع وقوف السيارات بشكل يعيق الرؤية تماماً فى الملفات (يو تيرن) وهو ما يتسبب فى حوادث تجرى على مدار الساعة. وكل يوم ورغم انعدام الرؤية بسبب السيارات الواقفة يصر بعض قادة السيارات على السير بأقصى سرعة فى هذا الشارع ذى التقاطعات الكثيرة حيث تتكرر الحوادث بشكل أقرب ما يكون إلى الخيال غير العلمى. وكل يوم لا يتوقف أصحاب السيارات عن إيقاف سياراتهم بهذا الشكل. وكل يوم لا يوجد فى مجال الرؤية ممثل عن إدارة المرور عله ينظم أو يحذر أو يفند أو يجهض أو ينبه أو يرتب أو ينصح أصحاب القلوب الميتة. وكل يوم يطفو على السطح حدث هنا أو لقاء هناك أو مقولة تقال أو رأى يشاع أو حوار يجرى فيتحول من مجرد حدث إلى مادة للتقطيع ومثار للاستقطاب ومجال للقيل والقال. وبينما هذه السطور تكتب، تدور رحى لقاء الأستاذ عمرو الليثى مع سائق التوك توك والجارى تحويله إلى إما أيقونة لثورة جديدة، أو صيرورة إخوانية، أو كينونة فلولية، أو ديمومة عشوائية. وأغلب الظن أن ثورة حوار التوك توك بين محب للرئيس الحالى السيسى، ومشتاق للرئيس الأسبق مرسى، ومنتقم للرئيس الأسبق مبارك، وممجد للرئيس الراحل السادات، ومعظم للرئيس الراحل ناصر، وتواق للملكية.. والقائمة لا تنتهى. الحوار نفسه يفسره كل حسب هواه، ويهاجمه كل طبقاً لانتمائه، ويهتف بروعته كل بناء على ميوله، ستكون قد هدأت نسبياً حين تخرج هذه الكلمات إلى نور النشر. وأغلب الظن أنه ستتبعها أحداث أخرى تثير الهرج والمرج، وتدفع إلى القيل والقال، وتؤجج الرأى والرأى الآخر، وهلم جرا. لماذا يحدث هذا؟ لا أحد يعلم. ولماذا تتكرر مظاهر وظواهر يعرف الجميع أنها تؤثر سلباً على المواطنين وعلى سير الحياة دون مواجهة حقيقية؟ لا أحد يعلم. ولماذا يعرف الجميع أن ضرب عرض الحائط بالقوانين والعصف بنواميس الحياة من شأنه أن يجعل البلاد أقرب ما تكون إلى الغابة ورغم ذلك يمضون قدماً فيما يفعلون؟ لا أحد يعلم. ولماذا يختبئ من يفترض أنهم يتقاضون رواتبهم بعيداً عن مواقع الحدث أو تراهم منهمكين فى هواتفهم النقالة يطاردون شيئاً ما غير معروف؟ لا أعلم، ولماذا نفرط فى التنظير والتنقيح والنظر إلى ما قد يكون قابعاً بين السطور (رغم أنها أغلب الظن تكون خاوية)، أو ما قد يكون مموهاً خلف الصورة (رغم أنها على الأرجح تكون مخوخة)، أو ما قد يكون مغلفاً فى الكلمات (رغم أنها تكون على الأرجح إما سطحية جداً أو واضحة لا تحتاج تغليفاً أو تعليباً)؟ لا أحد يعلم. وكل يوم نشكو ونلعن الزمن ونصب غضبنا على كل من وما حولنا باستثناء أنفسنا. وكل يوم نرفض تماماً أن ننظر فى المرآة لنرى إن كنا قد ساهمنا ولو بقدر قليل فى حالنا المزرية. لماذا؟ لا أحد يعلم. يبدو أنها قواعد الحياة فى مصر.