«الأعصر»: الأحداث هزت صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى وورطتها فى «الحرب على الإرهاب»

كتب: بهاء الدين عياد

«الأعصر»: الأحداث هزت صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى وورطتها فى «الحرب على الإرهاب»

«الأعصر»: الأحداث هزت صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى وورطتها فى «الحرب على الإرهاب»

قال هانى الأعصر، الباحث السياسى، إن أحداث 11 سبتمبر أدت إلى تغيرات جذرية فى أسس الأمن القومى الأمريكى، وأدت إلى مكاسب ضخمة لبعض الأطراف الأمريكية وعلى رأسها المخابرات والقوات البحرية وتجارة السلاح والتوريدات المرتبطة بالدفاع، مؤكداً أن منطقة الشرق الأوسط هى أبرز الخاسرين من السياسة التى اتبعتها الولايات المتحدة بعد الهجوم على برجى مركز التجارة العالمى، واعتبر فى حواره مع «الوطن» أن السنوات الأولى التى تلت 11 سبتمبر عززت انفراد الولايات المتحدة بقيادة العالم وحشده فى «الحرب ضد الإرهاب»، إلا أن التطورات التى شهدتها المنطقة لاحقاً عززت الفرص لاستعادة قوى أخرى لنفوذها الدولى وعلى رأسها روسيا، فإلى نص الحوار:

{long_qoute_1}

■ بعد 15 عاماً، كيف تقرأ تعامل الولايات المتحدة مع اعتداءات 11 سبتمبر؟

- فى تقديرى، أن رد فعل الولايات المتحدة على اعتداءات 11 سبتمبر جاء متسرعاً فى البداية، إذ لم يأت رد فعل واشنطن متناسباً مع حجم الولايات المتحدة كقوة عظمى بقدر ما جاء متناسباً مع ضخامة الحدث متسقاً مع فجاعته، معبراً عن صدمة الإدارة الأمريكية، وهو ما يمكن الاستدلال عليه بتوقيت الحرب الأمريكية على أفغانستان التى اندلعت بعد أقل من شهر من استهداف الولايات المتحدة، ولكن لم يمنع رد الفعل المتسرع إدارة الرئيس بوش الابن من دراسة الموقف جيداً، وتحويل الأزمة إلى فرصة، وهذا ما ميز أداء الولايات المتحدة من وجهة نظرى.

■ وكيف تقيم مكاسب وخسائر الولايات المتحدة من اعتداءات 11 سبتمبر؟

- دعنا نبدأ بالخسائر، وظنى أن الخسارة الأكبر للولايات المتحدة تمثلت فى اهتزاز صورتها كقوة عظمى وإظهارها فى موقف ضعف، وهو أمر كان له عظيم الأثر سواء على الصعيد الاقتصادى أو السياسى أو الأمنى، فمثلاً على الصعيد الاقتصادى أعلنت أكثر من 60 ألف شركة إفلاسها، فيما تم تسريح نحو 140 ألف موظف وعامل، أضف إلى ذلك تكاليف إعادة إعمار ما تم تدميره فى الأحداث التى بلغت نحو 9 مليارات دولار (8 مليارات دولار لإعادة بناء برجى التجارة ومليار دولار لإصلاح ما تهدم من مبنى البنتاجون)، فى حين تجاوزت الخسائر الاقتصادية بحسب بعض التقديرات حاجز 130 مليار دولار، هذا فضلاً عن التكلفة الاقتصادية للحرب على الإرهاب التى تجاوزت حاجز 6 تريليونات دولار. أما على الصعيدين السياسى والأمنى فظنى أن أبرز التداعيات لهجمات 11 سبتمبر تمثلت فى تورط الولايات المتحدة فيما أطلقت عليه إدارة بوش الابن الحرب على الإرهاب، وتحول الولايات المتحدة إلى هدف استراتيجى لكافة الجماعات الراديكالية.

■ وكيف ترى المكاسب الأمريكية من هجمات 11 سبتمبر؟

- يظل المكسب الأهم بالنسبة لواشنطن هو اختلال ميزان القوى لصالحها، حيث عملت الولايات المتحدة منذ الأيام الأولى على حشد المجتمع الدولى خلفها فى حربها على الجماعات الراديكالية، وهو ما نجحت فيه بالفعل، وهو ما يمكن إرجاعه إلى سببين؛ أولهما قسوة الأحداث ذاتها، التى كانت ستضع بدورها علامات استفهام حول أى دولة لن تبد تعاطفاً أو تعاوناً مع واشنطن، أما ثانيهما فهى خشية بعض الدول لاسيما فى منطقة الشرق الأوسط من استعداء واشنطن إذا ما رفضت تقديم الدعم والمساعدة اللازمين، ولعل المثال الأبرز على ذلك هى باكستان التى قدمت كافة صور الدعم والمساعدة اللازمين لواشنطن فى إطار الحرب الأمريكية على أفغانستان، حيث أشارت كتابات عديدة عن تقديم باكستان لهذا الدعم خشية من تفسير موقفها على أنه دعم للإرهاب. وفى السياق ذاته اضطرت روسيا إلى تقديم تنازلات سياسية وأمنية فى مناطق كانت من المحرمات فى السياسة الروسية، كما اضطرت موسكو إلى تقديم نفسها كشريك للغرب فى مواجهة الإرهاب.

{long_qoute_2}

أضف إلى المكاسب أيضاً اتساع النفوذ الأمنى والعسكرى للولايات المتحدة الأمريكية على المستوى العالمى، ويمكن بمراجعة بسيطة للخرائط والتقارير الصادرة عن «ستراتفور» وغيرها من مراكز الفكر الأمريكى التعرف على حجم القواعد والقوات الأمريكية المنتشرة فى أرجاء العالم، وكيف كان حجمها وانتشارها قبل 11 سبتمبر وكيف أصبح بعد مرور 15 عاماً على الأحداث.

■ فى تقديرك وبعد 15 عاماً على وقوع الاعتداءات، هل هناك أطراف أو جهات أمريكية استفادت من الأحداث وبالتالى هل ثمة أطراف أخرى خاسرة؟

- بطبيعة الحال هناك أطراف استفادت من وقوع الاعتداءات، كما أن هناك أطرافاً أخرى خاسرة، وإذا بدأنا بالأطراف المستفيدة فعلينا إدراك أن الاستفادة الأكبر فى مثل هذه الحالات تكون من نصيب الجهات والمؤسسات الأمنية، التى يتزايد نفوذها وكذا الميزانيات المخصصة لها مع وقوع مثل هذه الاعتداءات الإرهابية أو تصاعد التهديدات الأمنية، وإذا ابتعدنا عن العموميات وركزنا أكثر على الحالة التى نتحدث عنها فإننا سنجد أمثلة كثيرة للجهات التى استفادت من وقوع أحداث سبتمبر، ومنها على سبيل المثال مركز مكافحة الإرهابيين بوكالة الاستخبارات الأمريكية CIA الذى كان يعتبر قبل وقوع اعتداءات سبتمبر واحداً من الأماكن محدودة الدور داخل أكبر جهاز استخبارات فى العالم، بل كان ينظر للضابط الذى يتم نقله إلى هذا المكان على أنه ضابط محدود الإمكانيات، إلى أن جاءت أحداث سبتمبر فانتعش دور المركز الذى كان يترأسه وقتها كوفر بلاك، وبالمناسبة تم تغيير اسم المركز من مركز مكافحة الإرهابيين إلى مركز مكافحة الإرهاب فى عام 2005، وهو ما اعتبره بعض المتخصصين وقتها تكريماً للمركز على الدور الذى لعبه فى الحربين الأمريكيتين فى أفغانستان والعراق، كما أن 11/9 أنقذت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية من الاتجاه لتقليص ميزانيتها نتيجة ضغوط من الساسة الذين اعتبروا توسع نشاط الوكالة يضر بمصالحهم.

وفى السياق ذاته لا يمكن إغفال الاستفادة التى حققتها القوات البحرية الأمريكية، سواء بزيادة الميزانية المخصصة لها أو بتعظيم دورها فى إطار الحرب على الإرهاب، الأمر الذى استند على تناول استراتيجية الأمن القومى الأمريكى لمفهوم الأمن البحرى لأول مرة فى عام 2002. هذا بالإضافة إلى الأرباح والمكاسب التى حققتها الشركات المتخصصة فى الصناعات والتوريدات الدفاعية، لاسيما مع تزايد معدل مشتريات الأسلحة والإنفاق العسكرى للجيش الأمريكى.

■ وبالنسبة للخاسرين؟

- إذا تحدثنا عن الخاسرين منذ 2001 حتى الآن فإننا سنجد المواطن الأمريكى والمهاجرين على رأس القائمة، حيث أدت الأحداث إلى تقليص الحريات بالنسبة للمواطنين الأمريكيين وللمقيمين الأجانب على حد سواء، كما تعددت المضايقات للحريات العامة وأصبح المواطن الأمريكى عرضة للتفتيش بصورة مكثفة خاصة فى المطارات، وللتنصت الإلكترونى وغيره من الوسائل الحديثة التى تمكن السلطات الأمريكية من متابعة أى شخص بصورة دقيقة. ولا يمكن بحال من الأحوال إغفال تراجع ثقل الكونجرس فى مقابل تزايد الوزن النسبى للمؤسسات الأمنية وعلى رأسها الجيش والاستخبارات.

هذا إذا ما تحدثنا على الصعيد الأمريكى وبشكل سريع، أما إذا تحدثنا على الصعيد الدولى فتظل منطقة الشرق الأوسط باعتبارها مسرح الحرب على الإرهاب هى الخاسر الأكبر، سواء بما جرته وخلفته الحربان الأمريكيتان على أفغانستان والعراق، أو بتزايد النفوذ الأمريكى داخل المنطقة بل والوجود العسكرى فى بعض الأحيان، وهو ما يعيدنا للحديث حول معضلة السيادة الوطنية مجدداً، ولن أتحدث هنا عن انعكاسات وتداعيات تحول السياسة الخارجية الأمريكية حيال دول المنطقة التى ساعدت فى إسقاط بعض الأنظمة الحاكمة وما ترتب عليه من هدم لبنية بعض الدول كليبيا واليمن مثلاً.


مواضيع متعلقة