التماثيل التى تخرج على التقاليد الإسلامية
«فينوس فون فيللين - دورف».. هذا الاسم العجيب صعب القراءة فى العربية، هو اسم لأشهر تمثال فى النمسا من الحجر الجيرى ارتفاعه يبلغ 11 سنتيمتراً فقط، ويعود عمره إلى 25 سنة قبل الميلاد، تم اكتشاف التمثال عام 1908 فى قرية قريبة من نهر الدانوب. هذا التمثال له عشرات الكتب المصورة وعشرات البرامج التليفزيونية ويتنقل للعديد من المعارض النادرة.
من خلال هذا التمثال -ضئيل الحجم عظيم القيمة- تتم غربلة التاريخ النمساوى والتاريخ الاجتماعى باستمرار، ويتم بث أصالة هذا التاريخ فى كل جيل لربطه بتراث الأجداد واحترام حياتهم كما كانت والتعلم منها وليس السخرية أو التقليل من شأنها.
* * *
كانت هذه مقدمة ضرورية سيسخر منها البعض كعادتهم فى التعامل مع التراث الحجرى على أنه رجوع لفكرة الأصنام والأوثان، التى يتم التصدى لها حالياً بالفتاوى أولاً لتتبعها المعاول والفئوس ثم الديناميت لو أمكن، ونحن نتذكر ما حدث فى باميان بأفغانستان عام 2001 حين قامت ميليشيا طالبان بأمر من الملا عمر بنسف أكبر تمثالين لبوذا فى العالم، وليس هذا فقط، بل قامت أيضاً بتدمير أغلب القطع الأثرية المعروضة فى المتحف القومى فى كابول، التى ترجع للحقبة البوذية.
وبينما دول العالم تنقب عن تراثها وتقوم بحماية ثروتها التاريخية من أى عبث، نجد فى بلادنا أشخاصاً جاءوا ليس فقط ليسفّهوا تاريخ الأسلاف، بل لينسفوه كأنه لم يكن، بل هناك من يظهر على القنوات الفضائية ويطالب جهراً بتحطيم أبوالهول والأهرامات والمعابد وبقية التماثيل فى مصر، ويصفها بالأصنام والتماثيل، معتبراً أن المسلمين مكلفون بتطبيق تعاليم الشرع الحكيم، ومحو هذه الأصنام من الوجود، تماماً مثلما حدث فى أفغانستان، على أنها أوثان وأصنام تُعبد من دون الله.
أما كيف يرى البعض أنه مكلف، بإرادة إلهية، بتحطيم تراث جماعى، وكيف عاشت هذه «الأصنام والأوثان» كل هذه القرون فى الدول الإسلامية دون أن يعبدها عابد، فالإجابة لن تكون سهلة. لكن الأجيال التالية ستسجل للتاريخ بالتأكيد فترة انحطاط عشناها.
* * *
فى الأسابيع القليلة الماضية قام مجهولون فى محافظة المنيا بتشويه تمثال عميد الأدب العربى طه حسين، بقطع رأسه المثبت على قاعدة هرمية ضخمة. القيمة هنا ليست أثرية، لكنها قيمة معنوية لرمز مصرى نادر. وتتكرر هذه الأعمال بشكل يوحى بعبثية تقابَل باستهانة واستهتار؛ فقد قام مجهولون، منذ أيام فى محافظة الدقهلية، بوضع نقاب أسود على وجه تمثال أم كلثوم، وبغض النظر عن الرأى أو الرأى المضاد، فهذه الأفعال تعبر عن حالة متكررة تتجه للاستهانة عمداً بالأدب والفن. فى الفترة نفسها تم جز رقبة تمثال أبى العلاء المعرى فى معرة النعمان، وفى الفترة نفسها تم حرق وتدمير مكتبة المخطوطات النادرة فى مالى، وقبلها تحطيم نسخة تمثال «سنوسرت الثالث» بالمنصورة، وقبلها واقعة تحجيب تمثال حوريات البحر بالإسكندرية بالقماش والحبال، لحجبه عن الجمهور، باعتبار أنه من التماثيل «التى تخرج على التقاليد الإسلامية».
* * *
رغم مئات التماثيل التى تملأ المدن فى أوروبا وآلاف القطع النادرة فى متاحفها، ورغم الحرية الدينية المتاحة لهم فى ممارسة العبادات التى يرونها، لم أرَ أحداً هنا يعبد هذه التماثيل أو يخاف منها، أو يدعى مدعٍ أنه يفيض بالإيمان والتقوى أكثر من الآخرين، فيسعى لنسفها، لكن ما زال فى البلاد الإسلامية من يرى ضرورة تدمير هذه الآلهة المنتظَرة؛ لأن بقية البشر هم من الحماقة والجهل للعودة إلى عبادة الأصنام لو لم يتم تنبيههم وأن الحل الأفضل هو التحطيم والتدمير والنسف!