4 محامين ينتحلون صفة «مستشارى الكنيسة» للتربح من الضحايا

كتب: مصطفى رحومة

4 محامين ينتحلون صفة «مستشارى الكنيسة» للتربح من الضحايا

4 محامين ينتحلون صفة «مستشارى الكنيسة» للتربح من الضحايا

فتح تعديل لائحة الأحوال الشخصية للأقباط الأرثوذكس -المعروفة بلائحة 1938- فى 2 يوليو 2008، التى قيدت الطلاق والزواج الثانى للأقباط فى سببين هما علة الزنا وتغيير الدين، الباب أمام ظهور تجارة جديدة عُرفت بـ«بيزنس تغيير الملة» بين الطوائف المسيحية، وسرعان ما تحول الأمر إلى مافيا يحكمها سماسرة من المحامين، ويقع ضحية لها آلاف الأقباط الذين لا يجدون طريقاً للتخلص من حياتهم الزوجية إلا من خلالهم.

{long_qoute_1}

أراد البابا الراحل شنودة الثالث، بذلك التعديل فى اللائحة، تقييد حالات الطلاق بين أبناء الطائفة الأرثوذكسية، كرد فعل على حكم المحكمة الإدارية العليا الذى سمح بالزواج الثانى للأقباط، كما أراد سد هذا الباب أمام تدخل القضاء فى الشأن الكنسى، إلا أنه بذلك فتح باباً خلفياً للمنتفعين والسماسرة الذين وجدوا آلاف المسيحيين الذين لا يجدون طريقاً للطلاق إلا علة الزنا التى اعتمدتها الكنيسة كسبب وحيد للطلاق طبقاً لتعاليم الكتاب المقدس، فيما ألغت البنود التسعة التى كانت تبيح الطلاق فى اللائحة قبل تعديلها، و«الزنا» هو الشرط الذى يرفضه معظم الأقباط الذين يريدون الطلاق لما فيه من تشهير وهدم لمستقبل أبنائهم وتدمير للطرف الآخر، كما أن إثبات الزنا ليس بالأمر السهل طبقاً لبنود اللائحة، فلم يجدوا أمامهم مَخرجاً إلا بالسعى لتطبيق الشريعة الإسلامية عليهم داخل المحاكم المدنية من خلال تغيير الملة أو تغيير الديانة.

وتعج المحاكم بالآلاف من قضايا الطلاق بين الأقباط، وبالعديد من ضحايا مافيا تغيير الملة، إما بالتزوير، أو الحصول على شهادات أصلية تفيد تغيير الملة بين الطوائف المسيحية فى الداخل أو الخارج، ولكل طريقة ثمنها، لكن يجتمع ضحايا كل تلك الطرق فى الإصرار على عدم الكشف عن أنفسهم أو الطريقة التى حصلوا بها على شهادة تغيير الملة من أجل الطلاق المدنى، فهم يخشون الإعلام أو ذكر أى معلومات إلا أقل القليل لكشف تلك المافيا، دون ذكر تفاصيل أو إعطاء أوراق أو ظهورهم فى الإعلام. {left_qoute_1}

من هؤلاء «كريستين. ع»، سيدة مسيحية أرثوذكسية فى بداية العقد الثالث من عمرها، تعيش فى منطقة النزهة بالقاهرة، تزوجت من «سالم. أ» مسيحى، أرثوذكسى، من محافظة الشرقية، فى 27 يناير 2007 وعقب الزواج اكتشفت عدم قدرته على معاشرتها جنسياً برغم تمليكه نفسها ما جعلها تلجأ إلى الكنيسة لأخذ بطلان للزواج بناءً على المادتين 27 و41 من لائحة 1938 الخاصة بالطلاق، وتنصان على بطلان الزواج فى حالة وجود علة نفسية أو عضوية، وتم عرضها على لجنة طبية فى عيادة الأنبا رويس بالبطريركية الأرثوذكسية، وأثبتت تلك الحالة فى الشهادة الحاصلة عليها بتاريخ 19 نوفمبر 2008، وبموجبها حصلت على الطلاق الكنسى، وكان أمامها التقدم بدعوى قضائية لمحكمة الأسرة للحصول على الطلاق المدنى من أجل الزواج، وهنا اصطدمت بعدم اعتراف القضاء بالعلة النفسية لبطلان الطلاق، وإصرار القاضى على إصدار حكم الطلاق فى علة الزنا فقط حسب تعديلات لائحة 38، واستأنفت «كريستين» فى الحكم أمام محكمة الأسرة بالزيتون فى القضية رقم 206/2009 التى رفضت أيضاً دعوى طلاقها، فلم تجد أمامها للحصول على الطلاق سوى أن تغير هى أو زوجها طائفتهما الأرثوذكسية إلى أى طائفة أخرى من أجل احتكام القضاء فى دعواها إلى الشريعة الإسلامية والحصول على الطلاق.

حينما قررت ذلك لم تجد طائفة مسيحية فى الداخل تسمح بإعطائها شهادة تغيير الملة بعد اتفاق البابا الراحل شنودة الثالث -عقب إقرار تعديلات اللائحة- مع كل الطوائف المسيحية فى الداخل، بل إن بعضها فى الخارج، على عدم إعطاء شهادات إثبات تغيير ملة لأى مسيحى من أى طائفة، ومع ذلك أتاها الحل سريعاً عبر مكالمة من محاميها بأنه يستطيع الحصول لها على شهادة تغيير ملة من طائفة أخرى من لبنان عبر محامٍ قبطى شهير يدعى «ن. ج» يرتبط بصلات وثيقة بالكنيسة فى مصر والكنائس الأخرى فى الخارج، وكان ثمن الحصول على تلك الشهادة 4 آلاف دولار للشهادة بخلاف مصاريف السفر إلى لبنان لمقابلة محامى الطائفة هناك وجلب شهادة إثبات تغيير الملة وهى السفرية التى تستغرق أسبوعاً كاملاً، وسمسرة المحامى الشهير.

بالفعل ذهب زوج «كريستين» السابق إلى هذا المحامى الشهير وحصل على شهادة تغيير الملة. وتشير حسب الصورة التى حصلت عليها «الوطن» إلى قيام «سالم. أ» الذى ينتمى لطائفة الأقباط الأرثوذكس بالانضمام إلى طائفة الروم الأرثوذكس فى 16 مارس 2009 وعبرها حصلت «كريستين» على حكم بالطلاق من محكمة الأسرة فى النزهة الدائرة الثانية فى 30 أبريل 2012 لتنتهى معاناتها عند هذا التاريخ.

{long_qoute_2}

من «كريستين» التقطنا الخيط، حاولنا البحث عن هؤلاء المحامين أو أى طرف نستطيع أن نكشف من خلاله تلك المافيا، لكن الكل يخاف ويخشى أن يكشف السر الذى يدينه، لم نتوصل إلا إلى أن من يقومون بالسمسرة فى شهادات تغيير الملة من الخارج هم أربعة محامين أقباط مشهورين ويرتبطون بعلاقات وثيقة بالكنيسة فى مصر، بل إن منهم من دافع باستماتة عن تعديلات لائحة 1938 لكونها طاقة «الثراء» التى فُتحت أمامه، وبعضهم بارك اتفاق البابا شنودة مع كل الطوائف فى الداخل على عدم إعطاء شهادة تغيير الملة بين الطوائف.

هؤلاء المحامون يلصقون لقب «مستشار» بأسمائهم، ويقولون إنهم مستشارو الكنيسة التى تنفى صلتهم دائماً بها، وتبدأ أسماؤهم بـ«ف. ك» و«ع. ح» و«ن. ج» و«ر. ر»، وتربطهم علاقات وثيقة مع عدد من كهنة كنائس طائفة الروم الأرثوذكس فى سوريا ولبنان، خصوصاً المتروبوليت إلياس الكفورى، مطران صور وصيدا وتوابعهما للروم الأرثوذكس، حيث يظهر توقيعه وأختام كنيسته، على معظم شهادات تغيير الملة التى تقدم لمحاكم الأسرة من قبل الأقباط للحصول على الطلاق احتكاماً للشريعة الإسلامية، وقد حصلت «الوطن» على شهادات تثبت ذلك.

قيمة تلك الشهادة تبلغ 4 آلاف دولار، وهو سعر موحد للحصول عليها من الخارج، بخلاف تذاكر ومصاريف السفر فى رحلة الحصول على الشهادة التى تمتد أسبوعاً، وهى رحلة تُسرع من إجراءات التقاضى حيث يقدم الشخص الحاصل على شهادة تغيير الملة وثيقة تحركات من مصلحة الجوازات والهجرة للبلد الصادر منه شهادة تغيير الملة موثقة من الخارجية المصرية ومصدقاً على الأختام التى بها، وحاصلة على صحة التوقيعات، أما فى حالة عدم السفر للخارج وإرسال مبلغ الشهادة بتحويل بنكى لكاهن الكنيسة الذى يصدر الشهادة، فإن الأمر يتطلب من القاضى أن يستعلم عن كيفية تغيير الملة فى كنيسة من بلد آخر لم يزُره من قبل، والاستعلام عن التزام من حصل على الشهادة بتأدية الطقوس الدينية للطائفة التى انضم إليها لمدة 6 شهور بانتظام أم لا.

هذا فضلاً عن أتعاب المحامى سواء أحد الأربعة الكبار الذين تربطهم علاقات بكنائس الخارج أو محاميه الأصلى وهو الوسيط وهمزة الوصل للوصول لمن يستطيع أن يعطيه الشهادة، وتتراوح أتعابهم حسب المكانة الاجتماعية للشخص الذى يسعى للحصول على الشهادة، وفى الغالب تكون بين 7 إلى 10 آلاف جنيه.

قال أحد المحامين الأقباط، طلب عدم ذكر اسمه، إنه بعد كل تلك الأموال قد يشك القاضى فى صحة الشهادة، ما يدفعه لإصدار حكم برفض دعوى الطلاق استناداً إلى نصوص لائحة 1938، وكشف المحامى عن وجود طائفة مسيحية واحدة -نتحفظ على ذكر اسمها- احترفت إصدار شهادات تغيير الملة لأبناء الطوائف الأخرى نظير مبلغ يتراوح بين 25 و30 ألف جنيه للشهادة الواحدة، وهى الطائفة الوحيدة التى خرجت عن اتفاق الطوائف المسيحية بمصر برعاية البابا شنودة عقب إقراره تعديلات لائحة 1938.

أشار المحامى إلى أن الفرق بين الحصول على شهادة تغيير الملة من الداخل أو الخارج فى ظل تقارب الثمن هو أن القاضى إذ قُدمت له شهادة تغيير الملة من طائفة فى مصر يرسل إلى رئيس الطائفة لإفادة المحكمة ما إذا كان الشخص المراد الاستعلام عنه يؤدى طقوس الطائفة بانتظام لمدة 6 شهور أم لا، كما أن طائفة الروم الأرثوذكس لا يعطون أى أحد تلك الشهادات فلا بد أن يكون معلوماً بالنسبة لهم أو أتى لهم من شخص معلوم لهم، أما فى الشهادة الصادرة من الخارج فإن المحكمة تكتفى بالتحقق من صحة التوقيعات والأختام ومن توثيق الخارجية المصرية لها.

عملية الوصول إلى المحامين السماسرة الذين يستطيعون الحصول على شهادات تغيير الملة الأصلية من الخارج ليست سهلة، فهم لا يعملون إلا عبر مصادر وأشخاص موثوق بهم وعبر محامٍ متخصص فى قضايا الأحوال الشخصية معلوم لهم خوفاً من كشف سترهم، وهو نفسه الأمر الذى يتم مع محامى الطائفة الوحيدة التى تعطى شهادة تغيير الملة داخل مصر.

ولصعوبة تلك العملية استغل بعض محترفى النصب والتزوير رغبة آلاف الأقباط فى الطلاق وتغيير ملتهم فى تزوير شهادات تغيير الملة، وهو الأمر الذى كشفته مئات القضايا والبلاغات المنظورة أمام النيابة العامة والقضاء، وكان أشهرها واقعة «صمويل لطفى» راعى الكنيسة الإنجيلية المتهم بتزوير شهادات طائفية، منسوب صدورها إلى الطوائف حتى يتمكن الضحايا من الزواج مرة أخرى، فقد ضُبط وحده بتزوير 300 شهادة تغيير ملة منسوب صدورها للطوائف الكاثوليكية والأرثوذكسية والبروتستانتية، مقابل 30 ألف جنيه للشهادة الواحدة، وكانت مباحث الأموال العامة فى القاهرة ألقت القبض على المتهم وبحوزته أختام شعار الجمهورية، وأختام خاصة بمديريتى أمن القاهرة والإسكندرية لاستخدامهما فى التزوير.

وكشفت محكمة الأسرة فى الساحل بمحكمة شمال القاهرة الابتدائية، برئاسة المستشار تامر شفيع، وبعضوية المستشارين محمد فؤاد، وهشام حجازى، على مدار شهرى يناير وفبراير 2010، تزوير عدد كبير من شهادات تغيير الملة والطائفة، حيث أقام 30 زوجاً 30 قضية منفصلة لإثبات الطلاق والخلع وقدموا شهادات موثقة من كنائسهم الجديدة بأنهم غيروا ملتهم وطائفتهم من الأقباط الأرثوذكس إلى الإنجيلية والروم الأرثوذكس، وعلى الشهادات خاتم الكنيستين الجديدتين ومقرهما القاهرة والإسكندرية، فطلبت المحكمة توثيق الشهادات من مديرية أمن القاهرة للاعتداد بها، فقدم المحامون ما يفيد أنه تم توثيقها وعليها خاتم شعار الجمهورية لمديرية الأمن، إلا أن هيئة المحكمة شكت فى صحة التوثيق فأرسلت رسمياً إلى مديرية الأمن تستعلم عن مدى صحة توثيق شهادات تغيير الملة والطائفة، فردت المديرية بأنها لا تعلم شيئاً عن هذه الشهادات ولم يتم توثيقها، فأصدرت المحكمة 30 حكماً فى القضايا برد وبطلان شهادات تغيير الملة والطائفة واعتبارها باطلة لا قيمة لها وبالتالى رفض كل دعاوى إثبات الطلاق، والخلع لثبوت اعتمادها على أوراق وإجراءات باطلة، وقضت بإحالة كل ملفات القضايا والأزواج الذين أقاموها إلى النيابة العامة للتحقيق معهم فى جريمة التزوير.

تم اكتشاف 10 وقائع مماثلة للاشتباه فى تزوير الشهادات بمحكمة الأسرة فى عين شمس، و20 قضية فى محكمة الأسرة بالمرج والمطرية، و٥١ قضية تم التحقيق فيها بمحكمة الأسرة بمصر الجديدة، وتم الاستعلام من مديرية أمن القاهرة عن مدى صحة الشهادات فى القضايا وثبت تزويرها.

وفى ظل استفحال هذه الظاهرة تضمن القانون الجديد للأحوال الشخصية المقدم من المجمع المقدس للكنيسة الأرثوذكسية إلى الدولة لتقديمه إلى البرلمان وإقراره خلال العام المقبل، نصاً بالاحتكام لشريعة العقد لإغلاق باب تغيير الملة والقضاء على تلك المافيا.

 


مواضيع متعلقة