اللحظات الأخيرة لسقوط «مبارك» داخل «البيت الأبيض»

كتب: يسرا زهران

اللحظات الأخيرة لسقوط «مبارك» داخل «البيت الأبيض»

اللحظات الأخيرة لسقوط «مبارك» داخل «البيت الأبيض»

لا تخفى «هيلارى كلينتون»، وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة، والمرشحة الحالية للانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة عن الحزب الديمقراطى، أنها كانت تقف دائماً على خط المعارضة من سياسات الرئيس الأمريكى الحالى «باراك أوباما» فيما يتعلق بتعامله مع مصر، تقول «هيلارى» ذلك دائماً بأساليب غير مباشرة، من خلال مقالات صحفية من أقلام معروفة بصلتها الوثيقة بها، وعبر «مصادر مقربة» تخرج لتتحدث دائماً عنها لكن دون أن تتحدث باسمها، وأخيراً، من خلال مجموعة من الكتب التى صدرت مؤخراً عنها، وحظيت باهتمام يتناسب مع أهمية بطلتها، والدور الذى لعبته، وما زالت تريد أن تلعبه.

{long_qoute_1}

أحد هذه الكتب كان كتاب «هيلارى كلينتون وباراك أوباما: بدايات الصراع على السلطة الأمريكية»، للمؤلف «لاندلر» الذى عمل كمراسل صحفى لتغطية شئون البيت الأبيض لدى صحيفة «نيويورك تايمز» منذ مارس ٢٠١١، يواصل «لاندلر» فى كتابه نفس سياسة «التفرقة» بين «هيلارى» و«أوباما»، ربما لمصلحة الأولى، أو فى محاولة لإلقاء اللوم على الأخير فيما حدث خلال فترة رئاسته، إن إحدى نقاط ضعف «هيلارى» التى يجد خصومها السياسيون فرصة لمهاجمتها منها باستمرار، هى أنها كانت جزءاً رئيسياً ومحورياً من سياسات الرئيس «أوباما» خلال فترة الاضطرابات العربية فى ٢٠١١، التى تسببت فى خسائر فادحة لكل من الدول العربية التى مرت بها وعلى رأسها مصر، وتسببت أيضاً فى أن تخسر أمريكا جزءاً كبيراً من مكانتها فى العالم العربى، وإظهارها فى صورة القوة الكبرى التى تتخلى عن حلفائها القدامى، مثل «مبارك»، ولا تحسن اختيار حلفائها الجدد مثل الإخوان، وعلى ما يبدو فهمت «هيلارى» بحنكتها السياسية، أن أفضل رهان لها فى ترشحها لرئاسة أمريكا هو أن تبعد نفسها قدر المستطاع عن قرارات «أوباما»، وأن «تسرب» للإعلام الأمريكى ومن يتابعه، أنها كانت «صوت العقل» فى مرحلة طافحة بالتخبط والفوضى فى الإدارة الأمريكية، منذ اندفاع آلاف المصريين إلى الشوارع فى ٢٠١١ للمطالبة بإسقاط فساد «مبارك»، وحتى ما بعد خروج الملايين إلى نفس الشوارع فى ٢٠١٣ للإطاحة بـ«مرسى».

يرصد الكتاب الأمريكى تفاصيل تظهر الخلافات ما بين «هيلارى» و«أوباما» فيما يتعلق بالقرارات التى اتخذتها الإدارة الأمريكية حول مصر فى تلك الفترة، ربما ليظهر «الفارق» بين الرئيس القديم الذى سيتحمل أمام التاريخ تبعات ما جرى، والمرشحة الرئاسية الجديدة التى تتعهد بشكل غير مباشر بأن تدير الأمور بشكل أفضل لو نجحت فى الوصول إلى الحكم، ويبدأ الكتاب إبراز ملامح تلك الفترة من خلال زيارة السفير الأمريكى الأسبق «فرانك ويزنر» إلى القاهرة، الذى جاء إليها فى قلب أحداث ٢٠١١، حاملاً رسالة من «أوباما»، إلى الرئيس المصرى -وقتها- «حسنى مبارك». {left_qoute_1}

يصف الكتاب «فرانك ويزنر» بأنه كان دبلوماسياً أمريكياً من الرعيل القديم، الصلب، ذلك الجيل العنيد من صناع الدبلوماسية الأمريكية، الذى كان يتحين الفرصة فيما سبق لكى «يقفز» إلى قلب مناطق الاضطرابات من العالم ليتعامل معها حسب ما يقتضيه الموقف، ويتابع: «راجع «ويزنر» مع رجال إدارة «أوباما» نص الكلمات التى يفترض أن يقولها لمبارك الذى يواجه الآن ثورة عارمة من شعبه، وتحدث «ويزنر» هاتفياً لعشر دقائق مع أوباما، وقال لمساعديه إنه مرتاح لفكرة وضع خطة لإقناع «مبارك» بهدوء ولطف بتسليم السلطة، وحذرهم من اللجوء لأى تهديدات بقطع المعونة العسكرية الأمريكية عن مصر قائلاً لرجال الإدارة الأمريكية: «هذا لن يفيد فى شىء»، وتابع، وفقاً لما قاله مساعدو «هيلارى» لها فى رسالة إلكترونية: «إن قطع المعونة العسكرية الأمريكية ليس فقط أمراً غير مجدٍ، لكنه سيتسبب أيضاً فى إشعال موجة من الغضب فى المنطقة على نطاق أوسع، وفى قلب صفوف القوات المسلحة المصرية، التى تعتبر المؤسسة الوطنية الوحيدة القادرة على ما يبدو، على اجتياز تلك المرحلة الحالية من عدم الوضوح».

اتجه «ويزنر» بعدها على متن طائرة خاصة إلى القاهرة، وصل إليها فى العاشرة صباحاً، وتم اصطحابه مباشرة إلى القصر الرئاسى حيث يقيم «مبارك»، لاحظ المبعوث الأمريكى أن شوارع القاهرة كانت شبه خالية، ربما باستثناء دبابة وحيدة تحرس الميدان الذى مر به فى طريقه إلى القصر، وعند مدخل القصر الرئاسى كان الراحل «عمر سليمان»، الذى كان يشغل منصب نائب الرئيس وقتها، فى استقباله، إن «عمر سليمان» كان جنرالاً لبقاً ومحنكاً، يجيد الإنجليزية بطلاقة، وكان وجهاً مألوفاً بالنسبة لويزنر منذ أيام عمله كسفير لأمريكا لدى القاهرة، عندما كان «سليمان» يترأس وقتها إدارة المخابرات العسكرية، وصار بعدها الذراع اليمنى للرئيس «مبارك».

ويضيف الكتاب: «كانت خطورة الموقف ظاهرة بوضوح على «عمر سليمان»، وطالب «ويزنر» أكثر من مرة بأن يخبره بمحتوى الرسالة التى يحملها من الإدارة الأمريكية للرئيس، إلا أن «ويزنر» رفض البوح بما لديه حتى يتم اصطحابه لرؤية الرئيس، الذى كان جالساً فى داخل القصر، وعلى وجهه كل علامات العناد ورفض الانصياع لهتافات الناس فى الشوارع، ومطالباتهم له بالتنحى».

{long_qoute_2}

ويقول «ويزنر عن انطباعه عن مبارك»: «لقد قضيت العديد من الوقت معه، كان صديقاً عظيماً لهذه البلاد لأعوام عديدة، إلا أنه بقى فى منصبه أكثر من اللازم، وهذه نقطة أخرى».

كان «ويزنر» يحمل رسالة من نقطتين من «أوباما»: أولاهما مطالبة «مبارك» بألا تقوم القوات الأمنية بإطلاق النار على المتظاهرين فى الشوارع، والثانية هى أن يضع جدولاً زمنياً لعملية انتقال سلمى للسلطة، وكرر «ويزنر» رسالته لكى يتأكد من أنها وصلت بالشكل السليم إلى «مبارك»، وعندما غادر المبعوث الأمريكى القصر الرئاسى بعد ساعتين من النقاش، كان هناك انطباع قد تكوّن لديه بأن الرئيس «مبارك» يريد منه أن يقتنع بأنه لن تكون هناك دماء فى الشوارع، وبأنه يشعر، حتى وإن لم يصرح بذلك، بأن وقته قد انتهى، لقد كان الرئيس المصرى رجلاً ذا كبرياء، وأصر على أن يوضح أنه لن يرضخ لأى نوع من المطالبات له بتحديد موعد للرحيل.

عاد «ويزنر» إلى مقر السفارة الأمريكية فى القاهرة، حيث قدم ملخصاً لما جرى خلال لقائه مع الرئيس، وشارك فى مؤتمر اتصال آمن عبر الفيديو مع مسئولين من البيت الأبيض والخارجية الأمريكية، كانوا جميعاً يتوقون لمعرفة نتائج مهمة «ويزنر»، لكنه قال لهم إن «مبارك» ما زال بحاجة لمزيد من الوقت لكى يتقبل الموقف الذى يجد نفسه فيه بحتمية انتهاء حكمه، وظل «ويزنر» على موقفه الذى يدعو إلى الصبر فى التعامل مع الموقف حتى بعد عودته إلى الولايات المتحدة، عندما تحول ميدان التحرير إلى ساحة دم بعد موقعة الجمل الشهيرة التى سقط فيها العديد من الضحايا من بين المتظاهرين.

ويواصل الكتاب الأمريكى: «تحدث «ويزنر» عبر الأقمار الصناعية إلى صناع القرار العالمى الذين كانوا مجتمعين وقتها فى مدينة «ميونيخ» الألمانية، وكان من ضمنهم «هيلارى كلينتون»، كانوا مجتمعين ضمن مؤتمر «ميونيخ» للأمن، الذى يلتقى فيه قادة العالم وصناع القرار فيه على أعلى المستويات لمناقشة القضايا والترتيبات السياسية، وحذر «ويزنر» المجتمعين فى المؤتمر من أنه من الضرورى ألا تضغط الولايات المتحدة على «مبارك» لكى تعجل برحيله، لأن «مبارك» ما زال أمامه دور مهم ليلعبه حتى نهاية فترة حكمه الحالية، التى كان مقرراً لها أن تنتهى فى سبتمبر ٢٠١١، وأضاف «ويزنر»: «أمام «مبارك» فرصة فى الأشهر السبعة المقبلة لكى يترك الإرث الذى يريد أن يتذكره الناس به». {left_qoute_2}

وفى الوقت الذى كان «ويزنر» يتحدث فيه إلى قادة العالم المجتمعين فى «ميونيخ»، كانت «هيلارى» ومساعدوها يحضرون اجتماعات أخرى فى «بايرشير هوف»، الفندق الألمانى الفخم الذى يعقد فيه المؤتمر، لم تشاهد «هيلارى» ولا مساعدوها اتصال الفيديو المباشر لويزنر ساعة وقوعه، وعندما قرأ أحد الصحفيين عليها ما قاله «ويزنر»، شحب وجه مساعديها، أما «أوباما» فأصيب بحالة من الغضب العارم عندما وصله خبر ما قاله «ويزنر» للمجتمعين فى ميونيخ».

ويتابع: «قبلها بأربعة أيام، كان أوباما محاطاً بمجموعة من مساعديه الشباب الذين كانوا جميعاً يشعرون بالقلق من أنه لا يتخذ رد فعل يتناسب مع ما يحدث فى ميدان التحرير، وتحت ضغطهم تغير موقف الرئيس الأمريكى من الضغط برفق وصبر على «مبارك» إلى مطالبته بأن يبدأ عملية انتقال السلطة «الآن»، فيما تحول بعدها إلى التصريح الأمريكى الشهير بأن «الآن بدأ بالأمس»، إلا أن تصرف «ويزنر» أمام المجتمعين فى «ميونيخ» جعل الأمر يبدو وكأن مبعوث «أوباما» نفسه يرى أن «الآن» لن تبدأ قبل سبعة أشهر عند انتهاء فترة حكم مبارك، الأدهى أن «هيلارى» كانت بدورها تدعم موقف «ويزنر» وترى أن الجدول الزمنى الذى حدده هو الأفضل، وقالت للمجتمعين فى المؤتمر: إن عملية انتقال منظمة للسلطة فى مصر ستتطلب إجراء تعديلات دستورية، وتشكيل أحزاب سياسية، وظهور قادة معارضة جدد يتمتعون بمصداقية بعد ثلاثين عاماً من القمع، كل ذلك سوف يستغرق وقتاً».

كانت «هيلارى» تشعر بأنها قد مالت أكثر من اللازم قبل ذلك فى اتجاه الضغط على «مبارك»، وكانت قلقة من أن بعض تفسيراتها قد يساء تفسيرها على أنها تضغط من أجل رحيله، وفيما بعد، خففت وزارة الخارجية الأمريكية من نبرتها بعض الشىء لتتغير الرسالة من «على عملية انتقال السلطة أن تبدأ الآن»، إلى «على المفاوضات أن تبدأ الآن».

{long_qoute_3}

ويقول مساعدو «أوباما» إن الرئيس الأمريكى عندما يصل إلى درجة عالية من الغضب، فإنه لا يرفع صوته ولا ينهال بسيل من الإهانات والسباب، ولكن كلماته تتحول إلى حالة واضحة من الاقتضاب والحدة. وكان السؤال المقتضب والحاد الذى وجهه «أوباما» لـ«هيلارى» قبل أن تعود إلى أمريكا من ميونيخ هو: «لماذا كان «ويزنر» يتحدث من الأساس للقادة المجتمعين فى مؤتمر الأمن فى ميونيخ؟ ولماذا كان يقول أموراً تختلف عما أقول؟». وطلب «أوباما» من «هيلارى» أن تضع حداً لتلك الرسائل المختلطة التى تصدر عن الجانب الأمريكى.

ويضيف الكتاب: «كانت تلك هى أكثر المكالمات حدة بين «أوباما» و«هيلارى» على الإطلاق، وكانت تكشف بوضوح ودون مواربة عن عمق الخلافات بينهما حول الطريقة التى يرى كل منهما أن على الولايات المتحدة أن تتصرف بها مع أول ثورة «كبرى» فعلياً ضمن الاضطرابات العربية فى تلك الفترة. وعلى الفور، وبناء على أوامر البيت الأبيض، تبرأت وزارة الخارجية الأمريكية من «ويزنر» وقالت عنه إنه يتحدث بصفته الشخصية كمواطن أمريكى، وليس بصفته الرسمية كمبعوث رئاسى أمريكى، كانت تلك إهانة لدبلوماسى أمريكى مخضرم لم يفعل إلا القيام بواجبه وتنفيذ التعليمات التى كان يحملها بدقة. {left_qoute_3}

الكل تخلى عن «ويزنر»؛ رجال البيت الأبيض قالوا إنه كان مقرباً أكثر من اللازم من «مبارك»، ومساعدو «هيلارى» لم يدافعوا عنه كثيراً، قائلين إنه كان من الأفضل لو أبقى فمه مغلقاً. وظل «ويزنز» مصراً فيما بعد على أنه قام بواجبه، ونقل إلى الرئيس المصرى ما اتفق عليه مع الإدارة الأمريكية بالحرف، مضيفاً: «كانت الاستراتيجية الأمريكية السليمة التى يفترض اتباعها فى ذلك الموقف، مهما كانت حدة الانفعالات والمشاعر فى الشارع، هى الحرص على حدوث عملية انتقال مسئول للسلطة فى مصر».

ويواصل الكتاب: «إن واقعة «ويزنر» جديرة بالذكر هنا، ليس فقط لأنه كان محقاً بشأن ما ينبغى حدوثه فى مصر، ولكن لأن التقلبات والتوترات التى تمتلئ بها تلك الواقعة قد مهدت الساحة للكيفية التى سيتعامل بها كل من «أوباما» و«هيلارى» للاضطرابات التى راحت تشتعل بعدها فى العالم العربى، بداية من مصر والبحرين، وحتى اليمن وليبيا، ووصولاً إلى فظائع ما جرى فى سوريا التى وقفت فيها الولايات المتحدة موقف المتفرج على أشد الحروب دموية فى القرن الحادى والعشرين».

إن الطريقة التى تعامل بها كل من «أوباما» و«هيلارى» مع اضطرابات العالم العربى تقول الكثير عن الغريزة السياسية لكل منهما، وشكل رؤيته لدور أمريكا فى العالم. «هيلارى كلينتون» تميل بشكل عام إلى تقدير فكرة الاستقرار والولاء لحلفاء الولايات المتحدة، أما «أوباما» فهو يقلق أكثر من ألا يكون على «الجانب الصحيح» كما سيراه التاريخ. «هيلارى» تؤمن بقدرة أمريكا على التأثير فى مجرى سير الأحداث فى الدول المشتعلة بالصراعات، بينما «أوباما»، الأكثر تشككاً، يصر على تحجيم التورط الأمريكى خارج الحدود. إلا أن كلاً منهما أيضاً لم يتردد فى تغيير موقفه، وعندما تحولت اضطرابات العالم العربى لتصبح أقل مطالبة بالديمقراطية وأكثر ميلاً للطوائف والجماعات، غيّر كل من «أوباما» و«هيلارى» من الطريقة التى يتعامل بها مع الأمور. وأحياناً كانا يتبادلان الأدوار.

إن نفس الرئيس الأمريكى، ذى القيم والمثاليات، الذى وقف إلى جانب المتظاهرين فى ميدان التحرير، رفض فيما بعد أن يطلق وصف «انقلاب» على ما جرى فى مصر بعدها بعامين، عندما عزل الجيش المصرى خليفة «مبارك»، «محمد مرسى»، الذى جاء للحكم بانتخابات ديمقراطية. ونفس وزيرة الخارجية الأمريكية «الواقعية» التى كانت تطالب بالتمسك بـ«مبارك» وحذرت من ضرورة حدوث انتقال منظم للسلطة فى مصر، طالبت «أوباما» بالانضمام إلى حملة حلف الأطلسى المحفوفة بالمخاطر لتوجيه ضربة عسكرية فى ليبيا من أجل الإطاحة برئيسها معمر القذافى، ومنعه من إراقة دماء شعبه فى بنغازى.

كانت هناك تناقضات واضحة بين مواقف كل من «هيلارى» و«أوباما»، بل إن وزيرة الخارجية الأمريكية كانت تخشى من أن مصر سوف يتم ذكرها فيما بعد على أنها كانت هى الانشقاق الأكبر بينها وبين الرئيس الأمريكى. والواضح أنه حتى لم يكن «أوباما» يريد إقحام فكرة «نشر الديمقراطية» التى كان يروج لها سلفه «جورج بوش الابن» فى خطاباته لأنه يرى أنها تسببت فى كراهية أمريكا فى العالم الإسلامى، على الرغم من الضغوط المتواصلة التى كان مساعدوه الشباب يمارسونها عليه. ومع اندفاع آلاف المتظاهرين إلى ميدان التحرير للتظاهر من أجل إسقاط «مبارك»، وجد شباب إدارة «أوباما» الفرصة سانحة لدفع رئيسهم للحديث عن قيم الديمقراطية من جديد، إلا أنهم اصطدموا بجدار من المعارضة، على رأسه كانت «هيلارى كلينتون»، ووزير الدفاع الأسبق «روبرت جيتس» ونائب الرئيس «جو بايدن»، كلهم كانوا يضغطون على «أوباما» حتى لا يتخلى عن حليف عتيد لأمريكا، يحتل مكانة مركزية فى قلب السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط، واتفقت معهم العديد من الأطراف الإقليمية القلقة من إسرائيل وحتى دول الخليج العربى، إذ إن «مبارك»، على الرغم من كل ميوله ونزعاته السلطوية، كان حليفاً يمكن لأمريكا دائماً الاعتماد عليه، وحافظ كذلك على معاهدة السلام المصرية مع إسرائيل.

وخلال النقاشات الخاصة لأفراد الإدارة الأمريكية، ظلت «هيلارى» تتذكر بحنين واضح الصداقة التى جمعتها بسوزان مبارك، السيدة الأولى المصرية، خلال الزيارات المتبادلة بين القاهرة وواشنطن، عندما كان زوجها «بيل كلينتون» رئيساً لأمريكا. إلا أنه فى نهاية الأمر لعب «مجلس الحرب» فى إدارة «أوباما» على حسه العملى، بينما لعب فريق إدارته على حس «التاريخ» لديه. كل من «هيلارى» و«جيتس» حذرا «أوباما» من شبح ما جرى خلال الثورة الإسلامية فى إيران التى أطاحت بحكم الشاه «محمد رضا بهلوى» عام ١٩٧٩. كانت أيضاً ثورة بدأت باحتجاجات شعبية تماماً مثل احتجاجات ميدان التحرير فى القاهرة، وسرعان ما اختطفها الزعماء الدينيون والملالى فى إيران، وحولوا دولتهم إلى دولة شيعية قمعية وعدو للولايات المتحدة. وفى حالة مصر، صار الإخوان يلعبون دور الملالى وآيات الله فى إيران.

فى تلك الفترة كان الصراع فى داخل «أوباما» نفسه أشد من الصراع بين جناحى إدارته، وعندما سأله مساعدوه عما يتوقعه من هتافات الناس فى ميدان التحرير، قال «أوباما»: «ما أريده هو أن يكسب الشباب فى ميدان التحرير وأن يصبح الشاب القادم من «جوجل» (يقصد وائل غنيم) رئيساً. أما ما أعتقده وأراه فهو أن ذلك سوف يكون أمراً شاقاً وطويلاً».

على العكس من «هيلارى»، لم يكن «أوباما» يمتلك أى ذكريات لصداقة مع «مبارك» وزوجته الراقية عندما كان أكثر شباباً فى مراحل سابقة من حكمه. جلس الرئيس الأمريكى يشاهد الرئيس المصرى وهو يظهر على شاشة التليفزيون متحدياً كل المطالبات برحيله، ومصراً على أنه سوف يستمر فى منصبه حتى انتهاء فترة حكمه، وسوف يعيش ويموت ويدفن على أرض مصر التى حارب من أجلها. شعر «أوباما» ساعتها أن «مبارك» لا يمكن الاعتماد عليه أكثر من ذلك، وطلب أن يتصل به عبر الهاتف، فى تلك المكالمة قال «أوباما» لـ«مبارك»: «أدرك أن آخر شىء تريده هو أن ترى مصر تنزلق إلى هاوية من الفوضى، كيف يمكنك أن تساعد فى إدارة عملية التغيير؟»، فرد «مبارك» قائلاً: «أنت لا تفهم شعبى، أما أنا فأفهمه جيداً»، فقال «أوباما» ملحاً: «دعنا إذاً نتحدث من جديد غداً»، وكان رد «مبارك»: «نحن لسنا بحاجة لكى نتحدث غداً، سوف ترى بنفسك أن كل شىء سوف تتم تسويته خلال أيام». ولم يتحدث الرئيسان بعدها قط.

قال «أوباما»، فيما بعد لرجال إدارته، إن الأمور قد انفلتت من يد «مبارك»، وإن الطريقة الوحيدة التى يمكنه بها أن يستمر فى السلطة هى من خلال اللجوء لاستخدام القوة. إلا أن الأيام قد أظهرت فيما بعد أن «هيلارى» كانت على حق فى تخوفها مما يمكن أن يأتى بعد «مبارك». إن الواقع أن مصر بعد عقود من الحكم السلطوى، لم تكن لديها أحزاب سياسية فعلية، فى الوقت الذى أعلن فيه البيت الأبيض أنه على استعداد للعمل مع جماعة الإخوان، التى كانت تعد حركة المعارضة الرئيسية ضد نظام «مبارك». ما دامت تعمل كجزء من عملية الانتقال المنظم للسلطة، وبالطبع ربح الإخوان أول انتخابات يتم إجراؤها بعد حكم «مبارك».

ويواصل الكتاب: لم يجد «أوباما»، الذى كان يدافع فى خطاباته عن القيم الديمقراطية، مفراً من دعم الحزب الفائز ورئيسه، «محمد مرسى»، فى الانتخابات الرئاسية المصرية، إلا أن الإخوان أظهروا على الفور، فى أمر لم يكن مفاجئاً لمعظم من كانوا خارج دائرة البيت الأبيض، أن ليس لديهم أى خطط لنشر الإصلاحات الديمقراطية، كان هذا يبعد «أوباما» كثيراً عن «الجانب الصحيح» من التاريخ الذى كان مهتماً للغاية بأن يضع نفسه عليه، وألقى المصريون اللوم عليه بمرارة، واتهموه هو ووزيرة خارجيته بالوقوف فى صف الإسلاميين. وعندما زارت «هيلارى» القاهرة فى ٢٠١٢، ألقى متظاهرون الطماطم والأحذية على موكبها وبعضهم يهتف: «مونيكا! مونيكا!»، فى تذكير جارح لها بالفضيحة الأخلاقية التى تورط فيها زوجها خلال فترة رئاسته مع المتدربة فى البيت الأبيض «مونيكا لوينسكى».

وقتها، اتصلت «هيلارى» غاضبة بأحد مساعدى «أوباما» وسألته: «كيف لى الآن أن أصحح تلك الصورة الموجودة فى مصر بأننا ندعم جماعة الإخوان؟». أدرك الجميع فى تلك اللحظة أن «أوباما» ربما يكون قد ربح تأييد المتظاهرين فى ميدان التحرير، إلا أنه فقد مصداقيته مع باقى الأجنحة الأخرى فى الدولة المصرية، وغيرها من الدول عبر المنطقة كلها، خاصة ضمن دول الخليج العربى.


مواضيع متعلقة