«التطهير» يضع مستقبل تركيا على طريق الصدام مع الاتحاد الأوروبى

كتب: محمد حسن عامر

«التطهير» يضع مستقبل تركيا على طريق الصدام مع الاتحاد الأوروبى

«التطهير» يضع مستقبل تركيا على طريق الصدام مع الاتحاد الأوروبى

أضافت الإجراءات التى اتخذتها السلطات التركية بعد الانقلاب العسكرى الفاشل فصلاً جديداً من التعقيدات التى التصقت بالعلاقات الخارجية التركية فى الفترة الأخيرة، خاصة على صعيد العلاقات مع دول «الاتحاد الأوروبى» والعلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية والعلاقة مع «منظمة حلف شمال الأطلنطى» (ناتو)، ودول أخرى مهمة فى المنطقة. الصدام الأول كان مع الولايات المتحدة الأمريكية حين اتهم الرئيس التركى رجب طيب أردوغان علناً ومباشرة «واشنطن» بدعم الانقلاب الفاشل.. فى المقابل، انتقدت الولايات المتحدة بشدة، على لسان أكثر من مسئول أبرزهم رئيس وكالة الاستخبارات الأمريكية جيمس كلابر، الإجراءات التى تتخذها السلطات داخل الجيش التركى أو ما سمى بـ«حملة التطهير»، إلى جانب حملات الاعتقال، التى جعلت «كلابر» يقول، فى تصريحات له: «ما من شك أننا نعود إلى الوراء ما يجعل التعاون أكثر صعوبة مع الأتراك». وبعدها حذر قائد القيادة المركزية الأمريكية المشرفة على العمليات فى الشرق الأوسط جوزيف فوتيل من أن عملية «التطهير» فى الجيش شىء مقلق جداً، وقال إنها «يمكن أن تضر بالحملة على تنظيم داعش الإرهابى فى سوريا»، وأبدى كذلك حلف شمال الأطلسى القلق إزاء عمليات التطهير على لسان أحد مسئوليه. ورد الرئيس التركى على تصريحات «فوتيل» بالقول «إن الجنرال الأمريكى يقف إلى جانب الانقلابيين». {left_qoute_1}

الجانب الثانى من الصدام التركى مع «واشنطن» جاء من خلال مطالبة تركيا الولايات المتحدة بتسليم زعيم حركة الخدمة الداعية فتح الله جولن باعتباره المدبر لمحاولة الانقلاب، عملاً باتفاقية تسليم المجرمين بين البلدين، إلا أن «واشنطن» فى المقابل تقول إن الحكومة التركية لم تقدم حتى الآن ما يكفى كدليل جنائى لتسليم «جولن»، وفق ما صرح به وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى، عقب الطلب التركى. وفى المقابل هاجم الرئيس التركى مجدداً الولايات المتحدة والغرب وأكد أنه سيستمر فى حملة التطهير التى ينتهجها فى مؤسسات الدولة وعلى رأسها مؤسسة الجيش.

الصدام الثانى للرئيس التركى كان مع «الاتحاد الأوروبى» الذى ارتبط بأمرين الأول عملية الاعتقالات التى أعقبت محاولة الانقلاب، والأمر الثانى الحديث داخل تركيا عن عودة عقوبة الإعدام لمعاقبة المتورطين فى محاولة الانقلاب. فـ«الاتحاد الأوروبى» منذ البداية انتقد بشدة حملة الاعتقالات والإقالات التى تجريها الحكومة التركية بحق معارضين بداعى تورطهم فى محاولة الانقلاب أو انتمائهم إلى جماعة «جولن»، حتى إن المسئول عن توسعة «الاتحاد الأوروبى» يوهانس هان، قال: «إن عمليات الاعتقال السريعة التى تمت فى صفوف القضاة وغيرهم بعد محاولة الانقلاب الفاشلة فى تركيا تشير إلى أن الحكومة أعدت قائمة الاعتقالات سلفاً». وأضاف: «يبدو أن الأمر على الأقل وكأن شيئاً كان معداً سلفاً. القوائم متاحة بما يشير إلى أنها أعدت للاستخدام فى مرحلة معينة، أنا قلق جداً، هذا بالضبط ما خشينا منه».

وقالت صحيفة «أوبزرفر» البريطانية، فى تقرير بتاريخ 28 يوليو، إن «تلميح تركيا إلى العودة للعمل بعقوبة الإعدام يعنى تراجعاً من السلطات هناك عن الإصلاحات التى كانت تتخذها للحصول على عضوية الاتحاد الأوروبى». وأضافت الصحيفة البريطانية أن «عقوبة الإعدام تضع أنقرة فى مسار تصادمى مع الاتحاد الأوروبى، ولكن الأخير يحتاج إلى تركيا فى مسألة التعاون للحد من تدفق المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا التى تشكل أكبر الأزمات التى تواجهها دول الاتحاد فى الفترة الأخيرة». وقالت المجلة إن «اشتباه تركيا فى دعم دول أجنبية إلى جانب الولايات المتحدة محاولة الانقلاب العسكرى، إلى جانب الدعم السريع الذى قدمته روسيا وإيران إلى الرئيس التركى عقب محاولة الانقلاب يفتح الطريق إلى تحولات مختلفة فى السياسة الخارجية التركية بداية من المسرح السورى».

وقال المحلل السياسى المتخصص فى الشئون الأوروبية أليساندرو دى مايو، لـ«راديو سوا» الأمريكى، قبل أيام، تعليقاً على تأثر عضوية تركيا فى «الناتو» بحملة التطهير، إن تمادى الحكومة التركية فى السيطرة على البلاد قد يؤثر على العملية الديمقراطية وهو الأمر الذى ربما لن يرضى عنه حلف الناتو. وأضاف: «إذا استمرت عمليات اعتقال الصحافيين والمعارضين السياسيين والأكاديميين والقضاة فإن ذلك بالتأكيد سيجعل حلف الناتو يفكر فى مسألة عضوية تركيا». حتى إن وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى قد حذر من أن تركيا قد تفقد عضويتها فى الناتو إذا لم تلتزم بالقانون فى ردة فعلها على محاولة الانقلاب الفاشلة، ما دعا روسيا إلى أن تقترح على «أنقرة» الخروج من الحلف «قبل أن يتم طردها».

كذلك فإن الانقلاب الفاشل خلق حلقة جديدة فى التوتر التركى المصرى، إذ إن الحكومة التركية هاجمت مصر بعد أن عطلت «القاهرة» بياناً لـ«مجلس الأمن الدولى»، الذى تشغل مصر عضويته غير الدائمة، يدين محاولة الانقلاب الفاشلة، وهاجمت الخارجية التركية مصر، ثم ردت «القاهرة» كذلك فى بيانات للخارجية المصرية على تلك التصريحات. وقال المحلل السياسى التركى ياووز أجار، فى اتصال لـ«الوطن»، إن «الغرب لفظ الرئيس التركى منذ فترة، ولا أحد يهتم به، حتى إن الرئيس الأمريكى باراك أوباما خلال الفترة الأخيرة رفض مقابلته، كما أن دول الاتحاد الأوروبى الرئيسية لم تعد تهتم بإجراء أى لقاءات مع أردوغان، اعتراضاً على الانتهاكات الواسعة التى يقوم بها، التى تكشف إلى أى مدى الرئيس التركى مهتم فقط بتوسيع سلطانه». وأضاف «أجار»: «رئيس الوزراء التركى بن على يلدريم حين أتى لهذا المنصب بدأت تركيا تشهد بالفعل تحسناً فى العلاقات مع دول مثل إسرائيل وروسيا، وكانت هناك مؤشرات على تطبيع العلاقات بين أنقرة وعدد من الدول فى ظل حالة العزلة التى تعانيها، ودخولها فى مشكلات مع كل الدول المحيطة لها، لكن هذا الأمر تبخر ودخل أردوغان فى صدامات أكثر مع الدول الأوروبية». وتابع المحلل السياسى التركى: «السبب فى ذلك هو أن الأمر عندما يتعلق بسلطات أردوغان ونفوذه، فإن كل شىء يمكن التضحية به طالما أنه لخدمة نفوذه». وقال «أجار»: «مسألة عضوية أنقرة للاتحاد الأوروبى بعيدة جداً، وسط الانتهاكات التى تقوم بها الحكومة، وعدم تحقق كثير من شروط العضوية لتركيا، إلى جانب المخاوف من عودة أحكام الإعدام». من جهته، قال الخبير السعودى فى العلاقات الدولية أحمد آل إبراهيم، فى اتصال لـ«الوطن»: «إن الرئيس التركى رجب طيب أردوغان يحاول بالدخول فى مصادمات مع الدول الأوروبية والولايات المتحدة أن يجد شرعية لما يقوم به من ممارسات فى أعقاب المحاولة الانقلابية». وأضاف «آل إبراهيم»: «لا أظن أن الرئيس التركى بات مهتماً بمسألة انضمام بلاده إلى عضوية الاتحاد الأوروبى، لأن كل ما يهمه الآن هو تثبيت حكمه، حكم الفرد الواحد، وتنفيذ أجندته». وأضاف «آل إبراهيم»: «ولا أتصور أن العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة تتضرر إلى درجة القطيعة مثلاً بين البلدين، لأن بينهما مصالح كبيرة أكبر حتى من مسألة تسليم فتح الله جولن». وتابع الخبير السعودى: «لا أعتقد كذلك أن حلف شمال الأطلنطى سيستبعد تركيا من عضويته، فى ظل الاحتياج إلى تركيا فى إطار الحرب على الإرهاب، ولكن من الممكن أن يكون هناك توترات فى هذا الاتجاه».


مواضيع متعلقة