مقالات من زمن فات: إعادة بناء مصر

سيظل يوم 10 رمضان يوماً مشهوداً فى التاريخ العربى بصفة عامة والتاريخ المصرى بصفة خاصة، فهو اليوم الذى حققت فيه مصر قفزتها الرائعة من الهزيمة إلى النصر، ومن المهانة إلى الكرامة والعزة، ومن اليأس القاتل الكامل إلى الأمل المبشر بكل الخير، ويظل يوم 10 رمضان الشاهد الكبير على أن مصر ستظل دائماً وأبداً الظهر الواقى للوطن العربى، والدرع التى تحميه، والسلاح الذى يحارب به معاركه الوطنية الحقيقية، لا التهريجية، برغم كل ما تتعرض له من حقد وسخافات بعض الحكام العرب، ولعل من محاسن الصدف أن يجىء احتفالنا بعيد 10 رمضان المبارك فى نفس الوقت الذى نجلس فيه ونضع خطط إعادة بناء مصر، وأوجه الشبه كثيرة ومتعددة وإن الإعداد للمعركة وتخطيط إعادة بناء مصر، أننا عندما كنا نخطط للمعركة ونبحث أبعادها كانت المشاكل تبدو أمامنا بأحجام هائلة تصل فى بعض جوانبها إلى درجة التعجيز، حاجز مائى عريض، سد ترابى عال يصعب اختراقه، ولكن لا بد من اختراقه، خط عسكرى محصن بأحدث أنواع المعدات الإلكترونية، بالإضافة إلى ذلك كله كان أصدقاؤنا يحذروننا من الإقدام على مثل تلك المحاولة الانتحارية، فهل ترددنا، هل حاولنا التملص من مسئوليتنا، هل طلبنا من غيرنا أن يحارب لنا معركتنا؟ أبداً.. لم يحدث شىء من هذا وإنما أقدمنا معتمدين على أنفسنا بعد أن خططنا وتدربنا، بل بعد أن استحدثنا الكثير من الاختراعات والمعدات، التى مكنتنا من التغلب على العوائق الضخمة المنيعة التى كانت فى طريقنا، وعندما جاء اليوم عبرنا وانتصرنا بعد ذلك أسأل هل التخطيط والتدريب واستحداث المخترعات المطلوبة لمواجهة المواقف هى وحدها التى حققت لنا انتصارنا فى حرب رمضان؟ وأسارع فأجيب أن ذلك كان جانباً مهماً من أسباب النصر، ولكن يزيد عليها فى رأيى الروح التى حاربت بها قواتنا المسلحة معركة رمضان، الروح التى بها درسنا المواقف، الروح التى بها تدربنا، والتى تغلبنا بها على صعاب المواقع والتى وضعنا بها خطة المعركة، والتى عبرنا بها قناة السويس، هذه الروح المصرية القومية الوطنية المؤمنة ببلدها الواثقة من نفسها، والمصممة على النصر، هى التى حققت المعجزة، وهذه هى الروح التى نحن بحاجة إليها الآن، وفى المرحلة المقبلة ونحن نعيد بناء مصر، لن يبنى مصر إلا أبناء مصر، والبناء يحتاج إلى العرق والتضحية والتحمل، لتقدير المسئولية ونبذ اللا مبالاة والشعور بالانتماء، وبالتالى بالالتزام.

الأهرام

2 أغسطس 1979