ماما.. مازنجر!
ناس كتيرة شايفين إني Feminist أو مناهضة للمرأة) وحقوقها، وده في الحقيقة مش صح. أنا فعلا مؤمنة بكياني كأنثى ومواطن فعال في مجتمعه له كامل الحقوق وعليه نفس الواجبات اللي على الراجل، لكن ده مش معناه إني متحيزة أو مؤمنة بأفضلية المرأة على الراجل، أنا حتى مش مؤمنة إن فيه حاجة اسمها (قضية المرأة)، فيه حاجة اسمها (قضية المجتمع) فيه حاجة اسمها تحديات ومشاكل منها الأخلاقي ومنها اللي له جذور في عاداتنا القديمة بتقلل دور الست، وبتفرض عليها أشكال معينة من التصرفات بحكم إنها (ست) أو (بنت) ومايصحش تقول، مايصحش تعمل، مايصحش تجيب حقها أو تتكلم.
أما أنا اتربيت إني شخص كامل، له كل الحرية في حماية نفسه والتعبير عن رأيه في الإطار المشروع قانونا والمقبول اجتماعيا، والسبب في كل ده، "مازنجر". و"مازنجر" هنا مش الشخصية الكارتونية اللي كنا بنتفرج عليه وإحنا عيال صغيرين، "مازنجر: بالنسبالي مجرد نموذج للبطل الخارق اللي بينصر الحق، نموذج للقوة والصلابة، "مازنجر" في حياتي هي أمي.
اتربيت في بيت كنت فيه الطفلة الوحيدة، مليش إخوات بنات أو ولاد، طفلة وحيدة لكن عمري محسيت إني لوحدي. أمي كانت دايمًا معايا، بتلعب دور الأب والأم والأخت والصاحبة ده غير دور الدكتور والسواق والطباخ ومصحح اللغة وخبير الأزياء، والإتيكيت والمستشار النفسي والعاطفي.
وأنا في ابتدائي، كنت طفلة هادية جدًا، وكنت (دحاحة) من اللي بيقعدوا قدام وكنت بكتب قصص ومشتركة في (أسرة المكتبة). في يوم، زميلة معايا في الفصل كانت بتهزر لكن هزار عيال (تقيل شوية)، ماسكة القلم الرصاص زي ما يكون سكينة و(بتهوشني) به، المهم القلم الرصاص اللي كان مبري ومسنون على الآخر دخل في إيدي في المنطقة اللي جنب الصباع الصغير و(خرم) جلدي حرفيا وطلع من الناحية التانية.
رحت للدكتورة اللي في المدرسة وطهرتلي الجرح وحطت عليه (بلاستر)، وآخر اليوم رجعت البيت، وطبعا مين شافني.. "مازنجر"!، تاني يوم كان فيه عاصفة في المدرسة، والدتي راحت اتخانقت مع كل اللي شافتهم في سكتها من أول المدرسين لغاية مكتب المديرة وقالتلها، "مش ماشية غير لما تجيبولي (الإرهابية) دي، وحد من أهلها عشان حق بنتي!" .
معرفش لو أمي ماكانتش عملت كده كنت هحس بإيه دلوقتي. لو ماكنتش شفت المدرسة باللي فيها بزميلتي وأهلها بيعتذرولي، لو ماكنتش عشت تجربة إني وأنا عيلة صغيرة بتعامل إني واحدة كبيرة وبتسأل، "خلاص سامحتيها؟" وأرد بكل كرامة وعزة نفس "مسامحاكي"، وأنا ببص لوالدتي اللي بتبسملي عشان عارفة إنها كده جابتلي حقي، لو ماكانش كل ده حصل كنت هكبر وأبقى إنسانة ضعيفة ومهزومة، شايفة إنه عادي تتأذى وتتهان وتسكت.
في أول يوم من أيام ثانوية عامة، كنت رايحة أحضر درس رياضة) في بيت زميلة ليا ساكنة بعدنا بشارعين تلاتة، وفوجئت بواحد بياع فاكهة من المنطقة ماشي ورايا من ساعة ما نزلت من البيت وعمال يهمس بكلام ماكنتش سامعاه كله بس ماكنتش مرتاحة خصوصًا لما بدأت أمشي أسرع ولقيته هو كمان سرع خطوته.
طلعت العمارة، طلع ورايا ولما تأكدت إن نيته سيئة جريت في العمارة، وأنا خايفة لحد ما وصلت شقة صاحبتي ودخلت وأنا منهارة من الخضة والرعب، والدة صاحبتي يومها سألتني وقالتلي، "هو عملك حاجة؟ لمسك يعني أو عمل حاجة كبيرة؟"، قلتلها "لأ بس مشي ورايا وكان بيقوللي كذا وكذا وكان ناوي يعمل لولا إني جريت منه"، يومها قالتلي كلمة عمري ماهنساها قالتلي، "إنسي يا حبيبتي إنسي. ده بنتي يااااما حصلها كده. اشربي المانجا اشربي". مقدرتش أشرب المانجا ولا فهمت حاجة في الدرس ورجعت البيت وطبعا مين اللي شافني، "مازنجر!" ماكنتش ناوية أحكي لكن أمي فضلت تضغط عليا وبعد ماحكيت، ماقالتش ولا كلمة ولبست هدومها بسرعة وخدتني من إيدي ونزلنا.
وقفت بالعربية قدام فرشة الولد بياع الفاكهة وكان واقف هو وأبوه، بصتلي وهي بتجز بإيديها على (الدركسيون) وقالتلي "بصي، إنتي دلوقتي قدامك اختيار من اتنين، يا إما هدوس بنزين للآخر وأدخل في الولد ده السجن، يا إما تبقي شجاعة كفاية إنك تحكي اللي أنت قلتيهولي تاني في القسم، وأوعدك إني هجيبلك حقك بالقانون وشرع ربنا"، وفعلا رحنا القسم وحكيت وحكيت تاني في النيابة، وكنت فاكرة، إن الضابط هيتريق عليا ويقوللي "جت سليمة" زي ما والدة صاحبتي قالتلي، لكن ماعملش كده وبعت جاب الولد فورا وساعتها عرفت إن (التحرش اللفظي) جريمة والشروع في الأكتر منه جريمة برضه، حتى لو ماحصلش حاجة. الموضوع سهل والقانون صارم وبيجيب للبنت حقها وبيعاقب المتحرشين بكل أنواعهم لكن إحنا اللي بنسكت على حقنا، أو بنخاف أو ما بنلاقيش "مازنجر".
جايز لو ماكانتش أمي عملت كده، ولو ماكنتش شفت كسرة نفس الولد وأهله في النيابة، ولو ماكنتش خدت حقي بالقانون، كانت نفسي أنا اللي بقت مكسورة، كنت همشي في الشارع مرعوبة وخايفة أو هبطل أمشي في الشارع خالص وأتحول من صاحب حق صوته عالي لضحية.
ليلة امتحان التاريخ، في ثانوية عامة، دماغي قفلت تماما، كنت حاسة إن المعلومات كلها راحت مع إني كنت مذاكرة كويس جدًا، ولما توترت بدأت أعيط بحرقة وصعبت عليا نفسي. دخلت أمي عليا الأوضة لقيتني ساندة راسي على المكتب وبعيط، بصيتلي بصة كلها قوة وبجبروت :مازنجر" قالتلي "قومي تعالي..فيه فيلم جاءنا البيان التالي على التليفزيون. مش هتذاكري كلمة النهارده خلاص"، ماكنتش مصدقة إنها بتقولي كده وقعدت أتفرج وأنا حاسة بالذنب وإني ضعت خلاص. فهمت كلامها لما شفت النتيجة وجبت 50 من 50 في التاريخ وفي الرياضة، وتقريبا في كل المواد.
لما خلصت امتحانات ثانوية عامة وطلعت النتيجة وشفت رقم 99.3% في شهادة التخرج، كان فيه ضغط شديد جدًا من كل الناس إني أدخل أعلى كلية ممكن أدخلها بالرقم ده، التفكير المصري التقليدي اللي (لبس) نص جيلنا في الحيط من منطلق (استخسار) الدرجات، لكن كالعادة "مازنجر" كانت واقفة في ضهري وقالتلي "نقي الكلية اللي أنت حباها مش اللي بتاخد أعلى مجموع. مستقبلك مش صفقة".
أكيد، مش كل البنات محظوظة إن يكون عندها "مازنجر" اللي يجيبلها حقها ويعلمها تتمسك به وتجيبه بالقانون أو تعفو بمزاجها عند المقدرة، مش كل البنات محظوظة إنها تتربى مع أم تبقى سندها وضهرها وتحسسها من أول يوم اتولدت فيها إنها مواطن كامل مش كمالة عدد، مش كل البنات عندها "مازنجر" اللي مؤمن بيها وبأحلامها وبقدراتها. لكن أنا كنت محظوظة للدرجة دي، وكل لحظة بحقق فيها حاجة جديدة كنت شايفاها صعبة بحس بالامتنان لأمي وبحس بفضلها عليا عشان كل يوم ببقى أقوى وبتحول من غير ما أحس لـ"مازنجر" تاني زي ماما.شكرًا يا أمي.