العقوبة المكملة: ملاليم يدفعها الراشى والمرتشى والإرهابى

كتب: رحاب لؤى

العقوبة المكملة: ملاليم يدفعها الراشى والمرتشى والإرهابى

العقوبة المكملة: ملاليم يدفعها الراشى والمرتشى والإرهابى

تعد الغرامة عقوبة تكميلية فى الجنايات، إلا أن بعض الأرقام التى تأتى بها الغرامة كعقوبة تكميلية تبدو صادمة بالمقارنة مع حجم الجرم المذكور، فعلى سبيل المثال، 500 جنيه فقط هى الغرامة القصوى إلى جانب الحبس مدة تتراوح بين ستة أشهر وخمس سنوات، لكل من حصل بأية وسيلة غير مشروعة على سر من إسرار الدفاع عن البلاد ولم يقصد تسليمه أو إفشاءه لدولة أجنبية أو لأحد ممن يعملون لمصلحتها، وكل من أذاع بأية طريقة سراً من أسرار الدفاع عن البلاد، ومن نظّم أو استعمل أية وسيلة من وسائل التراسل بقصد الحصول على سر من أسرار الدفاع عن البلاد أو تسليمه أو إذاعته وتكون العقوبة السجن إذا وقعت الجريمة فى زمن الحرب، ذلك بحسب المادة «80 أ» التى لم يتم تعديلها منذ 1957.

من 50 إلى 500 جنيه، غرامة الترويج بأية طريقة من الطرق لتغيير مبادئ الدستور الأساسية أو النظم الأساسية للهيئة الاجتماعية أو لتسويد طبقة اجتماعية على غيرها أو للقضاء على طبقة اجتماعية أو لقلب نظم الدولة الأساسية مع ملاحظة استعمال القوة أو الإرهاب فى ذلك، إلى جانب حبس المتهم مدة أقل من خمس سنوات، بحسب المادة 98 التى أضيفت منذ عام 1946 ولم تعدل من حينها، على المنوال ذاته تسير أغلب المواد المتعلقة بالجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العمومية، وبالحكومة من جهة الداخل.

مائة إلى ألف جنيه هى الغرامة التى يدفعها من يقبل أموالاً أو منافع من أى نوع كانت من شخص أو هيئة فى خارج الجمهورية أو فى داخلها متى كان ذلك فى سبيل ارتكاب جريمة، إلى جانب السجن مدة لا تزيد على خمس سنوات، بحسب المادة «98 د» التى تواصل عملها منذ عام 1970 حتى الآن.

مائتا جنيه أقصى مبلغ يمكن أن يدفعه من يجهر بالصياح والغناء لإثارة الفتن، أو يذيع عمداً أخباراً أو بيانات أو إشاعات كاذبة أو مغرضة أو بث دعايات مثيرة تكدر الأمن العام أو تلقى الرعب بين الناس أو تلحق الضرر بالمصلحة العامة بحسب المادتين 102 و102 مكرر. «المرتشون يعاودون العمل بقوة قانون العاملين المدنيين، ما إن يقضوا عقوبتهم، حتى يقومون بعمل مذكرة وينتقلون من حى إلى آخر ليواصلوا العمل» هذا ما يؤكده حسام رأفت، رئيس حى السيدة زينب، الذى رفض رشوة تقدر بـ700 ألف جنيه، فى أغسطس الماضى، يقترح تعديل القوانين بحيث تصبح عقوبة الموظف المرتشى الفصل التام «ماينفعش بعد ما يتعاقب يتنقل من حى لحى تانى، ويرجع يشتغل كأن شيئاً لم يكن، ملهاش حل تانى».

الموظف الشريف اقترح تعديل القوانين، ليس فقط تلك التى تتحدث عن الموظفين المرتشين، ولكن التى تكفل منع الفساد قبل وقوعه: «محتاجين مراجعة واختصار للقوانين الكتير جداً اللى الموظفين بيعتمدوا عليها عشان يقرفوا المواطن، والقوانين اللى بتخلى دور أجهزة الرقابة مرعب للموظف وليس داعم، الموظف والمواطن والمراقب محتاجين تفاصيل واضحة وبسيطة يشتغلوا عليها».

وجهة نظر لـ«حسام» يثبتها قانون العقوبات، تحديداً فى باب الرشاوى، حيث يبدو الأمر مطمئناً إلى حد بعيد بالنسبة إلى الجناة، خاصة إذا كانوا من فئة الموظفين العموميين، فعلى سبيل المثال كل موظف عمومى قبل من شخص هدية أو عطية مقابل أداء وظيفته أو الامتناع عن أدائها والإخلال بواجباتها، بقصد المكافأة على ذلك وبغير اتفاق سابق يعاقب بالسجن وبغرامة لا تقل عن مائة جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه، بحسب المادة 105 التى تواصل عملها منذ عام 1962 حتى الآن ليس هذا فحسب، أيضاً كل موظف عمومى قام بعمل من أعمال وظيفته أو امتنع عن عمل من أعمال وظيفته أو أخل بواجباتها نتيجة لرجاء أو توصية أو وساطة يعاقب بالسجن وبغرامة لا تقل عن مائتى جنيه ولا تزيد على خمسمائة جنيه بحسب المادة 105 مكرر.

الراشى أيضاً ينعم فى ظل قانون عقوبات يقرر غرامته بتقدير مقبل من عام 1962 فبحسب المادة 109 مكرر من عرض رشوة ولم تقبل منه، يعاقب بالسجن وبغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تزيد على ألف جنيه، وذلك إذا كان العرض حاصلاً لموظف عام، أما غير الموظف العام فتكون العقوبة الحبس لمدة لا تزيد على سنتين أو غرامة لا تجاوز مائتى جنيه.

الباب الخامس بقانون العقوبات يفتح الباب بدوره لتجاوز الموظفين حدود وظائفهم، كما يتيح لهم التقصير فى أداء الواجبات المتعلقة بها، فعلى سبيل المثال امتناع أحد القضاة، فى غير الأحوال المذكورة، عن الحكم يعاقب بالعزل وبغرامة لا تزيد على مائتى جنيه، بحسب المادة 122.

الجزاءات المادية فى العقوبات المكملة غير رادعة ولا تتناسب مع أحجام الجرائم التى ترتكب بأى حال، يتحدث عاصم عبدالمعطى، مدير المركز المصرى لمكافحة الفساد، مشيراً إلى أن المبالغ المذكورة كغرامات قد تم تحديدها فى توقيتات كانت السرقات فى وقتها أقل كثيراً مما هى عليه الآن، وبالتالى كانت المبالغ المقررة كغرامة تجدى وتردع، أما الآن فلا تتناسب وتجعل العقوبة بنظر المجرم تافهة، يقضيها ليخرج مرة أخرى ويواصل ما يعمل.

«عبدالمعطى» أشار إلى حالة من التشجيع التى يمثلها قانون العقوبات، وعلى شاكلته عشرات القوانين الأخرى التى تصنع من «الفساد» حالة عامة، تواصل القوانين تقنينها واحداً بعد آخر «قانون التصالح واحد من تلك القوانين، التى تشجع الأفراد على الفساد، وتضع مبدأ أن الحساب مرهون بالاكتشاف، فقط الواقعة التى يتم اكتشفاها يتم تسديدها، أما ما لا يتم اكتشافه فيفوز صاحبه بالغنيمة، والأكثر شطارة من يتقن التخفى والاستثمار».

ليس هذا وحسب، فالقوانين التى صدرت على مدار السنوات الماضية فيما يتعلق بالتصالح مع الفاسدين، بحسب عاصم عبدالمعطى تتيح لمن يهدر المال العام التصالح، بسداد قيمة المبالغ التى استولى عليها، بتاريخ الاستيلاء عليها، مع دفع غرامة فى هذا الشأن «بمعنى أن الفاسد الذى نهب أموال الدولة، وظلت تعمل لحسابه سنوات، سوف يردها بنفس القيمة التى حصل عليها، وجنى من ورائها الملايين، ودون عقاب حقيقى يردع غيره، بل على العكسى يشجعهم، فالمقابل أضخم من الغرامة».

39 قانوناً بحسب المركز المصرى لمكافحة الفساد بحاجة إلى التغيير، بعضها صدر قبيل ثورة 25 يناير وبعضها بعد الثورة: «تم سنهم دون أن يؤخذ فى الاعتبار أنها قد تساعد على زيادة الفساد وليس ردعه وبالتالى ساعدت على تبرئة الكثير من الفاسدين، ولم يؤخذ الإجراء القانونى الكفيل بحفظ حق الدولة ويكفل عدم إهدار كرامة ودخول المواطنين، لكن الفرصة ما زالت متاحة لتعديل هذه القوانين إذا تم التعامل معها كأولويات، المسألة لا تحتاج لأكثر من إرادة سياسة ورغبة صادقة فى حصر القوانين وتعديلها».

 


مواضيع متعلقة