اكتتاب «أرامكو» واستثمار العروبة

نشوى الحوفى

نشوى الحوفى

كاتب صحفي

فى الخامس والعشرين من أبريل الماضى أعلن الأمير محمد بن سلمان، ولى ولى العهد ووزير الدفاع السعودى، عن رؤية السعودية 2030 وسعيها للتحرر من النفط كمصدر رئيسى للدخل السعودى بحلول العام 2020، تضمنت الرؤية العديد من النقاط التى توقف عندها خبراء الاقتصاد فى المنطقة والعالم، وبخاصة مع ما تضمنته من طرح أسهم شركة أرامكو -أكبر شركات النفط فى العالم والمقدر قيمة أسهمها بما يتراوح بين 2-3 تريليونات دولار- للاكتتاب العام بنسبة تبدأ من 10%، الأمر الذى دفع خبراء بالاقتصاد العالمى إلى التحذير من أن المملكة قد تذبح «الأوزة» التى تبيض الذهب على حسب ما نقلت وسائل الإعلام العالمية.

ولكن الأمر لا يتوقف عند حاجز أرامكو التى يعمل بها ما يقرب من 65 ألف موظف، ولا تتجاوز قيمة إنتاج برميل البترول بها عشرة دولارات، وتمتلك احتياطياً يبلغ حجمه 261 مليار برميل، وهو ما يتجاوز احتياطى البترول الذى تملكه قارة أمريكا الشمالية بأكملها، وفقاً للتقارير العالمية. فرؤية المملكة تتعدى ذلك لتتضمن إنشاء صندوق سيادى بأصول استثمارية تبلغ قيمتها 2.5 تريليون دولار، تمتد استثماراته لأماكن عدة فى العالم، لمضاعفة الإيرادات غير النفطية من 43.5 مليار دولار سنوياً إلى 267 مليار دولار سنوياً، وزيادة الصادرات من 16% إلى 50% مع التوجه للاستثمار الصناعى والزراعى فى مصر والسودان، حسبما أعلن الأمير محمد بن سالمان فى مؤتمره الصحفى الذى دشن من خلاله تلك الرؤية.

نعم قالها ولى العهد صراحة إن الاستثمار السعودى سيعتمد على كل من مصر والسودان فى الزراعة والتصدير وخصوصاً مصر فيما يتعلق بالتصدير إلى أوروبا والاستيراد للمملكة، وهو ما يفسر الاتفاقيات الأخيرة الموقعة بين مصر والسعودية وشهدتها زيارة الملك سلمان للقاهرة مؤخراً، وهو ما يعنى أمراً آخر غاية فى الأهمية يتعلق بالتكامل المصرى السعودى فى مجال الاستثمار وتقوية الاقتصاد الخاص بكلا البلدين بعيداً عن أسواق النفط الذى منح الاقتصاد السعودى خسارة غير خافية على مدى العام ونصف المنصرم، بعد تراجع سعر برميل البترول من 100 دولار إلى 26 دولاراً، ولا يتوقف التعاون الاقتصادى بين مصر والسعودية عند حدود الدولتين بل يمتد لدول الخليج التى تقودها المملكة، ودول الشمال الأفريقى العربية التى تتصدرها مصر.

نعم يا سادة لا طالما حلمنا بتكامل اقتصادى عربى يستغل ثروات الخليج النفطية ويزرع السودان ويستغل الأيدى العاملة والعقول فى مصر، ربما مضت سنوات على تحقيق الحلم -الذى ما زال حلماً- ضاعت فيها العراق وتصارعت فيها القوى بسوريا وانتحرت فيها ليبيا وتناحرت فيها اليمن وتوقفت فيها لبنان، ولكن ما زال الأمل يؤكد قدرتنا على السعى ومد جسور الاستثمار لإحياء الأرض والنفوس التى ملكها اليأس، ولكن علينا الوعى أن الغرب لن يتركنا لا من منطلق الخوف على مصدر قوته ونفوذه السياسى والاقتصادى والاستراتيجى فى المنطقة التى زرع فيها قواعده وشركاته منذ سنوات طويلة وحسب، ولكن من باب منع نهوض ذلك المارد العربى المتمثل فى ما يزيد على 300 مليون نسمة، الجالس على ثروات متعددة أقلها النفط الذى سعوا للسيطرة عليه منذ أن تبدى ظهوره فى بلادنا.

حديثى لا يستند إلى المؤامرة التى يشككون فيها طيلة الوقت، ولكن ينطلق من وثائق التاريخ التى يكشفون عنها بين الحين والآخر، بدءاً من اتفاقية لندن عام 1840 التى أوقفت طموحات مصر بقيادة محمد على، مروراً باتفاقية سايكس - بيكو التى قسمت عالمنا العربى وفق رؤاهم، وزرع إسرائيل فى أراضى فلسطين بوعد بلفور، ومنح شركات البترول البريطانية والأمريكية حق التنقيب عن البترول فى بلادنا منذ اكتشافه فى الأربعينات من القرن الماضى، واتفاقية البترودولار عام 1974 التى ربطت تصدير النفط فى العالم بالدولار الأمريكى بشكل حمى العملة الأمريكية، انتهاءً بكل الحروب التى خاضتها المنطقة العربية منذ ثمانينات القرن الماضى، سيواصلون سعيهم لكسرنا ولكننا نستطيع لو تيقنا أن أمننا كعرب فى وحدتنا وحسب.