حكاية الخلق والإنسان كما يرويها "ابن عربي" في تتر "السبع وصايا"
كيف يمكن أن تبدأ الحكاية؟، يبدأها "ابن عربي" بما في القلوب حيث يقول الله تعالى "إنها لا تعمى الأبصار ولكنها تعمى القلوب التي في الصدور" من هنا يبدأ "ابن عربي" حكايته من "القلب" تلك المضغة الصغيرة التي يقول عنا الرسول أنها "إن صلحت صلح الجسد كله، وإن فسدت فسد الجسد كله".
يبدأ بها "ابن عربي" ليجعلها مفسرة لما يأتي بعدها "تلك القلوب التي أبت أن تسكن الفردوس" بها تتذكر كيف لم يستمع آدم لربه فعصاه، وأكل من الشجرة التي حرمها الله، لينزل إلى الأرض، وتبدأ حكاية الإنسان كخليفة الله على أرضه بعد أن "تلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه".
(فللهِ قومٌ في الفراديسِ مذ أبتْ قلوبهم أن تسكن الجوَّ والسما)
في البيت الثاني يحكي "ابن عربي" عن بداية الخلق نفسها، يقول تعالى "خلق الإنسان من عجل"، في تفسير الجلالين فسرت هذه الآية: أي لكثرة تعجله في أحواله فكأنه خلق منه، والقرطبي يحكي عن خلق آدم الذي تناقل أنه كان يوم جمعة فلما أحيا الله رأسه استعجل، وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس.
وعندما دبت الروح في آدم نطق كل شيء حتى ألسنة النيران، ويحكى في قصة أخرى أنه لما دبت فيه الروح دبت في عينيه فنظر إلى ثمار الجنة، ومن ثم اشتهى الطعام، فوثب قبل أن تبلغ الروح إلى رجليه متعجلًا إلى ثمار الجنة؛ لتنطق حتى النيران في الأسفل إثر عملية الخلق هذه.
(ففي العَجَلِ السرُّ الذي صدعتْ له رعودُ اللظى في السُفلِ من ظاهر العَجَى)
في البيت الثالث يحكي "ابن عربي" عن لحظة دبيب الروح لآدم، كيف تصبح تلك اللحظة التي جعلت النيران تنطق، أن تصبح هينة على آدم؟، في الحقيقة كانت، تلك اللحظة التي كانت برق ساطع يبرق من باطن رجله "قدمه" مليء بالجلال، ومن هنا تحديدًا يمكننا أن نقول أن الإنسان يمكنه التغلب على قوة النيران مهما بدت من مخيفة، تلك النار التي ظهرت لحظة ضعفها وقت خلق "آدم" وبرغم ذلك فإن النار بعد ذلك هي التي يخاف منها "ابن آدم"!.
(وأبرقَ برقٌ في نواحيهِ ساطعٌ يجلِّلُهُ من باطنِ الرِجلِ في الشوى)
أما في البيت الرابع يكمل "ابن عربي" قصة الخلق، فكان أول صوت يطلقه "آدم" بعد خلقه كان عطسه، ويقول عن ذلك أبو هريرة في حديث مرفوع "لما خلق الله آدم عطسه فقال الحمد لله، فقال له ربه رحمك ربك يا آدم"، ومنها يقول "ابن عربي" فاستوجب الحمد والثنا، والحديث "المرفوع" هو ما أضيف إلى الرسول من قول أو فعل أو صفة، وقد يكون حسنًا أو ضعيفًا أو صحيحًا بحسب السند والمتن.
(فأولُ صوتٍ كان منه بأنفه فشمّته فاستوجبَ الحمدَ والثنا)
في البيت الخامس يتحدث "ابن عربي" عن الإيمان، تلك اللحظة التي أوحى الله فيها لآدم أن يؤمن "إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون"، و"آدم" يمتلك ما امتلكه بعده ملايين البشر، ذلك الإيمان المكتمي أو "المستتر" في نفسه، ذلك الإيمان الفطري الذي يولد به الإنسان، ويصل به إلى الله كما وصل "إخناتون" في عصر الفراعنة أنه هناك إله واحد خالق الكون، أو الإيمان الذي وصل به إبراهيم إلى الله، أو محمد من بعده.
(وفاجأهُ وحيٌ من اللهِ آمرٌ وكان له ما كان في نفسه اكتمى)
يصل في البيت السادس إلى نتيجة من قصة "آدم"، حيث الإنسان الذي يحمل جميع المتناقضات، ويجمع بين الطاعة والمعصية، تلك الطاعة التي بها يصبح الإنسان قريبًا من الله، والمعصية التي لولاها لما اختار الله الإنسان خليفة على أرضه، نرى هذا في ما قاله الله نفسه في كتابه الكريم على لسان ملائكته "أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك نقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون".
(فيا طاعتي لو كنتِ كنتُ مقربًا ومعصيتي لولاكِ ماكنتُ مجتبى)
ينهي "ابن عربي" قصيدته في البيت السابع، حيث يفسر هذا "العلم" في قول الله "إني أعلم ما لا تعلمون"، الله يرغب في الاختلاف، في اختلاف البشر، فلولا الشر ما وجد الخير، ولولا الظلم ما وجدت الحاجة للعدل، ولولا خطأ الإنسان ما عاد للتوبة والابتهال والتقرب لله، فيقول "ابن عربي": وما النور إلا في مخالفة النهى، وفي المعجم "النهي" هو العقل، وذلك من قوله تعالى "إن في ذلك آيات لأولي النهى"، ولكن "ابن عربي" يقصد بها هنا، مواجهة الرغبات.
وما يهمنا في النهاية هو مفهوم "النور" عند "ابن عربي" أو عند المتصوفة عامة، ذلك الذي يرجوه "ابن عربي" في نهاية قصته هذه، أولًا النور هو اسم من أسماء الله الحسنى، يرى فيه "ابن عربي" مبدأين الأول مبدأ الخلق والثاني مبدأ الإدراك ومنه الإيمان، فكما يقول "ابن عربي": الله أخرجنا من من ظلمة العدم إلى نور الوجود يكمل "ابن عربي" في نفس كتابه فيقول: والله نور منبسط على جميع الموجودات يسمى: نور الوجود.
في المبدأ الثاني يفسره "ابن عربي": من عرف نفسه عرف ربه، فيعلم أنه الحق. فيخرج العارف المؤمن الحق بولايته، التي أعطاه الله، من ظلمة الغيب، إلى نور الشهود، وهو الهدف الذي يبحث عنه المتصوفة، والناس على حد سواء.
(فما العلم إلا في الخلافِ وسرِّه وما النورُ إلاَّ في مخالفةِ النهى)